لبنان – عندما تعود أسلحة الثمانينات.. من التفوق بالنار إلى معادلة التكلفة

اخبار لبنان28 أبريل 2026آخر تحديث :
لبنان – عندما تعود أسلحة الثمانينات.. من التفوق بالنار إلى معادلة التكلفة

اخبار لبنان – وطن نيوز

اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-28 18:00:00

لم يعد من الممكن قراءة الحرب بين لبنان و”إسرائيل” من خلال مقياس تقليدي يعتمد على عدد الطائرات أو شدة الغارات أو حجم الترسانة. ما يتكشف تدريجياً على طول الجبهة هو تحول أعمق يمس جوهر الحرب نفسها: انتقالها من معركة التفوق الناري إلى معركة التكلفة، حيث يصبح الاستمرار بحد ذاته عبئاً استراتيجياً. ولا يأتي هذا التحول نتيجة لنقص تقني، بل نتيجة خيار واعي لإعادة تعريف ساحة المعركة. إن ما يسمى بـ”أسلحة الثمانينات” لا يشير فقط إلى أدوات بسيطة أو بدائية، بل إلى فلسفة قتالية نشأت في بيئات غير متكافئة، حيث يتم تفكيك تفوق الخصم مع مرور الوقت وليس من خلال المواجهة المباشرة. إن الكمائن والقنابل والاشتباكات القريبة والضربات المحدودة ولكن المتكررة ليست تفاصيل تكتيكية، بل هي عناصر استراتيجية تهدف إلى تحويل الحرب من صدمة سريعة إلى نزيف طويل. وفي هذا السياق، لم يعد الهدف تحقيق اختراق واسع النطاق، بل تأسيس معادلة: كل تقدم يقابله استنزاف. كل تصعيد يقابله هجوم مضاد. أي أن المعركة تنسحب تدريجياً من ساحة الحسم إلى ساحة الصمود. وهذا بالضبط ما يعيد إنتاج تجربة الثمانينيات، ولكن ضمن بيئة أكثر تعقيدا، حيث تتقاطع الحرب التقليدية مع الأدوات الحديثة مثل الطائرات بدون طيار والاستطلاع الدقيق. ومن ناحية أخرى، تكشف التصريحات الإسرائيلية خلال هذه الحرب عن توتر واضح بين الطموح والواقع. في البداية، تم طرح الأهداف القصوى، والحديث عن تفكيك البنية العسكرية للخصم، أو تغيير قواعد الاشتباك بشكل جذري. لكن هذا الخطاب بدأ يتراجع تدريجياً، ليحل محله حديث أكثر واقعية عن «إعادة الردع» أو «تأمين الحدود». وهذا التراجع لا يعكس تعديلاً في الأهداف فحسب، بل يكشف أيضاً عن صعوبة تحويل التفوق العسكري إلى إنجاز سياسي مستقر. وهذا التناقض واضح أيضًا في السلوك الميداني. وبينما تواصل إسرائيل توسيع نطاق ضرباتها، سواء جغرافيا أو من حيث الشدة، فإن ذلك لا يصاحبه أي تراجع فعلي في وتيرة العمليات المقابلة. بل على العكس من ذلك، يبدو أن كل تصعيد ناري يفتح المجال أمام دورة جديدة من الردود، ما يحول القوة النارية إلى أداة لإدارة الأزمات بدلاً من وسيلة لإنهائها. وهنا يظهر المأزق الاستراتيجي بوضوح: إسرائيل قادرة على التصعيد، لكنها غير قادرة على فرض حد له. وكلما طال أمد المواجهة، كلما تآكلت إحدى أهم ركائز عقيدتها العسكرية، وهي القدرة على خوض حروب قصيرة وحاسمة. في المقابل، يتحول الزمن إلى عامل ضغط داخلي، سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي