اخبار مصر – وطن نيوز
اخبار مصر اليوم – اخبار اليوم في مصر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-14 12:00:00
وفي شمال غرب محافظة المنيا تقف البهناسة ككتاب تاريخ مفتوح، تقلّب صفحاته مع كل خطوة يخطوها الزائر، إذ تجد مدينة لم تكن مجرد قرية عادية، بل شهدت تعاقب الحضارات المصرية، واحتضنت الفراعنة واليونانيين والرومان والأقباط والمسلمين، حتى أصبحت من أغنى بقاع مصر بالتراث الإنساني والديني. وعلى الرغم من هذا التاريخ الممتد على مدى آلاف السنين، إلا أن البهنسا ظل بعيدا عن الأضواء لعقود طويلة، قبل أن يعود إلى الواجهة من جديد بعد أن أعلنت وزارة الأوقاف قبل أيام عن إعداد خطة لتحويله إلى مقام عالمي. وأعادت زيارة الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، إلى البهنسا، الأنظار من جديد إلى المدينة التاريخية، بعد أن أعلن عن إعداد مشروع متكامل يهدف إلى تحويلها إلى وجهة دينية وثقافية عالمية تستقبل ملايين الزوار سنويا، انطلاقا من مكانتها الروحية الكبيرة، إذ تحتضن مراقد الآلاف من الصحابة والتابعين، لدرجة أنها أصبحت تعرف بين المسلمين بـ”البقيع الثاني”. عاصمة المنطقة التاسعة عشرة في مصر القديمة. قصة البهنسا بدأت قبل الإسلام بآلاف السنين. وكانت في العصر الفرعوني عاصمة الإقليم التاسع عشر بصعيد مصر، وكانت تعرف باسم “بر المجد” أي “مكان الاجتماع”، في إشارة إلى موقعها الاستراتيجي الذي كان يربط وادي النيل بالواحات عبر طريق يعرف تاريخيا باسم “الدرب البهنساوي”. كما ارتبطت المدينة بعبادة الإله ست، لتصبح من أهم المدن الدينية والإدارية في مصر القديمة. مدينة الأسماك التي أبهرت علماء العالم. ومع قدوم العصر اليوناني تغير اسم المدينة إلى “أوكسيرينخوس” أو “مدينة الأسماك”، في إشارة إلى سمكة القزم التي كانت مقدسة في ذلك الوقت. وخلال أعمال التنقيب التي بدأت عام 1896 على يد العالمين الإنجليزيين جرينفيل وهانت، ظهر أحد أعظم الاكتشافات الأثرية في العالم، بعد العثور على أكثر من نصف مليون بردية كشفت تفاصيل دقيقة عن الحياة السياسية والاقتصادية والدينية والاجتماعية في مصر القديمة. وتبقى هذه البرديات حتى يومنا هذا مصدرًا رئيسيًا لدراسة التاريخ القديم. وفي العصر الروماني بلغت البهنسا ذروة ازدهارها، حتى أصبحت ثاني أهم مدينة في مصر بعد الإسكندرية. وقد استضافت أحد أكبر المسارح الرومانية في مصر وشمال أفريقيا، وكانت من المدن القليلة خارج روما التي استضافت الألعاب الأولمبية إلى جانب الإسكندرية والأشمونين، مما يعكس مكانتها الحضارية والثقافية داخل الإمبراطورية الرومانية. محطة بارزة في التاريخ المسيحي، ومع انتشار المسيحية في مصر، احتفظت البهنسا بمكانتها، حيث دخلتها المسيحية مبكرا، وارتبطت برحلة العائلة المقدسة في أرض مصر، وما زالت شجرة مريم شاهدة على تلك الرحلة. كما تحولت المدينة إلى أحد أهم المراكز الرهبانية، واستوطن فيها آلاف الرهبان والراهبات، مما أضاف صفحة جديدة إلى سجلها الديني المتنوع. وفي العصر الإسلامي تحولت البهنسا إلى واحدة من أقدس المدن عند المسلمين. وكانت مدينة محصنة بأسوار وأبراج وحامية رومانية قوية، مما جعل فتحها من أصعب الفتوحات. واستشهد خلال المعارك عدد كبير من الصحابة والتابعين، منهم نحو 40 من أوائل الصحابة وأكثر من خمسة آلاف من التابعين، ودُفنوا جميعاً في أرضها، مما يجعل المدينة ثاني أكبر مقبرة للصحابة بعد البقيع في المدينة المنورة، وتحمل لقب “البقيع الثاني”. ورغم الاكتشافات الضخمة التي شهدتها البهنسا على مدى أكثر من قرن من الزمان، إلا أن علماء الآثار يؤكدون أن المدينة لا تزال تخفي الكثير من أسرارها. ونجحت البعثة المصرية الإسبانية العاملة بالموقع خلال السنوات الأخيرة في الكشف عن العديد من المباني والمقابر الأثرية. مشروع إعادة البهنسا إلى خريطة العالم. وفي إطار خطة إحياء المدينة، تعمل وزارة الأوقاف على إعداد موسوعة علمية توثق كل ما كتب عن البهنسا من كتب ومراجع ورسائل علمية، بالإضافة إلى إطلاق منصة إلكترونية وتطبيق ذكي يوفر خريطة تفاعلية للمزارات والمعالم الأثرية، مما يساهم في تسهيل الزيارة والتعريف بقيمة المدينة التاريخية والدينية. البهنسا ليست مجرد موقع أثري أو مدينة تضم مزارات تاريخية. بل هو سجل حي لمسار الحضارة المصرية على مدى آلاف السنين. من عاصمة فرعونية، إلى مدينة يونانية ورومانية مزدهرة، ثم مركز مسيحي بارز، وصولاً إلى واحدة من أقدس المدن الإسلامية. وظلت البهنسا شاهدة على تاريخ لا يزال يكتب فصوله مع كل اكتشاف جديد، لتبقى واحدة من أعظم المدن التاريخية التي تستحق العودة إلى مكانتها على خريطة السياحة العالمية. اقرأ أيضًا: خلاف على حضانة الأطفال.. كواليس فيديو “يجب على سيدة” بالشرقية




