اخبار موريتانيا – وطن نيوز
اخر اخبار موريتانيا اليوم – اخبار موريتانيا العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-25 16:39:00
الفساد ليس أمرا حتميا. وإذا كانت تزدهر في كثير من الأحيان في غياب الشفافية والإفلات من العقاب على نطاق واسع، فذلك لأن الأنظمة التي يفترض أن تحاربها إما مجزأة أو غير فعالة. وأمام هذا الوباء الذي يؤدي إلى تآكل ثقة المواطنين وإعاقة التنمية، أصبح من الضروري تجاوز الخطاب البنائي إلى بناء استراتيجية شاملة ومنهجية. تقدم هذه الورقة خارطة طريق تقوم على إصلاحات مؤسسية وقانونية طموحة تضع الشفافية والمساءلة والاستقلال في صميم العمل الحكومي. أولاً: وضع أسس الإستراتيجية الشاملة. ولا يمكن أن تقتصر مكافحة الفساد على الجانب الزجري فقط، بل يجب أن تقوم على ثلاثية متكاملة: المنع، والشفافية، والعقاب. غرس قيم النزاهة منذ الصغر. خط الدفاع الأول هو الثقافة. ضرورة دمج قيم الأخلاق والمواطنة في المناهج المدرسية. وفي الوقت نفسه، لا بد من إطلاق حملات توعية للمواطنين العاديين لشرح التكاليف الاجتماعية والاقتصادية المترتبة على الفساد، في حين العمل مع قواعد سلوك واضحة ومنفذة بفعالية في الإدارات والشركات. 2. جعل الشفافية درعاً واقياً. فالغموض هو البيئة الحاضنة للفساد. يعد إنشاء منصات إلكترونية مفتوحة المصدر للبيانات المتعلقة بالمشتريات العامة والدعم العام وتنفيذ الميزانية أمرًا بالغ الأهمية. يجب أن يكون الإعلان عن الممتلكات والمصالح للمسؤولين والمنتخبين إلزاميًا وقابلاً للتدقيق وعلنيًا. ولا غنى أيضا عن وضع نظام قانوني يحمي المبلغين عن المخالفات ويحفزهم، لتمكين أولئك الذين يجرؤون على كشف الفساد من القيام بذلك دون المخاطرة بوظائفهم أو سلامتهم. ثانياً: بناء جدران مؤسسية قوية: أي استراتيجية لا تتمتع بمؤسسات قوية تدعمها هي استراتيجية محكوم عليها بالفشل. وهذا يستدعي إعادة هيكلة عميقة للهيئتين الرقابية والقضائية. 1. هيئات مستقلة حقاً لمكافحة الفساد. إن إنشاء هيئة وطنية موحدة لمكافحة الفساد ضرورة ملحة، على أن تتمتع بثلاث خصائص أساسية: – الاستقلال القانوني: أن يعين مديرها لمدة غير قابلة للتجديد، وبأغلبية مؤهلة من أعضاء البرلمان، بعيداً عن سلطة السلطة التنفيذية. – وسائل التحقيق الحقيقية: صلاحيات تحقيق واسعة، والوصول إلى البيانات المصرفية والضريبية، والقدرة على تجميد الأصول المشبوهة. – التعاون الدولي الفعال: الانخراط الفعلي في شبكات التعاون القضائي والأمني الدولية لتعقب الأموال المنهوبة في الخارج. 2. قضاء متخصص ومحمي: إن تعقيد قضايا الفساد (غسل الأموال، والهياكل المالية المعقدة) يتطلب كفاءات دقيقة. ويعد إنشاء أقطاب قضائية مالية متخصصة داخل المحاكم، تضم قضاة وكتبة وخبراء محاسبيين يتم تدريبهم بشكل مستمر، أولوية كبرى. ويجب أن يحمي نظامها الأساسي أيضًا استقلالها من أي ضغوط هرمية أو سياسية لضمان البت في القضايا بنزاهة ونزاهة. 