اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-18 08:28:00
قبل 9 ساعات رسم رئيس مجلس النواب نبيه بري، رئيس مجلس النواب نبيه بري، إطارا واضحا للموقف اللبناني من أي مسار تفاوضي محتمل مع إسرائيل، من خلال ثلاث لاءات اعتبرها ثابتة ولا يمكن التراجع عنها تحت أي ظرف من الظروف. اللاءات هي: لا تفاوض تحت النار، لا تفاوض قبل توقف العدوان، لا تفاوض قبل عودة النازحين إلى قراهم. وهي ليست مجرد شعارات سياسية عابرة، بل تعكس رؤية متكاملة لكيفية إدارة المرحلة الحالية التي تختلط فيها الحسابات العسكرية بالضغوط الدبلوماسية. ويزداد الواقع الميداني في جنوب لبنان تعقيداً يوماً بعد يوم، حيث تعيش قراه ومدنه تحت وطأة القصف المستمر، وتتسع موجات النزوح لتطال عشرات الآلاف من العائلات التي اضطرت إلى ترك منازلها والبحث عن ملاذات آمنة في مناطق أخرى. وفي ظل هذا المشهد الإنساني الصعب، يصبح الحديث عن المفاوضات السياسية أمراً بالغ الحساسية، خاصة إذا جرت في ظل استمرار العمليات العسكرية. ومن هنا، يصر بري على أن أي مفاوضات تجري في ظل استمرار القصف والدمار لن تكون إلا مفاوضات تحت الضغط، وهو ما يرفضه بشكل قاطع. فالتفاوض في نظر رئيس المجلس يجب أن يكون عملية سياسية متساوية بين طرفين، وليس عملية فرض شروط بالقوة العسكرية. ولذلك، فإن تعهده الأول، “لا تفاوض تحت النار”، يأتي للتأكيد على أن السياسة لا يمكن إدارتها بينما تتكلم الأسلحة. أما الـ”لا” الثانية، وهي “لا مفاوضات قبل وقف العدوان”، فهي تعكس قناعة راسخة بأن أي مسار سياسي حقيقي يجب أن يبدأ بوقف العمليات العسكرية. إن وقف إطلاق النار ليس مجرد خطوة إنسانية تهدف إلى تخفيف معاناة المدنيين. بل هو شرط أساسي لتهيئة المناخ المناسب لأي حوار جدي. ومن دون وقف العدوان تبقى المفاوضات مجرد محاولة لإدارة الحرب وليس إنهائها. لكن الـ«لا» الثالثة ربما تكون الأكثر دلالة على البعد الإنساني والسياسي لموقف بري، وهي «لا تفاوض قبل عودة النازحين»، إذ تمثل عودة الأهالي إلى قراهم الجنوبية بالنسبة له معياراً أساسياً لقياس جدية أي حديث عن الاستقرار. القرى التي أفرغت من سكانها بسبب القصف لا يمكن أن تتحول إلى أوراق تفاوض في لعبة سياسية، فعودة الناس إلى منازلهم هي في جوهرها إعلان عن عودة الحياة الطبيعية، وأن الأرض استعادت أهلها. وفي هذا السياق، اكتسبت الزيارة التي قام بها السفير الأميركي ميشال عيسى ثم السفير الفرنسي هيرفي ماغرو أول من أمس إلى عين التينة دلالات سياسية مهمة. ولم يكن اللقاء مع الرئيس بري مجرد محطة بروتوكولية، بل كان جزءا من حراك دبلوماسي أوسع يهدف إلى استكشاف فرص التهدئة ومنع توسع المواجهة. وطرح الدبلوماسيان خلال لقائهما معه عددا من الأسئلة والاستفسارات حول إمكانية فتح باب التفاوض في المرحلة المقبلة. لكن الرسالة التي سمعوها كانت واضحة: لبنان ليس لديه نية للدخول في أي عملية تفاوضية قبل استيفاء الشروط الثلاثة التي أعلنها بري. الأولوية اليوم ليست مناقشة ترتيبات سياسية أو أمنية جديدة، بل وقف الحرب أولاً وتأمين عودة الناس إلى قراهم. ويعكس هذا الموقف أيضاً وعياً لبنانياً بأن الضغوط الدولية غالباً ما تتزايد في لحظات الحرب بهدف الدفع نحو تسويات سريعة قد لا تأخذ في الاعتبار التوازنات الحقيقية على الأرض. لذلك يسعى بري إلى وضع إطار واضح يحول دون تحول الضغط العسكري إلى وسيلة لفرض حلول سياسية غير متوازنة. ومن ناحية أخرى، يدرك المجتمع الدولي أن لبنان يمثل ساحة حساسة في المعادلة الإقليمية، وأن أي حرب واسعة النطاق على لبنان قد تؤدي إلى تداعيات تتجاوز حدوده الجغرافية. ولذلك، تكثف الاتصالات الدبلوماسية في محاولة لاحتواء التصعيد وفتح نافذة للحلول السياسية. لكن التجارب السابقة أثبتت أن أي تسوية لا تراعي الواقع الميداني والإنساني تظل عرضة للانهيار. ومن هنا تبدو لاءات بري الثلاث محاولة لإقامة معادلة بسيطة: لا يمكن الحديث عن تسوية سياسية بينما الناس نازحون وقرى مدمرة، وهذه اللاءات تحمل رسالة إلى الداخل اللبناني أيضاً. وتؤكد أن أي قرار يتعلق بمستقبل الجنوب أو ترتيباته الأمنية لا يمكن فصله عن مصالح سكانه وحقهم في العودة إلى أرضهم والعيش بأمان. وفي ظل التصعيد المستمر، تبقى الساحة اللبنانية معلقة بين مسارين متوازيين: طريق الميدان الذي يفرض نفوذه بالقوة، ومسار الدبلوماسية التي تحاول إيجاد مخرج سياسي من الأزمة. وبين هذين المسارين يقف موقف بري القائل بأن التفاوض ممكن، لكنه يحتاج أولاً إلى لحظة هدوء يسبقها انتهاء العدوان وعودة الأهالي إلى ديارهم. وعلى هذا فإن اللاءات الثلاث تتحول إلى ما يشبه خريطة الطريق السياسية لفترة ما بعد الحرب. فهو يحدد الشروط التي يرى لبنان أنها ضرورية لأي حوار جدي، ويؤكد في الوقت نفسه أن الاستقرار الحقيقي لا يبنى تحت القصف، بل يبدأ عندما تتوقف الحرب وتعود الحياة إلى القرى التي صمدت أمام النار.



