اخبار موريتانيا – وطن نيوز
اخر اخبار موريتانيا اليوم – اخبار موريتانيا العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-19 04:19:00
مقدمة: يتباهى الخطاب الرسمي والموالي في موريتانيا اليوم بانخفاض الضغط الضريبي (16.7%) مقارنة بالمغرب (28-30%) والسنغال (~20%)، ويعتبره مؤشرا على نجاح السياسات الاقتصادية. نحاول في هذا المقال تناول هذا الموضوع بشيء من التفصيل وتبسيطه للقارئ غير المتخصص، لنوضح أن التركيز على هذا الرقم وحده لا يكفي لتقييم الأداء الاقتصادي، إذ لا بد من دراسة مكونات الاقتصاد الأخرى، مثل الميزان التجاري والمديونية والخدمات الاجتماعية. طبيعة الاقتصاد: هل هو اقتصاد ريعي أم اقتصاد إنتاجي متنوع…؟ إلخ. وسنحاول تقديم تحليل مقارن في الأرقام بين موريتانيا والمغرب والسنغال، بناءً على التقارير الرسمية الصادرة عن البنك المركزي الموريتاني، والوكالة الوطنية للإحصاء والتحليل الاقتصادي والديموغرافي، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي. وقبل البدء في تناول الموضوع، نوضح أنه ليس ردا على أحد، ولا جدالاً، ولا فحشاً سياسياً، ولا فجوراً فكرياً. بل اعتبرت أنه من واجبي أن أشير إلى بعض الخداع السياسي الذي شوه وضوح البيانات الاقتصادية وشوه اللغة البليغة لأرقامها. ما هو الضغط الضريبي؟: الضغط الضريبي هو نسبة الضرائب المحصلة إلى الناتج المحلي الإجمالي، وهو مؤشر على قدرة الدولة على تمويل خدماتها العامة. وتظهر بياناتها للدول الثلاثة على النحو التالي: رغم انخفاض الضغط الضريبي في موريتانيا مقارنة بجيرانها الجنوبيين والشماليين، فإن هذا الرقم يختبئ خلف ضعف تنويع الاقتصاد وعدم توفر مصادر دخل مستدامة، ولا يشير بالضرورة إلى نجاح السياسات الاقتصادية. على سبيل المثال، في المغرب، على الرغم من الضغوط الضريبية المرتفعة، فإنه يتمتع بقاعدة صناعية وتجارية أوسع تؤدي إلى جمع موارد أكثر استدامة، وسنشرح ذلك أدناه. الميزان التجاري والاعتماد على الواردات: يعكس الميزان التجاري قدرة الاقتصاد على تغطية احتياجاته من العملات الأجنبية وتقليل الاعتماد على التمويل الخارجي. ويمكن تلخيص بيانات دول المقارنة الثلاث في الجدول التالي: ولا داعي للتذكير هنا بأن موريتانيا تعتمد بشكل كبير على واردات النفط والمواد الغذائية، مما يجعل الاقتصاد عرضة لتقلبات الأسعار العالمية. البنية التحتية والخدمات الأساسية: تعد القدرة على الوصول إلى الكهرباء والمياه من المؤشرات الأساسية للرفاه الاجتماعي والإنتاجية، ويمكن مقارنة البيانات في هذا الجانب على النحو التالي: من البديهي أن ضعف البنية التحتية يحد من قدرة الإنتاج المحلي على النمو ويقلل من جودة الخدمات الأساسية، مما يحد من فعالية أي سياسة ضريبية منخفضة ويجعلها تفقد جانبها الفخري. الاقتصاد الريعي: أصبح الذهب في السنوات الأخيرة أحد أهم صادرات موريتانيا، ويشكل الجزء الأكبر من قيمة الصادرات المعدنية، يليه خام الحديد الذي يمثل نسبة كبيرة من الصادرات ولكن يتم تصديره دون تصنيع محلي يضيف قيمة فعلية للاقتصاد الوطني. وتلعب الأسماك والمنتجات البحرية أيضًا دورًا مهمًا في الصادرات، ولكن معظمها يتم تصديره كمنتجات خام أو شبه خام، مما يوفر عددًا محدودًا من فرص العمل مقارنة بالإمكانات الطبيعية المتاحة. ولذلك فإن هذه الموارد الثلاثة تشكل اقتصاداً ريعياً مركزاً، يقوم على إدارة الموارد الطبيعية دون تطوير الصناعات المحلية أو تنويع الإنتاج، مما يحد من الاستفادة