اخبار موريتانيا – وطن نيوز
اخر اخبار موريتانيا اليوم – اخبار موريتانيا العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-05 22:29:00
لم تعد الأزمة في مالي مجرد تمرد مسلح في الشمال، ولا مجرد مواجهة أمنية بين السلطة المركزية والجماعات المتطرفة. بل تحولت إلى عقدة جيوسياسية معقدة تتقاطع فيها الرهانات الداخلية مع حسابات المنطقة والقوى الدولية، في واحدة من أكثر مناطق أفريقيا هشاشة وحساسية. إن ما تشهده مالي اليوم لا يمكن اختزاله في المواجهات المسلحة والتحركات الميدانية وحدها. بل هو انعكاس لأزمة عميقة تعيشها دول الساحل منذ مرحلة ما بعد الاستعمار، حيث تتشابك مشاكل بناء الدولة والهوية مع الصراعات على النفوذ والثروة، في ظل فراغ استراتيجي جعل المنطقة ساحة مفتوحة للتنافس بين القوى الإقليمية والدولية، تسعى كل منها وفقا لحساباتها ومصالحها. كان اغتيال وزير الدفاع المالي ساديو كامارا بمثابة نقطة تحول خطيرة. لم يكن الرجل مجرد مسؤول أمني، بل كان العقل المدبر للتحالف مع روسيا، وأحد أبرز صناع الانقلابات العسكرية التي أعادت تشكيل السلطة في باماكو منذ عام 2020. لذلك، فإن مقتله داخل المنطقة الأكثر تحصينا، في معسكر “كاتي”، يحمل رسالة تتجاوز شخصه إلى هشاشة النظام العسكري نفسه. وبالتوازي مع ذلك، فإن عودة كيدال إلى سيطرة الحركات الأزوادية، واتساع نطاق الهجمات التي تنفذها جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين”، يعكسان بوضوح أن دولة مالي، رغم سنوات الحرب والتحالفات الخارجية، لم تنجح حتى الآن في فرض سيطرة فعالة ومستقرة على كامل أراضيها الوطنية. كما أن ما يعرف بملف أزواد ليس مجرد تمرد عابر يمكن حله بالنهج الأمني وحده. بل هي أزمة متجذرة في تاريخ دولة مالي الحديثة، وترتبط بالشعور بالتهميش السياسي والتنموي من جانب شرائح واسعة من سكان الشمال، وفشل الحكومات المتعاقبة في بناء صيغة عادلة تستوعب خصوصيات المنطقة الثقافية والاجتماعية والجغرافية. ولذلك، فإن أي معالجة جدية للأزمة في مالي لن تكون ممكنة دون اتباع نهج ناضج وعادل يعترف بحقوق شعب أزواد، ويحافظ في الوقت نفسه على وحدة الدولة واستقرارها. لكن الأزمة لم تعد مسألة مالية داخلية فقط، إذ تحولت مالي اليوم إلى نقطة تقاطع لمشاريع إقليمية ودولية متنافسة، تتشابك فيها الحسابات الأمنية مع الرهانات على النفوذ والثروة وإعادة هيكلة ميزان القوى في منطقة الساحل برمتها. وتبقى الجزائر، بحكم الجغرافيا والتاريخ والأمن الوطني، اللاعب الإقليمي الأكثر تعلقا بالملف المالي. ومنذ اتفاق الجزائر عام 2015، تنظر الجزائر إلى استقرار شمال مالي كامتداد مباشر لأمنها الداخلي، خاصة في ظل الحدود الطويلة وتشابك القبائل والطوارق عبر المجال الصحراوي. لكن العلاقة بينها وبين سلطة باماكو شهدت في الآونة الأخيرة توتراً متصاعداً، بعد اتهامات من أوساط مقربة من نظام غويتا بأن الجزائر تساهلت مع بعض الحركات الأزوادية، وهو ما تنفيه الجزائر، مؤكدة تمسكها بوحدة مالي. ويبدو أن هذا التوتر يعكس اختلافا في المقاربات بين رؤية جزائرية تميل نحو الحلول السياسية، وبين نهج عسكري تتبناه السلطة الحالية في باماكو. أما فرنسا، التي كانت لعقود من الزمن اللاعب الخارجي الأكثر نفوذا في مالي، فقد وجدت نفسها تواجه تراجعا غير مسبوق في نفوذها. إن عملية برخان، التي تم تقديمها على أنها حرب ضد الإرهاب، انتهت في الواقع إلى نتائج سلبية في نظر شرائح كبيرة من الماليين، الذين رأوا أن الوجود الفرنسي الطويل لم يجلب الاستقرار، بل زاد من تعقيد الأزمة وأنتج شعورا متزايدا بالمهانة السيادية. لكن الانسحاب العسكري الفرنسي من مالي لا يعني أن باريس فقدت اهتمامها بالبلاد أو المنطقة. بالنسبة لفرنسا، مالي ليست مجرد مستعمرة سابقة، بل هي جزء من مساحة استراتيجية مرتبطة بالأمن الأوروبي، والهجرة، والموارد الطبيعية، وتوازن النفوذ في غرب أفريقيا. ولذلك، تراقب باريس بقلق بالغ النزعة التوسعية الروسية واحتمال انهيار الدولة المالية، لما قد يترتب على ذلك من تداعيات إقليمية واسعة. وعلى خلفية هذا المشهد المعقد، تتحرك القوى الإقليمية والدولية بأجندات متشابكة، تختلط فيها الحسابات الاقتصادية بمقاربات أمنية وسياسية غامضة أحيانا. وهي تعادي بعض حركات الإسلام السياسي في سياق ما، ثم تنخرط في دعم أو توظيف الجماعات المسلحة في سياقات أخرى، وفق