موريتانيا – بين النقد والتشهير.. أين أخلاق الخلاف؟

أخبار موريتانيا27 يونيو 2026آخر تحديث :
موريتانيا – بين النقد والتشهير.. أين أخلاق الخلاف؟

اخبار موريتانيا – وطن نيوز

اخر اخبار موريتانيا اليوم – اخبار موريتانيا العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-27 05:08:00

ومن يتابع ما يجري في الفضاء الأزرق سيلاحظ وبأسف شديد أن مساحة الحوار تضيق يوما بعد يوم، فيما تتسع مساحة التشهير والخيانة والتشكيك في النوايا. والمؤلم أن هذا الكلام لا يأتي دائما من عامة الناس، بل غالبا ما يأتي من أشخاص من المفترض أن يمثلوا النخبة، في وقت كان من المتوقع منهم أن يكونوا قدوة في حسن الخلاف وحسن الخلق في الحوار. لقد نشأ مجتمعنا على قيم الإسلام، التي تجعل احترام الإنسان أساساً، حتى لو اختلفنا معه، وجعل الجدل وسيلة الإقناع، وليس الإساءة أو التلفيق. ولذلك فإن الخلاف في الإسلام لم يكن مشكلة قط، بل كانت المشكلة دائما هي سوء إدارة الخلاف. فالقرآن الكريم لم يلغ الخلاف بل صقله. قال الله تعالى: “ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن”. وقال الله تعالى: “ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى”. العدالة لا تسقط بالخلافات، والعدل لا يتغير بتغير الأحوال. وشهد عصر النبوة اختلافات في الفهم والاجتهاد بين الصحابة رضي الله عنهم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن لم يكن أحد يبحث عن إسقاط الآخر أو التقليل من شأنه، لأن الهدف كان الوصول إلى الحق، وليس الانتصار للنفس. فإذا أسقطنا هذا الميزان على واقعنا، فسنجد أننا ابتعدنا عنه كثيراً. فكم من علماء أو خطباء أو مفكرين أصبحوا هدفاً لحملات تشويه منظمة لمجرد الاختلاف في الموقف أو الرأي. ومثال واضح على ذلك ما كتب عن الشيخ عبد الله بن بي، حيث تنسب إليه أقوال ونوايا لا دليل عليها، لدرجة اتهامه بالدعوة إلى دين جديد بسبب ما يثار حول فكرة “البيت الإبراهيمي”. ومن حق الجميع الموافقة أو الاختلاف مع هذه المبادرة، ومناقشتها علميا وفكريا، ولكن لا يحق لأحد أن يبني أحكامه على الشبهات أو أن ينسب إلى الرجل ما لم يقله. قال الله تعالى: “وَلَا تَجْهَلْ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ”، وقال أيضاً: “اجتنب كثيراً من الظن، إن بعض الظن إثم”. وفي الاتجاه الآخر، لا يختلف الأمر كثيراً في ما يتعرض له الشيخ الددو من شتائم وألفاظ لا تليق بمكانة عالم بين علماء الأمة. الخلاف مع العلماء أمر طبيعي ومن طبيعة الاجتهاد، لكن تحويل هذا الخلاف إلى وسيلة لنقد الناس أو التقليل من قدرهم لا يخدم الدين ولا المجتمع. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده». إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع هو سقوط هيبة العلم في قلوب الناس، لأن سقوط هيبة العلماء لا يضر بأشخاصهم بقدر ما يضر هيبة العلم نفسه. ولهذا رفع الله درجات أهل العلم فقال: «يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات». لكن احترام العلماء لا يعني تأليههم أو اعتبارهم معصومين، فالعصمة انتهت بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عصمة لأحد بعده. فالعالم إنسان. يجتهد ويصيب ويخطئ، وكلامه يؤخذ منه ويرد، كما قال الإمام مالك رحمه الله: “كل أحد يؤخذ من كلامه ويرد إلا صاحب هذا القبر”. ولذلك فإن نقد فقه العلماء إذا كان بعلم وأدب وإنصاف فهو نصيحة، أما تحويل النقد إلى تشهير أو تصفية حسابات فهو خروج عن الأخلاق الإسلامية. ومن ناحية أخرى، فإن العلماء أنفسهم مطالبون اليوم أكثر من أي وقت مضى بأن يكونوا قدوة في إدارة الخلاف، والامتناع عن كل ما يفتح أبواب التعصب بين أتباعهم. ولا يقف الناس عند أقوال العلماء فحسب، بل يقلدونهم في طريقة تعاملهم مع من يخالفهم. وكلما ارتفع خطاب العلماء، ارتفع خطاب المجتمع. ومن الحكمة أيضًا أن يحافظ العلماء على استقلاليتهم، ويبتعدوا -قدر الإمكان- عن التخندق السياسي والاستقطاب الحزبي، حتى يظلوا محل احترام وثقة مختلف شرائح المجتمع. الأمة بحاجة إلى علماء يجمعون ولا يفرقون، ويقربون ولا ياستقطابون، ويكونون ملجأ عند اشتداد الأزمات. إذا دخل العالم في استقطاب سياسي حاد، فإنه سيفقد جزءاً من قدرته على التوفيق بين المتنازعين، بينما إذا بقي قريباً من الجميع، محافظاً على استقلال كلمته، فإنه سيكون قادراً على القيام بدوره في المصالحة وتوحيد الكلمة، امتثالاً لقوله تعالى: “لا خير في كثير من نجوىهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس. ومن ناحية أخرى، ليس من الحكمة أن يجعل عامة الناس أنفسهم طرفاً في الأمر” خلافات العلماء، ونقل ما يدور بينهم من اجتهادات أو نقد بروح التعصب والانتصار للناس، فخلافات العلماء لها سياقاتها وضوابطها، أما الجمهور فمن واجبهم أن يحفظوا ألسنتهم ويبحثوا عن الحقيقة بأدب، لا أن يحولوا هذه الخلافات إلى وقود للخلاف على منصات التواصل. وعندما نحافظ على أقدار الناس، ونناقش الأفكار بدلا من الناس، ونلتزم بالعدل مع المتفقين والمختلفين، نكون قد اقتربنا من هدي الإسلام، الذي جعل الخلاف باباً للاجتهاد، ولم يجعله باباً للعداء أو الجفاء.

اخبار موريتانيا الان

بين النقد والتشهير.. أين أخلاق الخلاف؟

اخبار اليوم موريتانيا

اخر اخبار موريتانيا

اخبار اليوم في موريتانيا

#بين #النقد #والتشهير. #أين #أخلاق #الخلاف

المصدر – الأخبار