اخبار موريتانيا – وطن نيوز
اخر اخبار موريتانيا اليوم – اخبار موريتانيا العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-05 04:32:00
في السياسة، ليست لحظة الوصول إلى السلطة هي الاختبار الأصعب، بل إن الاختبارات الحقيقية تبدأ بعد الوصول إلى السلطة. المعارضة موحدة على أهداف كبرى، والحكومة منقسمة بين مكوناتها على تفاصيل يومية وحسابات دولة وتعقيدات إدارة المصالح. ولعل هذا ما يبدو أنه يحدث اليوم في السنغال، حيث اتخذت العلاقة بين الرئيس باسيرو ديوماي فاي وحليفه التاريخي عثمان سونكو منحى مختلفا عما عرفته البلاد خلال السنوات الماضية. وإذا صحت الأنباء المتداولة بشأن إعلان الرئيس عن تأسيس حزب سياسي جديد، فإن الأمر يتجاوز مجرد إضافة اسم جديد إلى سجل الأحزاب السنغالية. نحن أمام محطة قد تعيد صياغة التوازنات التي قامت عليها السلطة منذ انتخابات 2024، وقد تؤسس لمرحلة سياسية جديدة تنتهي فيها الازدواجية التي قادت مشروع التغيير. لقد نجح ديوماي فاي وسونكو في تقديم صورة نادرة في السياسة الأفريقية؛ زعيم شعبي يتمتع بحضور شعبي واسع، ورئيس حمل مشروع ذلك الزعيم إلى القصر الرئاسي في ظروف استثنائية فرضتها أحكام قضائية. وحينها بدا الرجلان كأنهما وجهان لمشروع واحد، لدرجة أن الكثير من السنغاليين لم يفرقوا بين شرعية الرئيس وشرعية الزعيم السياسي الذي مهد له الطريق. لكن الدولة لها منطق مختلف. ولم يعد الرئيس بمجرد دخوله القصر مسؤولاً أمام أنصاره فقط، بل أصبح مسؤولاً عن دولة بأكملها، بمؤسساتها وتوازناتها وشركائها الإقليميين والدوليين، فيما ظل صونكو يتحرك بعقلية زعيم حزبي يقيس الأمور على مقياس الولاء للمشروع السياسي الذي احتشد حوله آلاف الشباب. من هنا بدأت المسافة تتسع بين منطق الحكومة ومنطق المعارضة، ولو اجتمعا تحت راية واحدة. وليس من قبيل الصدفة أن تتزامن هذه التطورات مع إعادة ترتيب مؤسسات الدولة، وإعادة هيكلة الحكومة، وتصاعد الحديث عن اختلاف الرؤى بشأن إدارة المرحلة. في العديد من التجارب الديمقراطية، تبدأ الخلافات عندما يطرح السؤال “كيف نصل إلى السلطة؟” إلى سؤال أكثر تعقيدًا: “كيف تتم إدارة السلطة؟” إذا كان الرئيس قد اختار بالفعل إنشاء إطار حزبي مستقل، فإن الرسالة السياسية تبدو واضحة؛ فهو يسعى إلى بناء شرعيته السياسية الخاصة، لا استناداً إلى نتائج الانتخابات فحسب، بل إلى تنظيم قادر على حماية خياراته وتوفير قاعدة ولاء مستقلة عن أي مركز نفوذ آخر. لكن هذا الخيار، مهما كانت دوافعه، لن يكون بلا ثمن. السنغال، التي احتفلت قبل عامين بوحدة قوى التغيير، قد تجد نفسها أمام مشهد جديد تنقسم فيه الولاءات بين رئيس الجمهورية والزعيم الذي ظل رمزا للمعارضة منذ سنوات. والانقسام، في حال حدوثه، لن يكون مجرد خلاف بين شخصين، بل قد يمتد إلى المنتخبين المحليين، والبرلمانيين، وكوادر الأحزاب، وحتى القواعد الشعبية التي صنعت الفوز الانتخابي. وربما تكمن خصوصية الحالة السنغالية في حقيقة مفادها أن هذا التحول يجري داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات رسوخا في غرب أفريقيا، في وقت تشهد فيه المنطقة انقلابات عسكرية وتحولات مضطربة. ولذلك فإن قدرة دكار على إدارة هذا الخلاف داخل المؤسسات ستكون موضع متابعة ليس فقط من جانب السنغاليين، بل أيضاً من مختلف العواصم الإفريقية والدولية التي تنظر إلى السنغال باعتبارها استثناءً ديمقراطياً في بيئة إقليمية مضطربة. ومع ذلك، فإن السياسة لا تعرف الأحكام النهائية. الخلافات التي تبدو عميقة اليوم قد تتحول غداً إلى تسويات جديدة، والتحالفات التي تبدو صلبة قد تتغير مع تغير ميزان القوى. لذلك، قد يكون من السابق لأوانه الحديث عن نهاية العلاقة بين ديوماي فاي وسونكو بقدر ما يمكن الحديث عن بداية مرحلة مختلفة في طبيعة تلك العلاقة، عنوانها إعادة توزيع النفوذ أكثر من القطيعة الكاملة. وفي رأيي أن السؤال الذي يجب أن يشغل المراقبين ليس فقط: هل سيؤسس الرئيس حزباً جديداً؟ بل: ما هو نموذج الحكم الذي تريد السنغال بناءه بعد انتصار مشروع التغيير؟ هل تنتصر المؤسسات على الشخصيات؟ هل يمكن للتجربة السنغالية أن تثبت مرة أخرى أن الديمقراطية لا تقاس بغياب الخلاف، بل بقدرة الفاعلين السياسيين على إدارة خلافاتهم دون أن يدفع الوطن ثمنها؟ قد تكون الأيام المقبلة كافية للإجابة على هذه التساؤلات، لكن المؤكد هو أن السنغال تقف اليوم على مفترق طرق سياسي جديد، وأن ما يحدث هناك ليس حدثا حزبيا عابرا، بل هو فصل جديد في قصة التحول في بلد اختار أن يجعل من السياسة ساحة للتنافس الديمقراطي، وليس بوابة للفوضى. وهنا تكمن أهمية ما يحدث اليوم، ليس بالنسبة للسنغال فحسب، بل بالنسبة لغرب أفريقيا كلها.




