اخبار موريتانيا – وطن نيوز
اخر اخبار موريتانيا اليوم – اخبار موريتانيا العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-07 02:44:00
ولم يعد الفضاء العام محكوماً بقيمة الفكرة أو عمق الرؤية، بقدر ما أصبح أسيراً لقوة الصوت وسرعة الانتشار. في هذا المشهد المتغير، يبرز تناقض صارخ بين ضجيج الشهرة وصمت الكفاءة، حيث تتقدم الأصوات الأعلى والأكثر حضورا بينما تتراجع التجارب الحقيقية إلى الهوامش، ليس بسبب عدم قدرتها على الفعل، بل لأن منطق الظهور أصبح أقوى من منطق الاستحقاق. يشير ضجيج الشهرة إلى الحضور الصاخب الذي تخلقه الأدوات الإعلامية والمنصات الرقمية، حيث تُكافأ القدرة على جذب الانتباه أكثر من القدرة على التحليل، وتُمنح المنصة لمن يجيد التكرار، وليس لأولئك القادرين على الإضافة. في هذا السياق، تتحول الشهرة إلى غاية في حد ذاتها، ويصبح الكلام أقرب إلى الأداء الشكلي الذي يراهن على الإثارة والتبسيط بدلا من الانشغال بالفهم والتفكيك. ولم يعد السؤال: ماذا نقول؟ ولكن كيف رأينا وسمعنا. ومن ناحية أخرى، تمثل الكفاءة المعرفة المتراكمة التي تتطلب الوقت والجهد والصبر، والتي عادة ما تكون مصحوبة بخطاب أقل صخبًا وأكثر حذرًا. ويدرك الأشخاص الأكفاء مدى تعقيد القضايا وحدود الإجابات. لذلك، لا يميلون إلى اليقين السريع أو الشعارات الجاهزة. لكن هذا الوعي نفسه يتحول في مناخ يقدس السرعة إلى عبء يقصيهم عن الواجهة ويبقيهم في دائرة الصمت أو التهميش. ولا يمكن فصل هذا التناقض عن التحولات البنيوية التي تشهدها الثقافة والإعلام. وقد ساهم تراجع المعايير المهنية والفكرية في اختلاط الأدوار. ولم يعد هناك فرق واضح بين الخبير والمعلق، ولا بين التحليل والرأي العابر. ومع خضوع المجال العام لمنطق السوق، أصبحت القيمة تقاس بمدى التداول والانتشار، وليس بمدى الدقة والعمق. وهكذا وجد ضجيج الشهرة بيئة مثالية للنمو، في حين تقلصت الكفاءة في مساحات ضيقة لا تحظى بنفس الاهتمام. كما لعبت المنصات الرقمية دورًا مزدوجًا في هذه المعادلة: من ناحية أتاحت فرص التعبير للجميع، ومن ناحية أخرى، قضت على الوسيط الذي كان يفرز المحتوى ويمنحه الشرعية المعرفية. ومع غياب هذا الوسيط، أصبحت الكفاءة خياراً وليس شرطاً، وكثيراً ما أصبح الصمت موقفاً دفاعياً تتخذه الخبرة في مواجهة تفاهة النقاش واستواء القضايا. لكن تحميل الشهرة وحدها مسؤولية هذا الضجيج يبقى افتراضا ناقصا، إذ ساهمت الكفاءة نفسها أحيانا في تعميق عزلتها. عزلة النخبة، والخطاب المعقد غير القادر على التواصل، والانسحاب من النقاش العام بحجة الحفاظ على القيمة، كلها عوامل جعلت الكفاءة أقل حضورا وأضعف في تأثيرها. بين صخب الشهرة وصمت الكفاءة، يتشكل فراغ معرفي يمتلئ بالخطابات السطحية التي ترضي اللحظة ولا تبني الوعي. الخطر الحقيقي في هذا التناقض لا يكمن في ارتفاع الصوت وحده، بل في تحوله إلى مرجعية تحدد الذوق العام وتوجه الرأي دون سند معرفي متين. ومع استمرار هذا المسار، تتآكل الثقة في الخبرة، ويعاد إنتاج الوعي على أسس هشة تعطي الأولوية للسهل على الصحيح، والمباشر على العميق. ويظل السؤال الأساسي معلقا بين الضجيج والصمت: كيف يمكن إعادة التوازن إلى المجال العام؟ ولا يبدو أن الحل يكمن في إسكات الشهرة أو تمجيد الصمت، بل في استعادة الاحترام للمعايير التي تربط الحضور بالكفاءة والنفوذ بالمسؤولية. عندما تجد التجربة طريقها إلى التعبير دون أن تفقد عمقها، وعندما يقاس الصوت بالمعنى الذي يحمله وليس بالصدى الذي يحدثه، يمكن للمشهد أن يستعيد بعض توازنه، ويتحول الضجيج من غاية إلى وسيلة، والصمت من العزلة إلى قوة كامنة قادرة على الفعل.




