اخبار موريتانيا – وطن نيوز
اخر اخبار موريتانيا اليوم – اخبار موريتانيا العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-09 21:34:00
الأخ والزميل النائب سيد أحمد محمد الحسن أولا “الإنصاف” يقتضي الاعتراف بأن ما ذكرته يدخل في صميم الدور الرقابي والسياسي المنوط بالبرلمان، وأن طرح التساؤلات المتعلقة بتأثير السياسات الاقتصادية على حياة المواطنين أمر مشروع ومطلوب في أي نظام ديمقراطي. كما أن اختلاف القراءات بين الفاعلين السياسي والاقتصادي لا ينبغي أن ينظر إليه على أنه تنافس، بل مؤشر على حيوية النقاش العام وحرص الجميع على خدمة المصلحة الوطنية من الزوايا التي يرونها الأقرب إلى الحقيقة. لقد جمعتنا في البرلمان سنوات من الألفة والاحترام المتبادل، وأعلم أن دافعكم في هذا الاقتراح هو الحرص على أوضاع المواطنين، كما أعلم أن الذين يدافعون عن خيارات الحكومة لا يفعلون ذلك من منطلق الغطرسة أو إنكار المعاناة، بل من منطلق قناعة بأن إدارة الدولة في ظروف إقليمية ودولية معقدة تفرض أحياناً خيارات صعبة، وليست مثالية. ومع ذلك، يبقى النقاش مفتوحاً حول وصف المشكلة نفسها. والسؤال المطروح اليوم هو كيفية إدارة هذه الأزمة، وما هي الأدوات المتوفرة فعلياً لدى الدولة لمواجهتها. عندما نتحدث عن ارتفاع أسعار الوقود، فإننا نتحدث عن موجة عالمية أثرت على الدول الغنية والفقيرة على حد سواء. كان أمام الحكومة خيارات متعددة؛ ومن بينها الاستمرار في دعم الأسعار بشكل مكثف، أو الحفاظ على التوازنات المالية للدولة مع توجيه الموارد نحو الاستثمار والبنية التحتية والحماية الاجتماعية. واختارت الحكومة المسار الثاني، وهو خيار يمكن الاتفاق عليه أو الاختلاف معه، لكنه لم يكن قراراً ارتجالياً أو معزولاً عن رؤية اقتصادية أوسع. ومن الإنصاف الإشارة أيضا إلى أن حكومة الوزير الأول مختار ولد أدجاي جاءت في سياق مشروع إصلاحي أطلقه فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني سنة 2019، وحقق خلال سنواته الماضية عددا من التحولات الملموسة. وفي مجال الأمن الغذائي، انتقلت البلاد من الحديث عن استحالة الاكتفاء الذاتي من الأرز إلى تحقيق مستويات غير مسبوقة من الإنتاج الوطني. وفي مجال البنية التحتية، شهدت البلاد إعادة بناء محاور الطرق الاستراتيجية، وتوسيع شبكات الكهرباء والمياه، وإطلاق مشاريع هيكلية ظلت لعقود من الزمن مجرد وعود مؤجلة. وفي قطاع الطاقة، يجري حاليا استكمال أكبر توسعة في سعة تخزين الوقود في تاريخ البلاد، الأمر الذي سيضاعف قدرات التخزين الوطنية ويمنح موريتانيا هامشا أكبر في مواجهة تقلبات السوق الدولية. ولم تأت هذه المشاريع في ظروف ازدهار مالي أو استقرار عالمي كامل، إذ أنجز جزء كبير منها في ظل أزمات متتالية، من جائحة كورونا إلى اضطرابات سلاسل التوريد الدولية والحروب التي أثرت على أسعار الغذاء والطاقة. أما فيما يتعلق بالحماية الاجتماعية، فمن الصعب تجاهل ما تم تحقيقه من خلال برامج “تآزر”، والتحويلات النقدية، والتأمين الصحي للفئات الضعيفة، وبرامج دعم التعليم والتغذية المدرسية. وبالفعل، إذا تحدثنا بتجرد تام، فإن هذا الحكم يعتبر النظام الموريتاني أكثر من اهتم بالفقراء، وطور سياساته حسب احتياجاتهم، ووضع برامج خاصة بهم، وقد وجد الفقراء فيه صوتا كان غائبا منذ عقود. لقد سجل النظام القائم سوابق في سجله لم تكن متاحة لأي شخص آخر. بدأ الأمر بتأمين ما يقرب من مليون شخص من المستضعفين، وتوزيع قطع الأراضي على الفقراء، وإنشاء سجل اجتماعي للفقراء يتلقى فيه المسجلون إعانات، ويتم تسجيل أطفالهم في المدارس الممتازة، وتم تحقيق زيادات كبيرة في رواتب المعلمين والجنود، وتم تحسين معاشات التقاعد للموظفين وصرفها شهريا. لقد تم توجيه كافة البرامج الحكومية إلى المناطق الفقيرة، وأصبح الحديث عن الفقر والفقراء هو الشغل الشاغل للحكومة، وهي أمور لم تتحقق قبل هذا النظام. وقد يكون هناك قصور في التنفيذ أو خلل في بعض المشاريع، وهذه الأمور تستحق المراجعة والتصحيح، لكن ذلك لا ينفي أن الدولة خصصت لأول مرة موارد غير مسبوقة للحماية الاجتماعية وجعلتها جزءا أساسيا من سياساتها العامة. أما فيما يتعلق بالحديث عن العدالة في توزيع أعباء الأزمة، فالحديث هنا ليس عن وجود العبء أو عدمه، بقدر ما هو نقاش حول كيفية توزيعه. فالبلد الذي يتخلى تماماً عن موارده في ظل وضع دولي مضطرب قد يجد نفسه، بعد سنوات، غير قادر على تمويل المدارس والمستشفيات والطرق وشبكات المياه والكهرباء. ولذلك فإن التوازن بين حماية القوة الشرائية والحفاظ على استدامة المالية العامة يظل معادلة معقدة لا وصفة سحرية لها. لقد اخترتم والحمد لله أن تنظروا إلى المشهد من زاوية تأثير القرارات على المواطنين اليوم، وهي زاوية مشروعة ومهمة. وهناك من ينظر إلى المشهد من زاوية أخرى، تتعلق بضمان قدرة الدولة على تمويل التزاماتها ومواصلة الاستثمار في المستقبل. وبين الزاويتين مساحة واسعة للتفكير السياسي والاقتصادي، ولا أعتقد أن أحداً يحتكر الحقيقة كاملة. لكن لنبدأ من نقطة جوهرية، وهي أن فخامة رئيس الجمهورية هو من يقرر ويقرر في مختلف وظائف الدولة، وهو المسؤول عن اختياراته، وهو الذي يحاسب تلك الاختيارات، وهو يعرف الخير والشر، ويدرك بوضوح الفرق بين من يستطيع ومن لا يستطيع، وأن قبول البعض ورفض البعض أمر غير مقبول في سياق السياسة. ويبقى الأهم أن يبقى هذا النقاش محكوما بالاحترام المتبادل والاعتراف بحسن النوايا، لأن الجميع – حكومة ومعارضة وأغلبية وبرلمان – يسعى جاهدا للبحث عن أفضل السبل لخدمة موريتانيا، حتى لو اختلفت الأدوات والرؤى. فالأمم لا تتقدم فقط من خلال الحوار وتبادل الآراء، ولا تبنى على اليقين المطلق، بقدر ما تبنى من خلال تلاقح الأفكار واختبار السياسات وتصحيحها كلما اقتضت المصلحة الوطنية ذلك.




