اخبار ليبيا اليوم – وطن نيوز
اخر اخبار ليبيا- اخبار ليبيا الان
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-13 15:03:00
وفي الوقت الذي تتزايد فيه المخاوف من تنامي مخاطر الفساد الإداري والتلاعب بالوثائق الرسمية والأنظمة الرقمية في ليبيا، تبرز قضايا تزوير الوثائق والتلاعب بالبيانات الشخصية كقضايا تمس جوهر عمل مؤسسات الدولة وحقوق المواطنين. ومع التحول الرقمي وزيادة الاعتماد على قواعد البيانات الحكومية، لم تعد الجرائم المتعلقة بالهوية القانونية تقتصر على تزوير المستندات الورقية، بل امتدت إلى استهداف الأنظمة الحساسة التي تقوم عليها الحقوق والالتزامات القانونية، وهو ما يفرض تحديات جديدة تتطلب تطوير التشريعات وتعزيز الرقابة وبناء نظام حماية متكامل للبيانات السيادية. وقال أستاذ القانون العام المساعد بالأكاديمية الليبية للدراسات العليا الدكتور مجدي الشعباني في تصريح لشبكة عيون ليبيا إنه لا يمكن علميا الجزم بأن ليبيا تواجه ظاهرة متنامية بمجرد الإعلان المتكرر عن حالات احتيال، موضحا أن ذلك يحتاج إلى إحصاءات جنائية دقيقة تكشف اتجاهات هذه الجرائم مع مرور الوقت. وأضاف أن تكرار الكشف عن الحوادث التي تمس الوثائق الرسمية والبيانات الشخصية، خاصة تلك المتعلقة بأنظمة الدولة الحساسة، يمثل مؤشرا يتطلب أعلى درجات اليقظة، مشيرا إلى أن طبيعة هذه الجرائم تغيرت، حيث لم تعد تقتصر على تزوير وثيقة رسمية أو انتحال بيانات شخص معين، بل امتدت في بعض الحالات إلى استهداف قواعد البيانات والأنظمة الرقمية التي تدار من خلالها حقوق المواطنين والتزاماتهم القانونية. وشدد الشباني على أن خطورة هذه الجرائم لا تكمن فقط في عددها، بل في طبيعتها، لأنها تمس ما وصفها بـ”البيانات السيادية للدولة”، وهي البيانات التي تعتمد عليها الهوية القانونية للمواطن، والتي تبنى عليها القرارات الإدارية والمالية والقضائية والأمنية. وأوضح أن الاعتداء على هذه البيانات لا يشكل مجرد انتهاك جنائي، بل يشكل تهديدا لمبدأ الشرعية واليقين القانوني وقدرة الدولة على إدارة مرافقها العامة بكفاءة ونزاهة، باعتبار أن المساس بها يتحول من الاعتداء على الفرد إلى الاعتداء على ثقة الجمهور بمؤسسات الدولة. وأشار إلى أن أنظمة مثل السجل المدني والرقم الوطني تمثل البنية الأساسية للهوية القانونية للدولة والمواطن في نفس الوقت، موضحا أن الرقم الوطني ليس مجرد رقم إداري، بل هو المفتاح الذي ترتبط به الشخصية الاعتبارية للفرد وما يتصل بها من حقوق مدنية وسياسية ومالية واجتماعية. وأشار إلى أن قانون الرقم الوطني الليبي رقم (8) لسنة 2014 نظم هذا النظام باعتباره المرجع الوطني للبيانات الأساسية للمواطنين، محذرا من أن التلاعب بهذه البيانات قد يؤدي إلى منح حقوق لمن لا يستحقها، أو حرمان أصحاب الحقوق منها، أو صرف الأموال العامة بغير وجه حق، أو إصدار وثائق رسمية مزورة، أو التأثير على قواعد الناخبين، أو استغلال