اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-25 18:30:00
وفي الشرق الأوسط، لا تشكل الهدنات دائما مقدمة للسلام. وفي بعض الأحيان تتحول إلى شكل آخر من أشكال الحرب؛ حرب بطيئة ومنخفضة الوتيرة، لكنها أكثر قدرة على إعادة تشكيل الدول والمجتمعات والخرائط السياسية. وهذا بالضبط ما يقف عليه لبنان اليوم. إن المفاوضات الإيرانية الأميركية الجارية حول اتفاق إطار مؤقت بين لبنان وإسرائيل لا تدور فعلياً حول إنهاء الصراع، بقدر ما تدور حول تنظيمه مؤقتاً، وضبط إيقاعه، ومنع انفجاره بالكامل. أما الأسئلة الجوهرية: الحدود، السلاح، الاحتلال، توازن الردع، ومستقبل الجنوب، فهي لا تزال معلقة تحت السقف نفسه الذي أشعل المواجهة في المقام الأول. ظاهرياً، يبدو المشهد وكأنه محاولة لشراء الاستقرار. لكن في العمق، يبدو الأمر أقرب إلى إعادة هندسة «صراع طويل» قد يدخل لبنان في مرحلة جديدة من لا حرب ولا سلام. الهدنة الهشة المشكلة الأساسية في أي اتفاق مؤقت هي أنه يفترض وجود حد أدنى من الثقة بين الأطراف. وهذا بالضبط هو المقال الأكثر غياباً في الحالة اللبنانية – الإسرائيلية. ولا تنظر إسرائيل إلى المفاوضات باعتبارها طريقاً متساوياً لإنهاء الصراع، بل باعتبارها أداة لتحويل نتائج القوة العسكرية إلى ترتيبات أمنية دائمة. في المقابل، تنظر بيئة حزب الله إلى أي تسوية مؤقتة على أنها اختبار للنوايا الإسرائيلية وليس ضمانة حقيقية للاستقرار. ولذلك فإن السؤال الأكثر إلحاحاً ليس: هل ستنجح الهدنة، بل: ماذا سيحدث لو فشلت؟ وإذا وصلت المفاوضات لاحقاً إلى طريق مسدود، أو رفضت إسرائيل الانسحاب بشكل كامل، أو حاولت فرض شروط أمنية طويلة الأمد داخل الجنوب، فقد تعود المنطقة سريعاً إلى نقطة الانفجار، ولكن في ظل ظروف أكثر تعقيداً من ذي قبل. عندها ستكون الحرب نتيجة مباشرة لفشل المسار السياسي نفسه. وهنا تظهر المعضلة اللبنانية الأكثر تعقيداً؛ ومن سيجبر إسرائيل على الانسحاب إذا قررت المماطلة أو تثبيت احتلال منخفض التكلفة في بعض النقاط الحدودية؟ هل تمتلك الدولة اللبنانية أدوات الضغط الكافية؟ هل يستطيع الجيش فرض معادلة الردع وحده؟ أم أن منطق المقاومة سيعود تلقائياً كخيار وحيد لتحرير الأرض؟ هذه الأسئلة لا تتعلق فقط بالعلاقة مع إسرائيل، بل بمستقبل التوازن الداخلي اللبناني نفسه. لأن أي عودة إلى العمل العسكري ستعيد فتح الانقسام اللبناني حول وظيفة السلاح وحدود الدولة ومعنى السيادة. سيجد لبنان نفسه مرة أخرى أمام معادلة أزمة: فريق يرى أن استمرار المواجهة ضرورة لمنع استمرار الاحتلال، وفريق يرى أن أي تصعيد جديد يعني دفع البلاد نحو الانهيار الشامل. وهكذا سينتقل الصراع تدريجيا من جديد من الحدود إلى الداخل. ولعل السيناريو الأكثر خطورة ليس الحرب الشاملة على الإطلاق. وقد يكون الخطر الأكبر في النجاح الجزئي للهدنة.. وفشلها الاستراتيجي، أي «الصراع المجمد». أن يصبح الجنوب فضاءً معلقاً: لا حرب واسعة النطاق، ولا انسحاب نهائي، ولا تسوية سياسية كاملة. وهذا النوع من الصراع المعروف في العديد من المناطق حول العالم يخلق حالة من الإرهاق المزمن للدولة والمجتمع. ويظل الاقتصاد رهينة التوتر، والاستثمار يتراجع، والهجرة تتوسع، فيما تعيش المناطق الحدودية تحت احتمال الانفجار الدائم. ومع الوقت يتحول «الاستثناء الأمني» إلى واقع سياسي دائم. وفي هذه الحالة يصبح لبنان بلداً خرج من الحرب، ويعيش ضمن هدنة قابلة للكسر في أي لحظة. ماذا تريد إسرائيل فعلا؟ وتشير المؤشرات الحالية إلى أن إسرائيل لا تسعى فقط إلى وقف إطلاق النار، بل إلى إعادة صياغة المناخ الأمني في جنوب لبنان بما يقلل من هامش التهديد المستقبلي لها، ويدفع الدولة اللبنانية إلى تحمل العبء. الوضع الأمني والسياسي كاملاً. لكن المشكلة هي أن إسرائيل نفسها لا تبدو مستعدة لتقديم نهاية واضحة لهذا المسار. بالنسبة لجزء من المؤسسة الأمنية والسياسية الإسرائيلية، فإن إبقاء الجبهة اللبنانية تحت حالة من “الضغط المنضبط” قد يكون أكثر فائدة من التوصل إلى تسوية نهائية مستقرة. لأن الصراع المجمد يمنح تل أبيب هامشا دائما للتدخل، ويبقي لبنان تحت ضغط أمني واقتصادي مستمر. أي أن الهدف ليس إنهاء الأزمة.. بل إدارتها لفترة طويلة. فأخطر ما يمكن أن يحدث للبنان ليس فقط اندلاع حرب جديدة… بل أن يعتاد على العيش ضمن حرب مؤجلة.

