اخبار موريتانيا – وطن نيوز
اخر اخبار موريتانيا اليوم – اخبار موريتانيا العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-30 20:48:00
إن التصريحات الأخيرة للمفكر الاقتصادي الأميركي جيفري ساكس حول «خجل» النخبة من تدني مستوى الحكم، أو تحليل مجلة «فورين بوليسي» حول تحول واشنطن إلى «قوة مفترسة»، لا يمكن قراءتها كأحداث عابرة في سياق التوتر السياسي اليومي. نحن أمام شهادة انتقادية من داخل البيت الأميركي تعلن نهاية مرحلة «الليبرالية الدولية» وبداية عصر «العدمية الإمبريالية». حيث تفقد القوة العظمى مبرر وجودها الأخلاقي -في مصطلحات الغرب- وتتحول من «ضابط إيقاع» النظام العالمي إلى مصدر تهديد لاستقرارها. ويضعنا هذا المشهد أمام مشكلة مركزية: هل تعاني الولايات المتحدة من أزمة مؤقتة في “كفاءة القيادة” (الخرف والغباء السياسي، كما وصفهما ساكس)؟ أم أننا أمام تحول بنيوي في طبيعة القوة الأميركية، التي انتقلت من «الهيمنة الناعمة» القائمة على تقديم الحلول العالمية -وفق منطق القطب المهيمن- إلى «الافتراس الخام» القائم على استغلال النفوذ المتراكم لتدمير المعارضين وابتزاز الحلفاء؟ وكيف تنعكس هذه التحولات على مستقبل الحضارة الإنسانية في ظل غياب «السيادة الذاتية» للقوة التي ادعت العظمة؟ وبتحليل صرخة العار التي أطلقها البروفيسور الأميركي الشهير جيفري ساكس، نخلص إلى النقاط التالية: 1. «خرف القيادة» وتآكل التعصب المؤسسي: تاريخياً، قامت الحضارات الكبرى (مثل الحضارة الرومانية في أواخر عهدها) عندما بدأ «الضعف» يتسرب إلى قمة الهرم السياسي نتيجة انفصال النخبة عن الواقع. إن ما وصفه ساكس بـ«تدني مستوى الحكم» هو النتيجة الحتمية لتحول السياسة الأميركية من «عمل استراتيجي» رصين إلى «عرض انتخابي» تسيطر عليه جماعات الضغط (جماعات الضغط اليهودية أو غيرها). وهذا يعيدنا إلى نظرية الدولة في فكر الخلدوني، حيث تمر الدولة بمرحلة “التبذير والإسراف” وفقدان “العصبية” أو الرؤية الموحدة. وهذا ما نراه اليوم في قيادات تفتقر إلى الحكمة التاريخية اللازمة لإدارة كوكب مثقل بالأزمات، وهو ما جعل قرارات واشنطن تتسم بالارتباك، ويدفع العالم أجمع ثمنها. 2. من “مشروع مارشال” إلى “الافتراس الاقتصادي”: تعكس تحليلات مجلة فورين بوليسي ثورة جذرية في السلوك الحضاري الأمريكي. ففي حين قدمت أميركا في عام 1948 “خطة مارشال” لإعادة إعمار أوروبا كأداة للهيمنة القائمة على التنمية، نجدها اليوم تستخدم “سلاح العقوبات” و”دولرة التجارة” لابتزاز الحلفاء قبل الخصوم. وهذا “السلوك المفترس” هو أحد أعراض ضعف المنافسة؛ وبدلا من الابتكار، تلجأ الدولة المهيمنة إلى «السطو المالي» للتعويض عن تراجع إنتاجيتها الحقيقية في مواجهة القوى الصاعدة في الشرق، وهو ما يذكرنا بـ«عقلية الغنائم» التي تظهر في الإمبراطوريات عندما تشعر باقتراب موعد تفوقها المطلق. 3. المسؤولية التاريخية و”ثمن العار”: سؤال ساكس: “ما هو خطأ الإنسانية؟” إنه سؤال أخلاقي يضع الحضارة الغربية أمام المرآة. تؤكد الحقائق الحضارية أن الحضارات التي تركت إرثًا دائمًا كانت تعتمد على “طرق التجارة” و”التثاقف” بقدر اعتمادها على القوة. أما النموذج الأميركي الحالي فيبدو أنه يتبنى مبدأ «الأرض المحروقة». إما القيادة المطلقة أو الفوضى الشاملة، مما أدى إلى تدمير مفهوم “الأمن الجماعي” وانهيار الاتفاقيات الدولية التي كانت واشنطن الضامن الأساسي لها. كل هذه الأمور تجعلنا نتجه نحو اختتام المقال بالنظر إلى «تعددية السيادة» وعودة الأقطاب الصاعدة. إن صرخة “العار” التي أطلقها جيفري ساكس ليست مجرد نقد ذاتي، بل هي إعلان عن انتهاء “المركزية الغربية” في شكلها الوحشي. التاريخ لا يعرف الفراغ، والواقع الثقافي يؤكد أن «الافتراس» هو المرحلة التي تسبق ظهور قوى «المقاومة والبناء» مباشرة. اليوم، نشهد ميلاد عالم لا ينتظر الإذن من واشنطن؛ وبينما بدأت القوى الإقليمية والناشئة – من شرق آسيا إلى العالم العربي وإفريقيا – في صياغة “عقد دولي جديد” يقوم على التعددية القطبية السيادية. ولم يعد الرهان على إصلاح «العقل السياسي» في واشنطن، بل على قدرة هذه القوى الصاعدة على بناء تحالفات اقتصادية وأمنية موازية تكسر احتكار «السلوك المفترس» للنظام المالي العالمي، ليتسنى للبشرية أن تبدأ تاريخا جديدا متحررا من «رهينة القطب الأحادي» إلى فضاء أوسع من الاحترام الحضاري والمصالح المتبادلة. حقائق تتسبب في تصدع الجبال الصلبة. هل تعود مياه نهر الإسلام إلى مجراها؟ فهل يفيض سيل الفتح من جديد وهل تعود بوصلة أمراء الخليج إلى الطريق الصحيح؟ أم سيضرب آذانهم في كهفهم قرونا أخرى..؟