المعلومات في جرائم غسل الأموال والهجرة غير الشرعية والجريمة المنظمة. وشدد الشعباني على أن حماية السجل المدني والرقم الوطني لم تعد مجرد مسألة إدارية، بل أصبحت جزءا من حماية الأمن الوطني والسيادة الرقمية وثقة الجمهور بالدولة ومؤسساتها. وحول مدى كفاية التشريعات الليبية الحالية لمواجهة جرائم التزوير والفساد الإداري، أوضح الشعباني أن المشكلة الأساسية لا تكمن في عدم التجريم، لافتا إلى أن القانون الليبي يتضمن نصوصا تجرم التزوير واستعمال المحررات الرسمية، وتكون العقوبة شديدة إذا كانت الجريمة مرتبطة بالوظيفة العامة. لكنه أوضح أن التحدي الحقيقي هو أن العديد من هذه النصوص صيغت في وقت كانت الجرائم مرتبطة بالوثائق الورقية، في حين أن الواقع اليوم يشهد جرائم ترتكب ضمن قواعد البيانات والأنظمة الإلكترونية، أو من خلال إساءة استخدام القوى الرقمية. وشدد على ضرورة تطوير تشريعي نوعي لا يقتصر على زيادة العقوبات، بل يشمل وضع نصوص خاصة لحماية البيانات السيادية للدولة، وتجريم التلاعب بقواعد البيانات الحكومية، وتشديد العقوبات عندما يتعلق الأمر بالسجل المدني أو الرقم الوطني أو الوثائق السيادية، بالإضافة إلى تحديد المسؤولية الجنائية عن إساءة استخدام الصلاحيات الإلكترونية والتواطؤ الإداري الذي يسهل ارتكاب هذه الجرائم. وأشار إلى أن الردع الحقيقي لا يتحقق بالعقاب وحده، بل بسرعة اكتشاف الجريمة وكفاءة التحقيق فيها وسرعة الفصل القضائي وضمان تنفيذ الأحكام. وأوضح الشعباني أن الجرائم المرتبطة بالتلاعب بأنظمة الدولة لا تنتج عادة عن سبب واحد، بل عن مجموعة عدة عوامل، منها ضعف الرقابة الداخلية، وعدم الفصل بين صلاحيات إدخال البيانات والموافقة عليها ومراجعتها، وغياب أنظمة التدقيق الإلكترونية، ومنح الموظف الواحد صلاحيات واسعة دون رقابة لاحقة. وأضاف أن ضعف الحوكمة الرقمية، وعدم تكامل قواعد البيانات، والاعتماد على الإجراءات الورقية، وقصور الأمن السيبراني، كلها عوامل تخلق بيئة تسمح بارتكاب هذه الجرائم. وأوضح أن الموظف الذي يستطيع وحده تعديل البيانات السيادية دون مراجعة مستقلة لا يمثل مجرد مخالفة فردية، بل يكشف عن خلل في تصميم الإجراءات الإدارية نفسها، مؤكدا أن القضية في جوهرها ليست مجرد قضية موظف فاسد، بل مسألة نظام يحتاج إلى إعادة بنائه وفق معايير الحوكمة والشفافية وإدارة المخاطر. وشدد أستاذ القانون العام المساعد على أن استقلال الهيئات الرقابية والقضائية يمثل الضمانة الأساسية لحماية سيادة القانون، لافتا إلى أن هذا الاستقلال لا يتحقق بالنصوص وحدها، بل بتوفير الضمانات العملية التي تمكن هذه الهيئات من أداء دورها دون تأثير أو تدخل. ودعا إلى إنشاء وحدات متخصصة في الجرائم المتعلقة بالبيانات الحكومية والهوية الرقمية، تضم خبراء في الأدلة الرقمية والأمن السيبراني والتدقيق المالي، بالإضافة إلى أعضاء النيابة العامة، مع ضرورة حماية المبلغين وتطوير آليات تبادل