موريتانيا – مناقشة إشكالية للقضايا الفنية

أخبار موريتانيا23 فبراير 2026آخر تحديث :
موريتانيا – مناقشة إشكالية للقضايا الفنية

اخبار موريتانيا – وطن نيوز

اخر اخبار موريتانيا اليوم – اخبار موريتانيا العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-23 05:25:00

شهد الفضاء العام في الآونة الأخيرة توسعا ملحوظا في تداول القضايا ذات الطابع الفني، وهو ما يعد تطورا إيجابيا على صعيد تعزيز النقاش العام وتوسيع دائرة الاهتمام بالشأن العام. لكن هذا الاتساع غالباً ما يصاحبه خلل منهجي يتمثل في تضخم الآراء والانطباعات على حساب الدقة الفنية، بحيث يصبح ثقل القول مرتبطاً بمدى انتشاره، وصدى تداوله، وحتى بمؤلفه، وليس بمتانة أسسه العلمية أو اتساعه المفاهيمي. وتزداد خطورة هذا الخلل عندما يتعلق الأمر بمجالات عالية التخصص تقوم بطبيعتها على تقاطع أنظمة قانونية وفنية متعددة، كما هو الحال في المالية العامة، التي تتطلب الإلمام المنهجي بوحدة الإطار المنظم لمفاهيمها وأدواتها. ومن ثم فإن المشكلة المطروحة لا تتعلق بشرعية المناقشات في حد ذاتها، بقدر ما تتعلق بحدود المنهجية التي ينبغي أن تؤطرها. المالية العامة ليست مجالا يمكن اختزاله في بعد واحد، بل هي تخصص محوري ومنتدى تتقاطع فيه القواعد المالية والميزانية والمحاسبية ضمن إطار قانوني واحد يحكم إدارة الأموال العامة. لذلك، فإن مناقشته يتطلب الاطلاع، في الوقت نفسه، على قواعد قانون الضرائب المتعلقة بالموارد من حيث تحديد الوعاء وتصفية الضريبة وتحصيل الإيرادات، وقواعد قانون الموازنة التي تنظم إعداد القوانين المالية ومحتواها وتقديمها وإقرارها وتنفيذها ومراقبتها، وقواعد المحاسبة العامة التي تحكم تنفيذ عمليات الإيرادات والنفقات وحفظ الحسابات وتتبع عمليات الخزينة. وبمعزل عن هذا الترابط، فإن تناول هذا المجال ليس إلا مقاربة مبتورة لمجال يقوم، في جوهره، على وحدة الإطار القانوني المنظم لتصرف المال العمومي، كما كرسه الدستور المالي ممثلا بالقانون النظامي المتعلق بالقوانين المالية. ولا يقف الأمر عند هذا المستوى الأساسي؛ إن الانتقال إلى تحليل أعمق للمالية العامة، في إطار نهج الاقتصاد الكلي، يتطلب الإلمام بمؤشرات الاقتصاد الكلي وقواعد المحاسبة الوطنية التي تؤطر قياسها وتحليلها. إن مناقشة قضايا مثل الميزانية أو العجز التجاري، وعلاقتها بالدين العام والبطالة والتضخم واستقرار الأسعار والقوة الشرائية، تعتمد على أدوات تحليلية تختلف في طبيعتها عن قواعد الإدارة المالية أو إدارة الميزانية. ولا يقتصر هذا النهج على عرض القواعد التنظيمية، بل يتعلق بشرح آثارها الاقتصادية الشاملة. وفي ظل هذه الخصوصية، فإن هذا الخلل لا يرتبط بطبيعة هذه القضايا وحدها، بل يرتبط أيضا بضعف حضور المختصين في النقاش العام وتأخر تدخلهم في تصحيح القراءات غير الدقيقة. ولا يعود هذا الضعف إلى طبيعته الجوهرية فحسب، بل يرتبط أيضا بعوامل بنيوية، منها طبيعة الفضاء الإعلامي القائم على الإيقاع والاختزال السريع، وواجبات التحفظ التي تفرضها الوظائف الفنية التي تحد من الانخراط المباشر في المجال العام. وعندما تغيب الخبرة الفنية أو تنسحب منها، فإنها تفسح المجال، بحكم طبيعة الفراغ المعرفي، لهيمنة الانطباعات والقراءات التقريبية، مما يؤدي تدريجيا إلى ترسيخها كبديهيات مشتركة. وتتجلى هذه المشكلة بوضوح في المناقشات الأخيرة حول الضرائب على التحويلات الرقمية، والتي كانت مفيدة في إثارة الموضوع، لكنها كشفت عن هشاشة في الفهم وسوء الفهم بين كثير من الأشخاص في طليعة الشأن العام، بما في ذلك قيادات الأحزاب وممثليها وغيرهم. لقد أصبح من الواضح أن الكثير من الناس لديهم مشكلة في التمييز بين أساس الضريبة ونسبتها وطبيعتها، فضلاً عن تحويلها إلى عبء مباشر على البنوك. والحقيقة أن الضريبتين المعنيتين تعتبران من الضرائب غير المباشرة، إذ تم تصنيفهما صراحة ضمن الكتاب الثاني من قانون الضرائب العام الذي يتعلق بالضرائب غير المباشرة. وهذا الأخير، بطبيعته، يقوم على التمييز بين الشخص الاعتباري المسؤول عن أداء الدفع القانوني القابل للاسترداد والشخص الفعلي المسؤول عن الدفع القانوني القابل للاسترداد، والذي يتحمل أعبائه الاقتصادية، مما يجعل تحويل تكلفته إلى العميل متسقا مع منطقه الضريبي وليس نتيجة سوء تفسير. كما غاب عن المناقشات المصاحبة الوعي بوجود الآليات المؤسسية القائمة التي أسند إليها المشرع مهام تحليل السياسات المالية وتقييم آثارها الاقتصادية والاجتماعية واقتراح إصلاحاتها، مثل وحدة السياسة المالية التابعة لوزارة المالية. خلاصة القول هي؛ ولا تكمن المشكلة في اتساع النقاش العام نفسه، بل في حدود المنهجية التي ينبغي أن تؤطره عندما يتعلق الأمر بقضايا مبنية على بنيات معرفية معقدة. فالقضايا ذات الطبيعة الفنية لا يمكن تناولها إلا في إطار الفهم المفاهيمي ودقة الأدوات التحليلية، مما يجعل القول بها مبنيا على مقياس المعرفة وليس على مقياس الأصداء. وفي نهاية المطاف، يعتمد ذلك على وجود الخبرة المهنية في المجال العام وقدرتها على القيام بدورها التفسيري في الوقت المناسب.

اخبار موريتانيا الان

مناقشة إشكالية للقضايا الفنية

اخبار اليوم موريتانيا

اخر اخبار موريتانيا

اخبار اليوم في موريتانيا

#مناقشة #إشكالية #للقضايا #الفنية

المصدر – الأخبار