اخبار موريتانيا – وطن نيوز
اخر اخبار موريتانيا اليوم – اخبار موريتانيا العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-11 04:17:00
لم تكن أزمة مضيق هرمز حدثا بعيدا يمكن التعامل معه على أنه أخبار دولية عابرة. بل كان بمثابة تحذير مباشر للاقتصادات التي تعتمد على الخارج دون حماية كافية، وفي مقدمتها موريتانيا. الأزمات الكبرى لا تخلق الهشاشة، بل تكشفها. ما حدث لم يكن سوى لحظة كاشفة لنموذج اقتصادي يعيش على التدفق المستمر من الخارج، دون أن يمتلك أدوات الصمود عندما يتعثر هذا التدفق. وتكمن خطورة مضيق هرمز في كونه شريانا حيويا للطاقة العالمية. ويمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، ونحو نفس النسبة من تجارة الغاز الطبيعي المسال. وهذا يعني ببساطة أن أي اضطراب فيه لا يبقى محصوراً في الجغرافيا، بل يتحول فوراً إلى صدمة أسعار عالمية، تمتد آثارها إلى النقل والغذاء والصناعة. إنها سلسلة مترابطة، وأي خلل في حلقة واحدة من شأنه أن يربك الجميع. في هذا المشهد، يبدو الاقتصاد الموريتاني من أكثر المتضررين، ليس لحجم الصدمة، بل لضعف مناعته. إن الدولة التي تعتمد بشكل كبير على استيراد المشتقات النفطية والمواد الأساسية لا تملك ترف التكيف البطيء. ومع التعطيل الأول، تزداد تكلفة الشحن والتأمين، وتصل الفاتورة بسرعة إلى المستهلك. لا يتوقف الأمر عند هذا الحد. وحتى عندما تنخفض أسعار النفط عالمياً، فإن السوق المحلية لا تشعر بالارتياح نفسه. والسبب بسيط: موريتانيا لا تستورد النفط الخام، بل تستورد المنتجات المكررة، مما يعني أن السعر النهائي مثقل بطبقات من التكاليف، من التكرير إلى النقل إلى التأمين. والنتيجة: سوق محلية منفصلة جزئياً عن الاتجاهات العالمية، حيث قد ترتفع الأسعار حتى مع انخفاضها عالمياً. وكشفت الأزمة أيضاً عن واقع أكثر إزعاجاً: ضعف الاحتياطي الاستراتيجي. وفي غياب الاحتياطات الكافية، فإن أي اضطراب خارجي يتحول إلى أزمة داخلية فورية. إن الاقتصاد الذي يعمل بمنطق «التدفق المستمر» دون شبكة أمان، هو اقتصاد يعيش على حافة المخاطرة، حيث تختفي قدرة الدولة على المناورة، ويصبح القرار الاقتصادي مرهوناً بظروف خارجية. ويزداد الوضع تعقيدًا مع محدودية التنوع في الشركاء وطرق الإمداد. إن الاعتماد على عدد محدود من المصادر لا يشكل خياراً اقتصادياً سيئاً فحسب، بل يشكل أيضاً خطراً استراتيجياً. كلما ضاقت الخيارات كلما زادت الهشاشة. ولذلك فإن تنويع الشركاء لم يعد ترفاً، بل ضرورة لحماية الاستقرار. وعلى الصعيد الداخلي، كشفت هذه التطورات عمليا عن هشاشة قدرة السوق على التنظيم الذاتي، إذ أدى ضعف الرقابة إلى ظهور الاحتكار والمضاربة في سوق المحروقات، وهو ما انعكس على العرض للمستهلكين. الأمر الذي استدعى تدخل السلطات العمومية من خلال تشديد الرقابة وتغريم عدد من المحطات، ما أعاد انسيابية السوق واستقرار العرض. وهذا يؤكد أهمية دور الدولة كجهة رقابية تضمن شفافية السوق وتقلل من الاختلالات دون إلغاء آليات الاقتصاد الحر. ما تفرضه أزمة مضيق هرمز على موريتانيا ليس مجرد قراءة ظرفية، بل مراجعة عميقة لمسارها الاقتصادي. واليوم تقف البلاد على مفترق طرق حقيقي: فإما الاستمرار في النموذج التابع الذي يتأثر بكل صدمة خارجية، أو الانتقال إلى نموذج أكثر استقلالية ومرونة. وفي هذا السياق، يمثل الاتفاق الموقع في الجزائر بشأن استيراد الوقود خطوة عملية نحو الحد من التعرض للصدمات الخارجية، من خلال تنويع مصادر التوريد وتعزيز التعاون الإقليمي. لكن هذه المبادرة، رغم أهميتها، ليست كافية في حد ذاتها. ويبقى الرهان الحقيقي في دمجها ضمن رؤية شاملة تقوم على بناء نظام متكامل: احتياطي استراتيجي حقيقي، وأدوات فعالة لإدارة المخاطر، وسوق منظمة لا تترك للمضاربات. وبدون ذلك ستبقى كل أزمة خارجية اختبارا جديدا لنفس الهشاشة.



