اخبار موريتانيا – وطن نيوز
اخر اخبار موريتانيا اليوم – اخبار موريتانيا العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-17 04:07:00
فالضريبة ليست مجرد إجراء مالي، بل هي التعبير العملي عن العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن. ولا تقوم الدولة الحديثة على توليد الريع وحده، بل على قدرتها على تعبئة مواردها المحلية بكفاءة ونزاهة، بما يمكنها من تمويل الخدمات الأساسية، وإنشاء البنية التحتية، وتحقيق الاستقرار الاجتماعي. وتؤكد أدبيات تعبئة الموارد المحلية أن الاعتماد على الإيرادات الذاتية هو أساس الاستدامة المالية وبناء مؤسسات قوية. ويظهر جدول العمليات المالية للدولة لعام 2025 أن إيرادات الضرائب تمثل 67.83% من إجمالي إيرادات الموازنة. ومن المتوقع أن تبلغ هذه النسبة حوالي 66.11% عام 2026 (مشروع قانون المالية لعام 2026). وهذا يعني أن الدولة تمول ثلثي ميزانيتها من الإيرادات الضريبية، وليس من الموارد الريعية أو من التبرعات. ويعتبر ذلك مؤشرا على النضج النسبي، من الناحية الاقتصادية، لأنه يقلل من تعرض الموازنة لتقلبات أسعار المواد الأولية، ويعزز القدرة على التخطيط المالي المستقر. وعندما تعتمد موريتانيا على مواردها الذاتية، فإنها تكون أكثر قدرة على صياغة سياساتها بعيدا عن ضغوط التقلبات الخارجية. وتعكس هذه النسبة أيضًا قدرة السلطات الضريبية على تحصيل موارد كبيرة من الاقتصاد المحلي، وبالتالي تعزيز الاستقلال المالي والسيادة الاقتصادية. لكن هذه الصورة، التي تبدو للوهلة الأولى إيجابية، تحتاج إلى بعض التدقيق. الأرقام المجردة لا تعكس بالضرورة الواقع الكامل لبنية الاقتصاد الوطني. وتشير التقديرات إلى أن ما يقرب من نصف النشاط الاقتصادي لا يخضع بشكل كامل للضرائب (اقتصاد غير مصنف)، مما يعني أن ثلثي موارد الدولة تأتي عمليا من جزء محدود من الفاعلين الاقتصاديين. وهنا يكمن التحدي الهيكلي الحقيقي. وعندما تكون القاعدة الضريبية ضيقة، يتركز العبء على القطاع المصنف، أي الشركات العادية والموظفين والجهات المرخص لها. وهنا قد ينشأ شعور بالظلم بين من يتحدثون ومن يعملون خارج النظام. وأي زيادة في مساهمة الضرائب في تمويل موازنة الدولة تزيد من مستوى تطلعات المواطنين إلى كفاءة الإنفاق ويكون لها الأثر الإيجابي عليهم. ولا تأتي هذه الموارد من مصدر ريعي، بل يتم خصمها مباشرة من الجهد الاقتصادي الوطني، مما يعزز المطالبة بالمحاسبة ويجعل العلاقة بين الدولة ودافعي الضرائب أكثر حساسية ووعيا بالنتائج. ومشروعية الضريبة لا تستمد من النص القانوني وحده، بل من شعور المواطن بأن ما يدفعه يعود إليه على شكل خدمات وتحسينات ملموسة يعيشها في حياته. عندما يدفع المواطن الضريبة فإنه يتوقع أن يرى طريقاً مرصوفاً، ومستشفى مجهزاً، ومدرسة جيدة، وشوارع نظيفة. وإلا تتآكل الثقة بينه وبين الدولة، ويتحول الالتزام بالقانون إلى عبئ نفسي وسخط اجتماعي. ولا ينبغي للنقاش اليوم أن يدور حول فرض الضريبة أو إلغائها، ولا عن تسويق خطاب يشوه الضريبة، ولا عن خطاب آخر يتجاهل مشاعر الشكوى، بل حول مقاربة تقوم على ثلاث ركائز: توسيع القاعدة الضريبية من خلال الدمج التدريجي للاقتصاد غير المصنف، وضمان التوزيع العادل للأعباء، ورفع كفاءة وشفافية الإنفاق العام بحيث يكون تأثير التنمية واضحا. وأخيرا، تصبح الضرائب، عندما تقترن بالثقة، أداة بناء. عندما تنقطع عن النتائج تصبح عبئا يغذي الاحتقان. فلا تنمية دون موارد، ولا موارد دون ثقة، ولا ثقة دون أثر ملموس في حياة المواطن.




