اخبار موريتانيا – وطن نيوز
اخر اخبار موريتانيا اليوم – اخبار موريتانيا العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-09 03:12:00
وفي الوقت الذي تواجه فيه موريتانيا تحديات بنيوية عميقة تتطلب بلورة رؤية استراتيجية واضحة وحشد الجهود حول برامج تنموية طموحة، يبدو أن السجال السياسي بدأ ينزلق نحو فرضية التمديد لرئيس الجمهورية الحالي، رغم القيود الدستورية التي تحد من عدد الولايات الرئاسية. وهي مسألة سبق أن أثيرت في عهد سلف الرئيس الحالي، وأثيرت أيضا في كثير من دول المنطقة وخارجها. ومع ذلك، فمن المرجح اليوم أن تجذب انتباه الجهات السياسية والرأي العام، على حساب قضايا التنمية الأساسية. هذه الفرضية تغذي موجة متزايدة من الشائعات، مدفوعة بتكاثر التصريحات الصادرة عن جهات تسعى إلى الترقية داخل دوائر النفوذ. ويبدو أن سباقاً محموماً قد انطلق للمطالبة بولاية ثالثة، حتى لو كان ذلك يتطلب الدوس على كل المكتسبات التي حققتها البلاد من أجل إرساء أسس التداول السلمي للسلطة. وتهدف هذه المواقف إلى تبرير فكرة مراجعة الدستور، عبر التلميح والتلميح، وأحياناً التصريح المعلن، للسماح للرئيس الحالي بالترشح لولاية ثالثة. ومن المرجح أن تتزايد مثل هذه الدعوات مع اقتراب نهاية الولاية الحالية، في ظل تنافس محموم للاقتراب من السلطة والامتيازات التي تنتج عن ذلك. وفي هذا السياق، لا يتردد بعض الفاعلين في التضحية بالمكاسب الدستورية المحدودة التي حققتها البلاد بعد تجربة مريرة، متبنين الشعار المشكوك فيه: «ليدمر البئر ما شبع الحمار». ولا يهمهم الانحدار الديمقراطي الذي سيحدث، ولا نقض العهود، أو نقض القسم الدستوري، ما دام ذلك يسمح لهم باستقطاب موافقة السلطات والحصول على مكافآتها. ويصبح تمرير مثل هذا النهج أسهل في ظل المستوى المحدود للوعي المدني بين السكان، حيث يمكن تعبئة ما يعرف بـ “موريتانيا الأعماق”، بشبكاتها من الأعيان والوجهاء والنخب الانتهازية، التي تسعى دائمًا إلى الحصول على ريوع وفوائد السلطة. ومن ثم، فإن العدد الوافر من القانونيين والخبراء في البلاد، بفضل براعتهم، سيكونون مسؤولين عن البحث عن الصيغة «السحرية» لإخراج سيناريو المراجعة الدستورية وإضفاء الشرعية عليها. ولا يزال الكثيرون يتذكرون مبادرة «بطاقة التصويت المحايدة» الفاشلة عام 2007، والتي كان الهدف منها تمهيد الطريق للتمديد لرئيس الفترة الانتقالية في ذلك الوقت. تحديد عدد الفترات الرئاسية صمام أمان في مواجهة الانحراف الاستبدادي. وقد يرى البعض أن تحديد عدد الفترات الرئاسية، الذي أقره الدستور بعد مراجعته عام 2006، ليس مقدسا في حد ذاته، ويمكن رفعه بنفس الآلية التي تم إنشاؤه به، بما في ذلك من خلال الاستفتاء الدستوري، استنادا إلى مبدأ تماثل الإجراءات القانونية. ولا يمكن إنكار إمكانية تعديل الدستور، فما ثبت بنص يمكن تعديله بنص مماثل، باعتبار الدستور نصاً حياً يفترض أن يواكب تطور المجتمع. لكن جوهر المشكلة لا يكمن هنا، فالمسألة ليست قانونية بقدر ما هي سياسية وأخلاقية بامتياز. إن تحديد عدد الولايات الرئاسية، الذي تمت الموافقة عليه عام 2006 بعد فترة طويلة من الاستبداد، والذي لا يزال الموريتانيون يدفعون ثمنه، لم يكن مجرد إجراء فني كغيره من التدابير، بل كان بمثابة صمام أمان لمواجهة الانزلاق نحو الاستبداد. وجاء هذا القيد الدستوري نتيجة إجماع وطني واسع، شاركت