اخبار موريتانيا – وطن نيوز
اخر اخبار موريتانيا اليوم – اخبار موريتانيا العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-14 04:39:00
قراءة تحليلية في خلفيات المادة 93 وإشكالية المهمة الثالثة. تشهد الساحة السياسية الموريتانية حديثا متصاعدا عن حوار وطني مقبل يقدم رسميا كفرصة لتعزيز الهدوء السياسي وترسيخ المسار الديمقراطي وفتح نقاش حول الإصلاحات المؤسسية والدستورية. لكن قسماً من الطيف السياسي والإعلامي يطرح قراءة مختلفة، وهي أن الحوار له أهداف غير معلنة، تتعلق بإيجاد مخرج سياسي آمن للرئيس الحالي، سواء من خلال إعادة صياغة الخطاب السياسي في مسألة المهمة الثالثة، أو من خلال تعديل أو توضيح بعض المواد الدستورية، أبرزها المادة 93، التي تتعلق بمسؤولية رئيس الجمهورية. نحاول في هذا المقال تحليل هذه الفرضية من زاوية دستورية وسياسية، بعيدا عن منطق الاتهام أو التوصية. أولاً: السياق السياسي ومسألة المهمة الثالثة. وينص الدستور الموريتاني صراحة على تحديد عدد المهام الرئاسية، وقد شكل هذا المبدأ إحدى ركائز الإصلاح الدستوري في البلاد. تاريخياً، كانت مسألة تحديد المهمات حساسة في المنطقة بشكل عام، لارتباطها المباشر بمبدأ التداول السلمي للسلطة. وفي هذا السياق يطرح السؤال: هل يمكن للحوار أن يشكل منصة لإعادة تفسير أو تعديل النصوص المتعلقة بالبعثات؟ ومن الناحية الدستورية فإن أي تعديل على المواد المحصنة (إذا كانت موجودة في نطاق التحصين الدستوري) يطرح مشكلتين: 1. إشكالية الشرعية الشكلية: هل يسمح الدستور أصلا بمراجعة هذه المواد؟ 2. إشكالية الشرعية السياسية: هل يعتبر التعديل استجابة لإرادة وطنية عامة أم أنه ترتيب ظرفي يخدم شخص معين؟ وإذا طرحت فكرة «الرحيل الطوعي» للرئيس رغم مطالبة بعض أنصاره بمهمة ثالثة، فقد يتم تقديم ذلك في الخطاب السياسي كدليل على احترام الدستور، وفي الوقت نفسه قد يستخدم لاستعادة الصورة داخليا وخارجيا. ثانيا: المادة: 93 وإشكالية المسؤولية الرئاسية تنص المادة: 93 من الدستور الموريتاني على أن رئيس الجمهورية غير مسؤول عن الأفعال التي يقوم بها أثناء ممارسة مهامه إلا في حالة الخيانة العظمى، ويحاكم أمام محكمة العدل العليا وفق إجراءات خاصة. تكرّس هذه المادة مبدأً معروفاً في الأنظمة الدستورية، وهو الحصانة الوظيفية لرئيس الجمهورية أثناء ممارسة مهامه، حفاظاً على استقرار الدولة ومنع تسييس الملاحقات القضائية. لكن النقاش يدور عادة حول نقطتين: 1. هل يشمل مفهوم “الأعمال المتعلقة بممارسة المهام” القرارات السياسية فقط؟ أم أنها قد تمتد لتشمل الأعمال ذات الطابع الإداري أو المالي؟ وتوضيح هذا المفهوم يمكن أن يوسع أو يضيق نطاق الحصانة. 2. مرحلة ما بعد المهمة: هل تبقى الحصانة مطلقة بالنسبة للتصرفات المتعلقة بالوظيفة، أم يمكن متابعتها بعد ترك الوظيفة بالنسبة للتصرفات التي لا تدخل في إطار الواجبات الدستورية؟ إن أي محاولة لـ«توضيح» المادة 93 عبر الحوار يمكن فهمها بطريقتين: – إما محاولة لتوفير إطار دستوري أكثر دقة يزيل الغموض. – أو كخطوة استباقية لتحصين الرئيس من أي مساءلة مستقبلية. ويتوقف الفرق بين القراءتين على طبيعة الصياغة المقترحة، وسياقها السياسي، ومدى شمولها أو خصوصيتها. ثالثاً: بين الإصلاح الدستوري والهندسة السياسية، كثيراً ما تؤدي الحوارات الوطنية إلى: – مراجعات دستورية، – إعادة توزيع السلطات، – إصلاحات انتخابية، – أو ترتيبات انتقال سياسي. لكن عندما يتزامن الحوار مع انتهاء المهمة الرئاسية، ومع الحديث عن الحصانة أو المحاكمة، يصبح التفسير السياسي حاضرا بقوة. وفي العلوم السياسية تسمى مثل هذه الحالات أحيانا بمفهوم “الهندسة الدستورية الانتقالية”، أي استخدام التعديلات الدستورية لضمان انتقال آمن للسلطة، سواء من خلال: – ضمانات عدم الاستمرار، – الاتفاقيات السياسية الضمنية، – أو إعادة تحديد المسؤوليات. إلا أن نجاح هذه التوجهات يعتمد على: 1. مدى توافقها مع النصوص الدستورية. 2. درجة القبول الشعبي. 3. مستوى الشفافية في المناقشة. رابعاً: التحدي الأساسي: ثقة الجمهور. وسواء كان هدف الحوار إصلاحياً بحتاً أو تضمن حسابات سياسية تتعلق بالمرحلة، فإن التحدي الحقيقي يكمن في الثقة. فإذا شعر الرأي العام أن: – النصوص يتم تعديلها لخدمة ظرف سياسي مؤقت، – أو أن الحصانات يتم توسيعها لتقييد المساءلة، فإن ذلك قد يهز الثقة في المؤسسات. لكن إذا جاء الحوار: – في إطار شفاف، – بمشاركة واسعة من الطيف السياسي، – مع ضمانات واضحة لاستقلال القضاء، فقد يُنظر إليه على أنه خطوة نحو تعزيز سيادة القانون. الخلاصة: إن فرضية أن الحوار المزمع في موريتانيا يهدف إلى إيجاد مخرج سياسي للرئيس الحالي عبر تلميع الصورة أو تعديل المواد المحصنة أو توضيح المادة 93، تظل قراءة سياسية محتملة ضمن قراءات متعددة. إلا أن الطابع الحاسم لهذا الحوار يعتمد على: – مضمون التعديلات المقترحة فعليا، – آليات اعتمادها، – مدى احترامها لروح الدستور ومبدأ التداول الديمقراطي. وفي النهاية، فإن قوة أي نظام دستوري تعتمد على قدرته على تحقيق توازن دقيق بين استقرار الدولة ومبدأ المساءلة، وبين الحصانة الوظيفية وسيادة القانون.




