اخبار موريتانيا – وطن نيوز
اخر اخبار موريتانيا اليوم – اخبار موريتانيا العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-01 21:45:00
في عام 2000، ذهبت مع صديق فلسطيني إلى قرية ألمانية صغيرة بحثًا عن قطع غيار السيارات المستعملة. وبعد رحلة طويلة وصلنا إلى متجر يملكه رجل إيراني، فسألناه عن القطع التي كنا نبحث عنها. فأجاب أنه لم يكن متوفراً حينها، ثم قال مبتسماً: «انتظر قليلاً، الثلج قادم، ومن ثم ستكثر حوادث السيارات وستتوفر القطع». واستغربت من كلامه يومها وكأنه يقول إن لكل أزمة وجها آخر، وإن لكل مصيبة فرصة يمكن أن يراها من يعرف قراءة المستقبل. واليوم، وأنا أتابع ما يحدث في العالم منذ طوفان الأقصى وما تبعه من حروب وتحولات كبيرة، أتذكر تلك الحادثة كثيرا. واللافت أن الأحداث بدأت في فلسطين، بينما نجد أنفسنا اليوم أمام توترات تمتد إلى إيران وتمتد إلى خارج حدود المنطقة شيئا فشيئا. ولا أحد يعلم إلى أين ستقود هذه التحولات، أو إلى أي حد ستتوقف، وهل ستظل محصورة في منطقة الشرق الأوسط أم أنها ستؤثر على مناطق أخرى، وتحالفات دولية، واقتصادات كبرى؟ ولكن الأمر المؤكد هو أن النظام الدولي يشهد مرحلة عميقة من إعادة الهيكلة، وأن العالم يدخل زمناً مختلفاً عما عرفه على مدى العقود الماضية. ولذلك لا أرى أن السؤال هو: ماذا سيحدث؟ بل: كيف نستعد لما سيحدث؟ فالثلوج ستتساقط، بشكل أو بآخر، والدول التي تستعد للعواصف قبل وصولها هي التي تستطيع تحويل الأزمات إلى فرص والتحديات إلى أدوات قوة وبناء. ولذلك أعتقد أن بناء الدولة لا يتحقق بحل الخلافات السياسية وحدها، مهما بلغت أهميتها، بل يعتمد بالدرجة الأولى على الاقتصاد والتدريب والتعليم والعمل. وإذا كانت قوة الأمس تقاس بعدد الجنود، فإن قوة الغد تقاس بقوة الاقتصاد، وهو ما يجعل وزارة الاقتصاد وزارة سيادية بامتياز، وتمكينها من قيادة الأولويات الوطنية والتنسيق بين مختلف القطاعات هو من أولى خطوات الإصلاح. فإذا كان الأمن العسكري يحمي الحدود، فإن الأمن الغذائي يحمي الاستقرار المجتمعي. ولهذا السبب نحتاج إلى “جيش غذائي” يعمل على تعزيز الإنتاج الزراعي والحيواني، وإنشاء مخزونات استراتيجية تقلل من تعرضنا للأزمات والتقلبات العالمية. ولتحقيق ذلك، من المهم استغلال الفرص المتاحة قبل أن تنشغل القوى الكبرى بصراعاتها. وتمثل الصين فرصة لجلب المصانع والتكنولوجيا والبنية التحتية، في حين تمثل ألمانيا وأوروبا فرصة للتدريب المهني، ونقل الخبرات الصناعية، واستيراد المصانع التي يمكن إعادة تشغيلها وتطويرها. لكن أي حديث عن الصناعة يظل ناقصا إذا لم يسبقه الحديث عن الطاقة. الكهرباء والوقود هما شريان الحياة للتنمية الحديثة، ومن هنا تأتي أهمية الاستثمار في الطاقة وتعزيز التعاون مع الجزائر لضمان أمن الطاقة وتنويع مصادر إمدادات الوقود والحد من المخاطر المرتبطة بالتقلبات الدولية. واليوم تتمتع دول الخليج بفوائض مالية واستثمارية ضخمة، وهو ما يتطلب منا تحسين مناخ الأعمال وإعداد البنية التحتية لجذب هذه الاستثمارات نحو قطاعات الإنتاج والطاقة والصناعة والخدمات. وفي هذا السياق تبرز مسألة الموارد الاستراتيجية. إن المعادن والثروات السمكية ليست مجرد مواد للتصدير، بل هي أدوات للسيادة والتنمية. موقع بلادنا ومواردها يؤهلها لأن تكون منصة إقليمية لتجارة الذهب والمعادن، من خلال إنشاء سوق متخصصة للذهب على غرار تجربة دبي، مما يخلق قيمة مضافة وفرص عمل ويحول الدولة من مصدر للمواد الخام إلى مركز للتجارة والخدمات المرتبطة بها. ولكن التاريخ يعلمنا أن القوة الاقتصادية وحدها لا تكفي. لقد كان البقاء دائمًا نتيجة للتحضير المسبق. ومن فكرة الخندق الذي أتى به سلمان الفارسي رضي الله عنه لحماية المدينة المنورة، إلى المنشآت الاستراتيجية التي أنشأتها بعض الدول الحديثة داخل الجبال أو تحت الأرض، تتكرر نفس الفكرة: بناء القدرة على الصمود قبل حدوث الخطر. وهذا يقتضي ضرورة التفكير مستقبلاً في المنشآت الاستراتيجية المحمية والمستودعات الوطنية الكبرى والمرافق الحيوية، وحتى المدن أو الأحياء العاملة التي تستفيد من بعض التجارب الحديثة، بما في ذلك التجربة الإيرانية في بناء المنشآت المحصنة تحت الجبال. في عالم تتغير فيه طبيعة الحرب بسرعة، أصبحت التكنولوجيا العسكرية عنصرا حاسما. ولم تعد الطائرات بدون طيار مجرد أدوات مساعدة، بل أصبحت جزءا أساسيا من حماية الحدود ومراقبة المرافق الحيوية، وهو ما يتطلب الاستثمار في هذا القطاع من خلال التصنيع المحلي أو نقل التكنولوجيا والشراكات الدولية. ومع ذلك، تظل كل هذه المشاريع مجرد أدوات إذا لم يتم وضع الأشخاص في قلوبهم. إن التدريب المهني والتعليم والبحث العلمي والتكنولوجيا هي الثروة الحقيقية للأمم، وهي التي تحول الموارد الطبيعية إلى قوة اقتصادية حقيقية. لكن التنمية نفسها تحتاج إلى قاعدة صلبة تدعمها، وهذه القاعدة هي الوحدة الوطنية. فالتنوع الثقافي لا يشكل عبئا على الدولة، بل هو مصدر قوة عندما يجتمع في إطار مشروع وطني شامل. الانتماء الحقيقي لا تحدده الأصول أو الألوان أو اللهجات، بل هو القدرة على بناء مصير مشترك والشعور الجماعي بالمسؤولية تجاه الوطن. إن عواصف التحول الدولي القادمة لن تنتظر أحدا، والسيادة في عالم الغد لن تمنح لمن ينتظر، بل للمستعدين. لقد ولى زمن الرهان على حسن النوايا الجيوسياسية، وبدأ زمن الرهان على الذات. حيث الاقتصاد هو الدرع، والتعليم هو المحرك، والوحدة الوطنية هي الحصن الأساسي. الثلوج ستتساقط لا محالة، ولن يحوّل شتاء الأزمات إلى ربيع بناء الدولة الحقيقية إلا من يملك الرؤية والشجاعة لترتيب أولوياته اليوم.