فيه النخب السياسية وأغلبية الرأي العام، في قطيعة مع أنماط تداول السلطة الموروثة من الماضي. وكان هذا التوافق بمثابة التزام أخلاقي جماعي بإرساء أسس الحكم الرشيد. ولذلك فإن أي محاولة للتلاعب بهذا القيد الدستوري، مهما كانت صياغته وآلياته ومبرراته، من شأنها تقويض الأسس الهشة لبناء الدولة والإضرار بشرعية السلطة نفسها. كما أنه سيؤدي إلى تقويض الإجماع الوطني الذي تم التوصل إليه بشق الأنفس وإبطال المكاسب المحدودة في مجال الحكم. إضافة إلى ذلك، فإن هذا المسار سيضعف الاستقرار النسبي الذي يمثل اليوم أهم مكسب للبلاد في بيئة إقليمية ودولية محاطة بعدم الاستقرار، وقد يعيد البلاد إلى دوامة جديدة من عدم الاستقرار ويعرقل مسارها التنموي. وبالإضافة إلى ذلك، فإن صورة موريتانيا على المستوى الدولي سوف تتضرر بشدة. ولا يخفى على أحد أن تطور وجاذبية الدول يرتبطان، إلى حد كبير، بصورتها في الخارج. ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في ظل الجهود المبذولة لجذب الاستثمارات الأجنبية الضرورية لاستغلال الموارد الوطنية وتنويع الاقتصاد. إن اتخاذ مثل هذه الخطوة من شأنه أن يعزز الانطباع بوجود دولة غير قادرة على احترام قواعدها، أي «جمهورية موز» أخرى لا تتردد في التضحية بدستورها والدوس على ضوابطها المؤسسية وفق أهواء حكامها وبطانتهم من المتحمسين. إن تحديد عدد الفترات الرئاسية يمثل التزاماً يجب احترامه بشكل صارم إذا أردنا بناء مؤسسات راسخة. إن الأمم لا تبنى إلا بأنظمة وآليات مستدامة. إن الدول الأكثر استقراراً وتقدماً هي تلك التي نجحت في إرساء قواعد مستقرة تتجاوز النخب الحاكمة. والتفريط في هذه المعادلة يفتح الباب أمام الانحرافات ويضعف البنية المؤسسية الشاملة. واستقرار الدولة يجب أن يكون أولوية على الحسابات الضيقة ومزاج الحكام، إذ لا يمكن، في نهاية كل ولاية، إعادة فتح هذا الملف دون المساس بمبدأ سيادة القانون وحصانة الدستور. ومن المهم أن نتذكر، في هذا السياق، أن هذه الدعوات لتجاوز الدستور لم تحظى بموافقة علنية من رئيس الجمهورية أو دائرته المقربة. لكن مواقف بعض كبار المسؤولين، التي لم تقابل بالإنكار أو التوبيخ، تكفي لإثارة الشكوك. ويصبح هذا التناقض أكثر حدة نظرا لتزامن هذه الدعوات مع الإطلاق الوشيك للحوار الوطني الذي من المفترض أن يعيد بناء الثقة بين الفاعلين، ويعزز الإجماع الوطني، ويعالج القضايا العالقة، ويحسن أنظمة الحكم. إن إدراج هذا الموضوع على جدول أعمال الحوار المقبل من شأنه تقويض العملية من أسسها وإجهاض مبادرة كانت معقودة عليها الآمال. وستقاطع قوى المعارضة، بما فيها الأكثر مرونة، العملية، الأمر الذي سيعزز مواقف الحركات المشككة في جدواها. إضافة إلى أن خطوة كهذه من شأنها أن تشكل غطاءً سياسياً صريحاً، ما يجعل من الصعب إقناع الرأي العام بأن رئيس الدولة بريء من هذه الفكرة، خصوصاً أنه سبق له أن أيد في الماضي مبادرة مماثلة تهدف إلى تمديد التمديد لسلفه، قبل أن يتم إحباطها لحسن الحظ. ويكشف هذا الجدل عن ظاهرة مزعجة في الحياة السياسية الوطنية، وهي ميل النخب إلى تصوير الحاكم على أنه زعيم مخلص، وأحيانا رغما عنه. ويعكس هذا التخصيص المفرط ضعف الثقة في المؤسسات. وهذا الوضع كان موجوداً في الماضي، ولا يزال مستمراً حتى اليوم، على الرغم من التحولات الاجتماعية الهيكلية الجارية. ولا بد من التأكيد على