منطق المصالح وليس المبادئ. وتنظر هذه القوى إلى منطقة الساحل على أنها مساحة غنية بالموارد الطبيعية، أبرزها الذهب والمعادن النادرة. ولذلك، يبدو أن همهم الأساسي ليس الحفاظ على استقرار الدول ووحدتها، بل ضمان النفوذ والسيطرة على مناطق الثروات، حتى لو تم ذلك ضمن بيئات مضطربة مفتوحة للحرب والانقسام، كما حدث ويحدث في العديد من الأمثلة العربية والإفريقية مثل السودان وليبيا واليمن. وسط هذا المشهد المعقد، تبرز موريتانيا كأحد الأطراف الإقليمية الأكثر توازنا وهدوءا. وموريتانيا بحكم موقعها الجغرافي وروابطها التاريخية والاجتماعية العميقة مع مالي، تدرك أن استقرار جارتها الشرقية ليس ترفاً سياسياً، بل ضرورة أمنية واستراتيجية. ولهذا انتهجت نواكشوط، خاصة في عهد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، سياسة تقوم على الهدوء وضبط النفس، رغم التصريحات والمواقف والتحركات الاستفزازية أحيانا الصادرة عن بعض دوائر السلطة العسكرية في باماكو. وبات واضحا أن القيادة الموريتانية رفضت الانجرار إلى أي مواجهة إعلامية أو عسكرية، إدراكا منها لحساسية المرحلة وخطورة تحول التوترات العابرة إلى صراع بين شعبين تربطهما روابط الدم والدين والتاريخ والجغرافيا. ويعكس هذا الموقف قدرا كبيرا من الحكمة السياسية. لأن الدول لا تقودها ردود الفعل، بل حسابات المصالح البعيدة. وقد أثبتت التجربة أن الحصافة التي أبدتها موريتانيا أنقذت المنطقة من انزلاقات خطيرة كان يمكن أن تخدم الجماعات المسلحة أكثر مما تخدم الدول. وبالفعل تمتلك موريتانيا اليوم عناصر التوازن والقبول التي تؤهلها للعب أدوار إيجابية ومؤثرة في الأزمة المالية، سواء مع السلطة الحالية بقيادة العقيد عاصمي غويتا أو مع أي سلطة قد تنبثق عن التحولات المقبلة. ورغم تعقيدات المشهد، فقد حافظت على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، وتراكمت خلال السنوات الماضية خبرة كبيرة في الجوانب الأمنية والفكرية المتعلقة بمواجهة التطرف والتعامل مع تداعياته. ويزداد هذا الدور أهمية إذا تذكرنا عمق الروابط الإنسانية والثقافية بين الشعبين. وأقول هذا أيضًا من خلال تجربة شخصية؛ خلال سنوات دراستي في جامعة أفريقيا العالمية بالخرطوم، أتيحت لي الفرصة للتفاعل المباشر والتعايش لسنوات مع عدد كبير من الإخوة الماليين. وجدت فيهم الخير الواضح والروح المتسامحة والحرص الصادق على التعايش والسلم الاجتماعي. كما لمست فيهم ارتباطا عميقا بالثقافة العربية والإسلامية، وتقديرا كبيرا لموريتانيا ومكانتها العلمية والدينية في فضاء الغرب الإفريقي. ومن هنا فإن ما يجمع موريتانيا ومالي أكبر بكثير من خلافات سياسية عابرة أو توترات ظرفية. إنها روابط التاريخ والجيرة والدين والمصير المشترك، مما يتطلب تغليب الحكمة والعقل، والعمل على حماية هذه العلاقة من خطابات التوتر والعاطفة، واستثمارها في خدمة الاستقرار والتقارب بين البلدين. ومن هنا تأتي أهمية المبادرات المدنية والعلمية والاجتماعية في البلدين. وفي مثل هذه الأزمات المعقدة يمكن لجهود العلماء والأئمة والوجهاء ونشطاء المجتمع المدني أن تلعب دورا مهما جدا في تهدئة النفوس ومنع أي احتكاك سلبي بين الشعبين الشقيقين. إن الخطاب الديني العقلاني، عندما يقترن بالحكمة الاجتماعية، قادر على حماية المجتمعات من دعاية التحريض والخيانة، خاصة في بيئة هشة تتغذى فيها الصراعات المسلحة على الانقسامات العرقية والقبلية والإثنية. ويجب استغلال الروابط الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بين الشعبين كجسور تقارب، وليس نقاط توتر. لقد أثبت التاريخ أن الشعوب المتجاورة، مهما اختلفت أنظمتها السياسية، تظل في حاجة إلى التعاون أكثر من الصراع، وإلى بناء المصالح المشتركة بدلاً من توسيع دوائر العداء. تقف مالي اليوم عند منعطف بالغ الحساسية: فإما أن تنجح في الانتقال من منطق القوة المجردة إلى منطق التسوية الوطنية الشاملة، أو أن تستمر دائرة الانقلابات والحروب والتحالفات الخارجية، وهو ما قد يدفع البلاد – وربما المنطقة برمتها – نحو مزيد من التشرذم والفوضى. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، تبدو الحاجة ملحة لأصوات العقل والحكمة، ولمقاربات تعطي الأولوية للحفاظ على الدولة والمجتمع، بدلا من تحويل الساحل إلى ساحة صراع دائم بين المشاريع المتنافسة والقوى المتصارعة.