المحلية من القيمة المضافة وفرص العمل، ويزيد من هشاشة الاقتصاد. وبالفعل، أصبح الذهب في السنوات الأخيرة أحد أهم صادرات موريتانيا، ويشكل الجزء الأكبر من قيمة الصادرات المعدنية. ويبلغ الإنتاج السنوي المعلن من الذهب حوالي 16 طناً بقيمة حوالي 1.51 مليار دولار (~37.3% من قيمة الصادرات). لكن جزءاً كبيراً من الإنتاج الوطني غير مسجل رسمياً، ولا يمر عبر البنك المركزي، وهناك شبهات حقيقية حول الشركة التي تشتري الذهب المصرح به رسمياً، وحالات القبض على محاولات تهريبه تكررت بشكل لافت في السنوات الأخيرة. وذلك مع ضعف الرقابة على المعابر وافتقارها للعديد من الأجهزة، وغياب الرقابة والتشجيع الصارم للعاملين فيها. شكّل ارتفاع نسبة مبيعات الذهب التي أعلنها البنك المركزي في تقريره السنوي لعام 2020 (عام إغلاق المعابر بسبب كورونا) صدمة ومفاجأة للجميع. لكن المراقبين لم ينالوا التحقيق والدرس الذي يستحقونه، وكل ما سبق يعكس غياب الشفافية في إدارة هذا المورد المهم وهذه النعمة العظيمة. من جهة أخرى، هناك شبهات نهب واختلاس تحيط بشركة تازيازت – موريتانيا. وبالفعل واجهت شركتها الأم كينروس دعاوى قضائية دولية بسبب شبهات فساد ورشوة في موريتانيا ودول إفريقية انتهت بتسويات ودفع غرامات باهظة، مما يدل على ضعف الرقابة والإدارة في هذا القطاع المهم. بعد الذهب يأتي خام الحديد الذي يمثل حوالي 34.6% من قيمة الصادرات بقيمة 1.40 مليار دولار تقريبا، ويتم تصديره غالبا دون أي معالجة أو تصنيع محلي يضيف قيمة للاقتصاد الوطني (يقدر الإنتاج السنوي بحوالي 13 مليون طن من خام الحديد المصدر بنفس الطريقة منذ عام 1960 إلى اليوم، في حين لا يوجد متر واحد من السكك الحديدية يربط بين عواصم مدن أخرى غير الزويرات ونواذيبو، مما قد يساهم، أما فيما يتعلق بتخفيض تكلفة نقل البضائع والأشخاص: فضيحة بعد فضيحة! تلعب المنتجات البحرية أيضا دورا هاما في الصادرات الموريتانية، إذ تشكل حوالي 19,7% من قيمة الصادرات بقيمة تقارب 720 مليون دولار، بحجم سنوي يتراوح بين 100 ألف إلى 200 ألف طن، ويتم تصدير معظم هذه المنتجات خاما أو شبه خام، مع فرص تشغيل محدودة مقارنة بالإمكانات الطبيعية المتاحة. الديون والنمو الظاهري: من المعروف لدى طلاب الاقتصاد في السنة الأولى أن النمو الاقتصادي قد يكون ظاهرا إذا اعتمد على التمويل الخارجي، وهذا ما يتباهى به كثير من المسؤولين في موريتانيا، ويمكن مراجعة مؤشر الدين الخارجي المقاس بالناتج المحلي الإجمالي على النحو التالي: من هذا الجدول وغيره من المؤشرات يمكن القول أن الاقتصاد الموريتاني أقل قدرة على تحمل الصدمات الاقتصادية المفاجئة، مثل انخفاض أسعار المعادن أو أي توقف للتمويل الخارجي، مقارنة بالدول المجاورة التي لديها اقتصادات أكثر تنوعا مثل المغرب أو السنغال. ويمكن القول أيضا أن البيانات الاقتصادية تشير إلى أن موريتانيا تعتمد بشكل كبير على قطاع التعدين، خاصة الذهب والحديد، كمصدر رئيسي لإيرادات العملة الصعبة، بالإضافة إلى ذلك، يلعب التمويل الخارجي والعديد من القروض الدولية دورا مهما في تغطية العجز التجاري وتمويل المشاريع التنموية، مما يجعل النمو الاقتصادي في بعض السنوات يبدو مرتفعا، لكنه في الواقع نمو ظاهري يعتمد على التدفقات المالية الخارجية وليس على قاعدة إنتاجية متنوعة ومستدامة: الرفاهية الحقيقية للسكان لا تقاس فقط أرقام أو مؤشرات اقتصادية مثل الناتج المحلي الإجمالي أو انخفاض الضغط الضريبي، بل تعكس