أنه لا “منقذ” في السياسة، والبلاد لا تحتاج إلى قائد ملهم، بل إلى تعزيز مؤسساتها وأنظمتها الدستورية وتهيئة الأجواء للتوافق الوطني المستدام. آمال خائبة إذا نظرنا إلى المرحلة الماضية، فمن الواضح أن الآمال المعلقة على رئيس الدولة الحالي كانت مبالغ فيها. ولم يكن هناك أي مبرر موضوعي في طريقه أو في سياق صعوده إلى السلطة لتوقع القطيعة مع ممارسات الماضي. وجاء الرجل إلى السلطة من رحم نظام وصف بالفاسد، وكان طرفا فاعلا في الانقلاب الذي أطاح برئيس منتخب، إضافة إلى التزامه الصمت عن انحرافات سلفه، مما جعله امتدادا للنهج المضطرب في الحكم المستمر منذ أربعة عقود. وكثير من قراراتها وطبيعة محيطها تعكس هذه الاستمرارية، من خلال إعادة تدوير النخب المتهمة بالفساد وسوء الإدارة. فهل يمثل الرئيس الحالي الزعيم الإصلاحي الذي تطمح إليه البلاد؟ فهل أطلق الإصلاحات الهيكلية المطلوبة، أم نفذ برامج تحول على حجم التحديات الراهنة؟ فهل تتناسب الإنجازات التي تحققت منذ توليه المسؤولية مع حجم الموارد التي أنفقت (نحو ألف مليار أوقية جديدة، أي ما يعادل 25 مليار دولار، خلال السنوات السبع الماضية)؟ ومن المؤكد أنه سيكون من الظلم أن نحكم عليه على أساس مشروع إصلاحي لم يطالب به ولم يلتزم به. فهو لم يتعهد بالقطيعة مع الماضي ولم يلتزم بمشروع تقدمي. بل إنه أعلن صراحة وفي أكثر من مناسبة عن رغبته في الاستمرار على نهج سلفه، وهو الوعد الذي يبدو أنه حققه حتى الآن، مع تغيير في الأسلوب. كما أن اعتماده على منطق الإجماع الهش، وإحجامه عن إحداث أي قطيعة ولو كان ضرورياً، وقربه من النخب المحاطة بشبهات الفساد، وتردده في اتخاذ إجراءات صارمة ضدهم، خوفاً من إثارة سخطهم، كلها عوامل ساهمت في انتشار الفساد واستمرار الإفلات من العقاب. واليوم، بلغت خيبة الأمل الشعبية إزاء هذا النوع من الحكومات مستوى غير مسبوق. لكن الموارد العامة لم تشهد قط الطفرة الحالية، مدفوعة بزيادة الضغوط الضريبية وبدء تنويع الاقتصاد، حتى لو ظل دون الإمكانيات المتاحة. ومع ذلك فإن التطلعات لا تزال قائمة، وأصبحت أكثر إلحاحا، في وقت حيث تشعر الفئات الأكثر ضعفا بأنها مستبعدة، في حين تستولي أقلية من رجال الأعمال المشبوهين المرتبطين بالنخب الحاكمة على حصة الأسد من عائدات النمو. ويتفاقم هذا الوضع بسبب غياب الرؤية الاستراتيجية الواضحة وضعف الإرادة السياسية، في حين تتطلب التحديات الكبرى، مثل الفساد والفقر والإقصاء، قرارات حازمة وقطيعة جذرية مع بعض الممارسات السائدة. خلاصة الأمر، أن الجدل حول الولاية الثالثة يكشف عن تسلسل مقلق للأولويات، إذ يبدو أن هاجس بقاء النظام يتقدم على الاستجابة لتطلعات المواطنين واحترام الأنظمة الدستورية. ومع ذلك، فإن السعي للبقاء في السلطة من خلال الحيل القانونية، وتعبئة “الدولة العميقة” والشبكات الزبائنية، ليس خيارا مستداما، بل هو وصفة عفا عليها الزمن، في وقت حيث يحتج الشباب، حتى بالقرب من حدودنا، مطالبين بتحسين الظروف المعيشية، وخدمات عامة أفضل، وعدالة اجتماعية أكثر شمولا. بلادنا ليست محصنة ضد العالم، وما يحدث حولها يجب أن يدق أجراس الإنذار لقيادتها، قبل أن تهب العاصفة. ولا مفر من ذلك إلا من خلال الالتزام الصارم بمحاربة الفساد، وإطلاق إصلاحات طموحة، وتقديم حلول ملموسة لمعالجة الإحباط الشعبي، بما يخفف التوترات ويمنع انفجار الاحتجاجات الكامنة.




