اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-11 09:00:00
لا شك أن قيادة حزب الله عندما قررت ربط مصيرها، ومعه مصير لبنان، بمصير النظام الإيراني، بإطلاق ستة صواريخ «انتقاماً» لاغتيال المرشد الأعلى السابق للثورة الإسلامية في إيران السيد علي خامنئي، كانت تدرك تماماً أن نتيجة هذا القرار الأحادي ستكون مكلفة ومكلفة على «البيئة الحاضنة» أولاً، وعلى لبنان كله ثانياً. لكن هذا الوعي بحجم الفظائع التي يمكن أن ترتكبها إسرائيل بحجة “الدفاع عن أمنها الشمالي” لم يمنع هذه القيادة من اتخاذ قرار وصفه كثيرون بأنه متسرع إلى حد ما، لدرجة أن هذا القرار، بحسب ما يتم تداوله في الأوساط الحزبية الضيقة، كان موضع جدل كبير ذهابا وإيابا ونقاشا حادا داخل مركز القرار في “حارة حريك”، حيث تردد أن الآراء انقسمت بين مؤيد لعملية الرد ومعارض لها، لا سيما أن الذين واعترضت على الرد بهذه الطريقة وفي هذا التوقيت نبهت الآخرين إلى أن نتيجة هذا القرار ستكون وخيمة على كافة المستويات السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية. لكن الرأي السائد كان لصالح توجيه ضربة تحذيرية ضد إسرائيل، انطلاقاً من مبدأ إثبات الوجود، وتحت عنوان واسع يمكن تلخيصه بهذه الرؤية التي تحكم سلوك «الحزب» وترتكز على قاعدة واضحة وهي «نقف معاً أو نخسر معاً». هذه القاعدة أجبرت قيادة الحزب على الانخراط في حرب أكبر من قدراتها العملية. وهذا ما اعترف به أمين عام الحزب الشيخ نعيم قاسم عندما تحدث في خطابه الأخير عن خلل في ميزان القوى مع إسرائيل. وهذا ما أثبتته نتائج حرب دعم غزة وتوحيد ساحات القتال، التي انتهت ولم تنته في وقت واحد، باتفاق لم يكن في مصلحة حزب الله ولا لبنان. وتدرك حارة حريك التي ربطت مصيرها بمصير طهران، أن أي تهديد وجودي لطهران سيقابله تهديد وجودي للحزب. ويرى البعض أن المسؤولين في الحرس الثوري الإيراني كانوا مسؤولين عن قلب موازين الرد، والذين كانوا حاضرين في النقاش الداخلي للدائرة الأصغر حول مركزية صنع القرار الحزبي. تشير المعلومات التي لدى القيادة السياسية والعسكرية لحزب الله إلى أن إسرائيل التي كانت تستعد لـ«عمل كبير» في لبنان، لن تكتفي بقصف مدمر وشامل وممنهج لمدن وقرى الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، بل ستذهب إلى أبعد من ذلك بكثير في سيناريو قد يكون مشابهاً لسيناريو عام 1982. ففي تحليلات متتالية، بمجرد صدور تهديد إسرائيلي بإخلاء الضاحية الجنوبية، يشعر سكانها بالقلق على وجوههم. على الطرقات بحثاً عن مكان أكثر أماناً، ولهذا الأمر دلالات عديدة في رأي أكثر من خبير عسكري واجتماعي. الأمر نفسه ينطبق على الهبوط الإسرائيلي في بلدة النبي شيت، والأسئلة التي تطرح والتي لا تزال دون إجابة حول هذا الإنزال، وطريقة تنفيذ العملية، وانتقال العناصر من موقع الإنزال بالمروحيات الأربع إلى مقبرة الشكور في البلدة، والتي تبعد عن موقع الإنزال 14 كيلومتراً. لكن يبدو أن هذا الهبوط يحمل أكثر من هدف، وهو استكشاف بعض ترسانات حزب الله، التي لا تستطيع الطائرات الإسرائيلية الوصول إليها لتدميرها. ومن غير المستبعد أن يتسع نطاق التحذيرات الإسرائيلية ليشمل بلدات البقاع خلال المرحلة المقبلة، ضمن استراتيجية تقوم على الضغط على البيئة الحاضنة للحزب ومحاولة تفكيك بنيته اللوجستية والبشرية. وفي هذا السياق، يكتسب البقاع أهمية خاصة، ليس فقط لوجود مواقع عسكرية وبنى تحتية مرتبطة بحزب الله، بل أيضاً لأنه يشكل خزاناً شعبياً أساسياً للحزب وثقلاً اجتماعياً وسياسياً له. لذلك، فإن إدخال قرى البقاع إلى دائرة الضربات يحمل أبعاداً تتعلق بالبعد العسكري المباشر لما يأتي كمرحلة ثانية قد تبدأ من حاصبيا لتشمل الجنوب والبقاع من بوابته الغربية. ونتيجة لهذا القرار الحزبي الذي استلهمت منه طهران الدخول مباشرة في الحرب مع إسرائيل، التي أثبتت الأحداث تفوقها العسكري والتكنولوجي، فإن السائلين، وهم كثر اليوم من داخل «البيئة الحاضنة» ومن خارج هذه الدائرة، يتساءلون عن الأثمان الباهظة التي سيدفعها لبنان، وهل يمكن أن تكون أقل من اتفاق الهدنة، الذي سيؤدي في نهاية المطاف إلى اتفاق عدم تكافؤ الفرص بين بيروت وتل أبيب. لكن ما بدأ يتكشف على الأرض يوحي بأن الثمن لن يكون عسكريا فحسب، بل سيكون سياسيا واستراتيجيا أيضا. إن الحروب التي تخاض تحت شعار «وحدة ساحات القتال» قد تنتهي في مرحلة ما بواقع مختلف تماماً، حيث يجد لبنان نفسه أمام ترتيبات جديدة قد تُفرض عليه تحت ضغط النار والدمار والتشريد. وحينها لن يكون السؤال من ربح ومن خسر، بل من دفع الثمن الأكبر. ما هو مؤكد حتى الآن هو أن اللبنانيين هم من يدفعون هذا الثمن يوماً بعد يوم، من قراهم المدمرة، ومن مدنهم الخالية من أهلها، ومن اقتصاد متعثر ومتصارع، وفي ظل دولة مكبلة الأيدي. وفي مثل هذا الواقع، فإن الخوف الأكبر هو أن هذا المسار لن ينتهي باتفاق هدنة جديد فحسب، بل أيضاً بحقائق سياسية وأمنية قد تشكل مستقبل لبنان لسنوات عديدة. قد تبدأ الحروب بقرار أحادي، لكنها غالباً ما تنتهي بقرارات يفرضها الأقوى. وعندما تأتي تلك اللحظة، سيكتشف اللبنانيون أن الثمن الذي دُفع لم يكن ثمن معركة فحسب، بل ثمن حرب لم يكن لبنان يسعى إليها أصلاً. (للبحث ذات الصلة)