أو الأمني ​​على الجبهة الشمالية. وفي هذا السياق، تعود مقاربة قديمة جديدة في التفكير الأمني ​​الإسرائيلي إلى الواجهة: التعامل مع لبنان باعتباره «دولة حاجزة». ويرتكز هذا المبدأ المتجذر في التفكير الجيوسياسي على استخدام الجغرافيا كأداة لاحتواء التهديد، من خلال خلق مساحة عازلة تمتص الصدمات وتؤخر وصول الخطر. وفي التجربة الإسرائيلية، تجسد هذا المفهوم تاريخياً في محاولات إنشاء «أحزمة أمنية» في جنوب لبنان، بحيث تجري المواجهة ضمن هذا الفضاء بدلاً من التعمق فيه. لكن إعادة تطبيق هذا المبدأ في الحرب الحالية يصطدم بتحول جوهري في طبيعة الصراع. لم يعد لبنان مجرد فضاء يمكن السيطرة عليه من خلال التمركز العسكري أو الترتيبات الأمنية الثابتة. بل أصبحت بيئة مفتوحة أمام الجهات القادرة على تحويل أي «منطقة تقسيم» إلى ساحة استنزاف. أي تواجد عسكري مباشر أو غير مباشر سرعان ما يتحول إلى هدف، وكل محاولة لفرض الاستقرار القسري تولد ديناميكية مضادة تعيد تفجير الجبهة. وبهذا المعنى تفقد فكرة «الدولة الحاجزة» فعاليتها، لأنها تفترض إمكانية رسم خطوط واضحة بين الحرب والسلام، في حين أن الواقع الحالي يقوم على التداخل الدائم بينهما. ولم تعد الحدود خطاً ثابتاً، بل أصبحت منطقة اشتباك متواصلة، تتغير طبيعتها بحسب إيقاع العمليات. وهنا تحديداً، تتحول الجغرافيا من أداة احتواء إلى عبء إضافي، حيث يصبح الحفاظ على «الحاجز» نفسه تكلفة دائمة. ما يحدث إذن هو إعادة تشكيل لمفهوم الحرب نفسه. لم تعد الحرب حدثاً معلناً وانتهى، بل هي حالة مستمرة تدار على مستويات متعددة. وفي هذا السياق تصبح التكلفة هي المعيار الحاسم: التكلفة العسكرية والاقتصادية والنفسية والسياسية. ويضيف كل يوم إضافي من المواجهة طبقة جديدة من الضغط، وكل ضربة محدودة تؤدي إلى معادلة أكبر. وهنا تكمن قوة «أسلحة الثمانينات» بنسختها الحديثة. وهي لا تسعى إلى كسر الخصم بضربة واحدة، بل تسعى إلى تفكيك قدرته على الاستمرار. وهي استراتيجية تقوم على تحويل الوقت إلى سلاح، بحيث تصبح مدة الحرب نفسها عاملاً ضاغطاً على الطرف الذي يعتمد على الحل السريع. وتكشف هذه الحرب أن التفوق العسكري لم يعد كافيا للسيطرة على مسار الصراع. بين النيران المكثفة التي لم يتم حلها، والاستنزاف البطيء الذي لا هوادة فيه، يتم تشكيل معادلة جديدة تعيد تعريف معنى السيطرة. في هذه المعادلة يتحول لبنان من مجرد ساحة مواجهة إلى عقدة استراتيجية: فإما أن يتحول إلى دولة يمكن السيطرة عليها، أو يبقى كما هو اليوم، مصدر استنزاف دائم يعيد تشكيل الحرب على صورته.

اخبار اليوم لبنان

عندما تعود أسلحة الثمانينات.. من التفوق بالنار إلى معادلة التكلفة

اخر اخبار لبنان

اخبار طرابلس لبنان

اخبار لبنان الان

#عندما #تعود #أسلحة #الثمانينات. #من #التفوق #بالنار #إلى #معادلة #التكلفة

المصدر – لبنان ٢٤