قدرة الدولة على توزيع الخدمات الأساسية وتحسين نوعية الحياة، وهذا يشمل على سبيل المثال: – استقرار الوصول إلى الكهرباء والمياه الصالحة للشرب. – توفير التعليم والصحة على نطاق واسع – توفير فرص عمل حقيقية وتحسين مستوى المعيشة للغالبية العظمى من السكان، وبالتالي فإن التركيز على مؤشرات مالية محدودة دون النظر إلى جودة الخدمات الأساسية يعطي صورة مضللة للرفاهية، ويخلق ما يمكن تسميته بالرفاهية الظاهرة أو الزائفة. لكن لا حرج في مقارنتها بدول الجوار -كما يحلو لمسؤولينا دائما-، وتظهر البيانات الاقتصادية ما يلي: ويمكنك أن تضحك (وشر المصيبة ما يضحكك) عندما يخرج بعض المسؤولين ليعلنوا عن «نجاعة» سياساتهم الاقتصادية، بينما يعيش أكثر من نصف السكان في حالة حرمان متعدد الأبعاد، والخدمات الأساسية -مثل الكهرباء والماء- تتوقف وتعود كما يحلو لهم، وكأنها كانت. «مفاجآت أسبوعية» في هذه الحالة، يصبح أي تخفيض في الضغط الضريبي مجرد رقم احتفالي على الورق، بأثر محدود جداً على حياة غالبية السكان، وكأنه وليمة اقتصادية لا يحضرها إلا النخبة القليلة التي تقود سياراتها الفاخرة على طرقات مهترئة: يبدو أن بعض المسؤولين الذين يعشقون الاحتفال بالأعداد الصغيرة يعتقدون أن انخفاض الضغط الضريبي وحده يخلق حالة من الرخاء والرفاهية، في حين أن الحقيقة أبسط من ذلك: انخفاض نقطة مئوية هنا أو هناك. لا تطعم طفلاً، ولا تشغل عاطلاً عن العمل، أو بالأحرى عاطلاً عن العمل، ولا حتى تضيء شارعاً وسط العاصمة. لكن الحقيقة هي أن التنمية الحقيقية ليست مجرد أرقام ضريبية، بل هي تلك التي يشعر بها الجميع، وليس النخبة التي تقود السيارات الفاخرة على الطرق المتهالكة. هذا التطور الحقيقي يتطلب مجموعة من الإجراءات العاجلة: تنويع الإنتاج: لا يمكن لأي دولة أن تعتمد على الذهب والحديد والأسماك فقط، ثم تتباهى بأرقام التصدير وكأنها تنتج الصلب أو الفولاذ المتطور. هذا مجرد حزب أرقام على الورق، لا يخلق فرص عمل حقيقية، ولا يطوّر الاقتصاد المحلي. تعزيز الشفافية: إدارة الموارد الطبيعية يجب أن تكون واضحة للجميع، وألا تتحول إلى إيرادات رسمية متواضعة فيما تذهب الثروات المهربة إلى جيوب مجهولة. الحديث عن «فعالية السياسة» في هذا السياق يشبه الإشادة بالعدم باعتباره شيئاً ذا قيمة: فالكهرباء والماء والخدمات الأساسية ليست ترفا؛ إن أي تخفيض في الضغوط الضريبية لا معنى له إذا انقطعت الكهرباء لساعات، وكانت الطرق متربة ووعرة، والمياه غير صالحة للشرب أو غير متوفرة. باختصار، إن الأعداد المالية الصغيرة لا تشبع المعدة أو تضفي البهجة على المنزل. إن الرفاهية لا تقاس بعدد الفيلات التي تنمو مثل الفطر بعد هطول الأمطار، ولا بعدد السيارات الفاخرة التي تتجول في أنحاء العاصمة كما لو كانت في معرض عالمي مفتوح الفرص للغالبية العظمى من السكان، وليس لنخبة صغيرة تضع كل الذهب والحديد في جيوبها. بمعنى آخر وكلام أخيرا: التركيز على نسبة ضريبية منخفضة وكأنها معجزة اقتصادية هو مجرد عرض مسرحي للأرقام، ولا يعكس القدرة الحقيقية للاقتصاد على الصمود والنمو وتوفير الحياة الكريمة لمواطنيه. المراجع: – البنك المركزي الموريتاني: www.bcm.mr – الوكالة الوطنية للإحصاء والتحليل الاقتصادي والديمغرافي: www.ansade.mr. – البنك الدولي – مؤشرات التنمية العالمية – صندوق النقد الدولي – تقارير المادة الرابعة – اليونيسيف – بيانات الفقر متعدد الأبعاد – الاقتصاد التجاري – البطالة الرسمية