3. تعزيز هيئات الرقابة الداخلية: يجب توسيع مهام المفتشية العامة للمالية والمجلس الأعلى للحسابات، بحيث لا تقتصر على مراقبة شرعية الحسابات، بل تمتد إلى تقييم الأداء والنزاهة. ويجب أن تكون تقاريرها علنية، وتحال تلقائياً إلى القضاء فور الاشتباه في الاختلاس. ويكمن الابتكار أيضًا في إشراك المواطنين من خلال “مراصد الإنفاق العام المستقلة” التي تشارك فيها منظمات المجتمع المدني. ثالثاً: صياغة الترسانة القانونية الرادعة. ويجب أن يكون القانون واضحاً وشاملاً ومنفذاً. وينبغي أن تهدف الإصلاحات القانونية إلى توسيع نطاق التجريم وضمان حتمية العقوبة. 1. إطار إجرامي خالي من الثغرات. ويجب أن يجرم القانون الجنائي كافة أشكال الفساد بشكل شامل (الفساد الإيجابي والسلبي، واستغلال النفوذ، واستغلال منصب الموظف، والمحسوبية). ويجب أن تكون العقوبات متناسبة مع خطورة الأفعال وحجم الثروة غير المشروعة، مع احتساب الغرامات على أساس قيمة الأموال المختلسة. ويجب أن تكون عقوبة مصادرة الأصول تلقائية، مع إنشاء وكالة متخصصة لإدارة واسترداد الأموال المصادرة. 2. الحماية الفعالة للشهود والضحايا بالإضافة إلى المبلغين، يجب توفير برنامج حماية حقيقي (جسدي ونفسي) للشهود الرئيسيين في القضايا الحساسة. ويمكن ضمان عدم الكشف عن هوية بعض الشهود في مراحل معينة من التحقيق، ويمكن دراسة آليات لمكافأة أولئك الذين تؤدي تقاريرهم إلى إدانات قضائية. 3. تطهير مجال المشتريات العامة المشتريات العامة هي المجال الأكثر عرضة للفساد. فالرقمنة الكاملة للإجراءات (من الإعلان عن طلبات العروض إلى الصرف) تلغي الاتصال البشري المباشر الذي يشكل أرضاً خصبة للضغوط والرشاوى. ويجب أن تكون معايير الإحالة موضوعية ومحددة مسبقاً، ويجب أن تخضع الصفقات الكبرى للمراقبة المسبقة، مع المراقبة اللاحقة من خلال عينات عشوائية. 4. تطهير الحياة السياسية المال القذر ليس له مكان في السياسة. ولا بد من العمل على: وضع سقف صارم للتبرعات الواردة من الأشخاص الطبيعيين، ومنعها تماماً من الأشخاص الاعتبارية (الشركات). – نشر حسابات الأحزاب السياسية والحملات الانتخابية وإخضاعها لرقابة هيئة مستقلة. – منع أي تبرع مجهول المصدر وتتبع مصدر الأموال. رابعاً: التدابير القطاعية المحددة. بعض القطاعات الأكثر عرضة للخطر تتطلب إجراءات خاصة: – الجمارك والضرائب: التناوب الإلزامي للموظفين، والمراجعات المفاجئة، والتعيين من خلال المسابقات. – الصحة: متابعة دقيقة لسلسلة شراء الأدوية والمعدات، وشفافية العلاقات المفيدة للخبراء. – التعليم: تطبيق مبدأ الجدارة في القبول والتعيينات، وشفافية إجراءات توزيع الأساتذة. الخلاصة: الإرادة السياسية هي حجر الأساس. كل هذه الإصلاحات، مهما كانت دقيقة، تظل حبرا على ورق دون إرادة سياسية حقيقية ومستدامة على أعلى مستوى في الدولة. إن الحرب ضد الفساد هي ماراثون طويل الأمد، وليست سباقاً سريعاً. فهو يتطلب مؤسسات مستقرة، ومشاركة نشطة من جانب المجتمع المدني ووسائل الإعلام الحرة، وتعاونا دوليا لا هوادة فيه من أجل البحث عن ملاذات آمنة. ومن خلال بناء “نظام النزاهة المتكامل” هذا، لن نكتفي بمعاقبة المجرمين، بل سنبني دولة قانون أكثر صلابة، واقتصادا سليما، ومجتمعا أكثر عدلا. لم يعد الوقت مناسبًا للحلول المرقعة. بل لقد حان الوقت لإعادة تأسيس عقدنا الاجتماعي بشكل عميق.