المعلومات بين الجهات الرقابية. وشدد على أهمية عدم حصر المسؤولية على الفاعل المباشر للجريمة فقط، بل محاسبة كل من أصدر تعليمات أو سهل ارتكاب الجريمة أو تستر عليها أو استفاد منها، مؤكدا أن العدالة الحقيقية لا تقتصر على محاسبة الحلقة الأضعف، بل تمتد إلى كافة حلقات اتخاذ القرار الإداري. وفي حديثه عن دور الأحكام القضائية في الحد من هذه الجرائم، أوضح الشعباني أن الأحكام الرادعة ضرورة لا غنى عنها لأنها تؤكد سيادة القانون وتعيد الثقة في مؤسسات العدالة، لكنه أكد في الوقت نفسه أن السياسة الجنائية الحديثة تجاوزت فكرة الاقتصار على العقاب بعد وقوع الجريمة، وأصبحت تقوم على إدارة المخاطر والوقاية منها. وأكد أن الدولة لا تقاس فقط بعدد الأحكام الصادرة، بل بقدرتها على منع وقوع الجريمة في المقام الأول، داعيا إلى بناء نظام وقائي يعتمد على التدقيق المستمر وتحليل المخاطر وتقييد الصلاحيات الإلكترونية والرقابة المزدوجة والتوقيع الإلكتروني وربط كل تعديل داخل النظام بهوية الموظف الذي أجراه، مع إشعار المواطن بأي تعديل يطرأ على بياناته. وأوضح أن التحول الرقمي، إذا تم تنفيذه بشكل جيد، يمثل إحدى أهم أدوات مكافحة الفساد والاحتيال في الدولة الحديثة، لكنه لا يعني مجرد استبدال الورق بالكمبيوتر، بل إعادة تصميم الإجراءات الإدارية بما يتوافق مع معايير الأمن السيبراني والحوكمة الرقمية. وأشار إلى أن ربط قواعد البيانات الحكومية واعتماد التحقق البيومتري والتوقيع الإلكتروني وسجلات التدقيق غير القابلة للتعديل، كلها أدوات تقلل من فرص التلاعب وتزيد من سرعة اكتشافها، مع ضرورة أن يتم هذا الربط ضمن إطار تشريعي وفني يحمي الخصوصية، ويؤمن البيانات السيادية للدولة، ويمنع إساءة استخدامها. وعن كثرة الضبطيات والتحقيقات الأخيرة، قال الشعباني إن المسألة لا تكمن في عدد القضايا التي يتم الإعلان عنها، بل في الرسالة التي تحملها هذه القضايا، موضحا أن كل قضية يتم الكشف عنها تمثل، من ناحية، نجاحا لجهات تطبيق القانون في الوصول إلى المخالفات، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن ثغرة كانت موجودة داخل النظام قبل اكتشافها. وأكد أن نجاح الدولة لا يقاس فقط بعدد الموقوفين أو الأحكام الصادرة، بل بقدرتها على تحويل كل قضية فساد إلى مشروع إصلاح مؤسسي يعالج الأسباب التي سمحت بحدوثها، ويسد الثغرات التي تم استغلالها، ويعيد بناء الإجراءات وفق معايير الحوكمة والشفافية. واختتم الشعباني حديثه بالتأكيد على أن الدولة الحديثة لا تحميها العقوبات وحدها، بل تحميها مؤسسات قوية وأنظمة رقمية آمنة ورقابة فعالة وقضاء مستقل وتشريعات تواكب التطور التقني، مؤكدا أن تحويل نتائج التحقيقات إلى إصلاحات هيكلية دائمة من شأنه أن يعزز ثقة المواطن بدولته، ويعزز سيادة القانون، ويحمي أحد أهم مكونات الأمن الوطني وهو سلامة البيانات السيادية للدولة. آخر تحديث: 13 يوليو 2026 – 18:25 اقترح تصحيحًا


