اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-01-21 12:42:00
وجه الحقيقة إبراهيم شقلاوي shglawi55@gmail.com عاد ملف سد النهضة الإثيوبي إلى الواجهة، كقضية سياسية، ترتبط مباشرة بمسألة الأمن المائي في وادي النيل. كشفت رسالة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لنظيره المصري عبد الفتاح السيسي، وما تلاها من تفاعل سوداني مصري وصمت إثيوبي، أن الأزمة انتقلت من مرحلة إدارة الخلاف إلى مرحلة اختبار الإرادات، حول من له حق تقرير مصير مياه النيل. ولا يمكن فصل إدراج سد النهضة ضمن أولويات السياسة الأمريكية عن الأمن والاستقرار في شرق أفريقيا ووادي النيل، حيث يُنظر إلى الأمن المائي باعتباره أحد ركائز الأمن القومي للدول، باعتباره قضية تنمية سياسية. وبهذا المعنى فإن الوساطة الأميركية المقترحة هي محاولة لإعادة ضبط ميزان المفاوضات وتحريك الجمود في هذه القضية بعد سنوات من الجهود غير المثمرة. وفي هذا السياق، جاء الموقف السوداني سريعا ومرحبا به، عبر تغريدة للرئيس عبد الفتاح البرهان على منصة “إكس”، أعلن فيها دعم الخرطوم لمبادرة الرئيس الأمريكي، وأكد البحث عن حلول مستدامة تحفظ الحقوق وتدعم الأمن والاستقرار الإقليميين. وأهمية هذا الموقف لا تكمن في مضمونه فحسب، بل في توقيته وأداته، حيث حرص السودان على إعلان موقفه السياسي بشكل مباشر، وهو ما يعكس وعيه بحساسية المرحلة، ورغبته في تأكيد مكانته كطرف أصيل في أي مسار تفاوضي قادم، وليس مجرد متلقي لنتائجه. ويرى السودان بحكم موقعه بين المنبع والمصب، وارتباط أمنه المائي بقواعد الملء والتشغيل والتنسيق بين السدود، أن غياب الحل المنظم لا يشكل خطرا نظريا، بل تهديدا مباشرا للاستقرار الوطني والإقليمي. من ناحية أخرى، جاء الموقف المصري من خلال تدوينة للرئيس عبد الفتاح السيسي على عدد من المنصات الرقمية، ثمن فيها رسالة ترامب وأكد على مركزية قضية نهر النيل باعتباره شريان الحياة للشعب المصري، مشددًا على التمسك بمبادئ القانون الدولي وعدم الإضرار. ويعكس هذا التفاعل السريع إيمانا مصريا باستمرار النظر إلى قضية النيل باعتبارها قضية وجودية لا تقبل إدارة الوقت أو الرهان على حسن النوايا وحدها. واتخذت القاهرة الإشارة الأمريكية فرصة لإعادة تأهيل المسار الدولي وإرساء مرجعية قانونية واضحة، في مواجهة واقع فرضته إثيوبيا بالملء والتشغيل الأحادي الجانب دون اتفاق ملزم. ولذلك كان الرد المصري بمثابة تأكيد سياسي مبكر لسقف التوقعات وحدود المقبول. أما الصمت الإثيوبي، فهو العنصر الأكثر دلالة في المشهد على عمق المعضلة. ويعكس غياب أي رد فعل رسمي مقاربة تقوم على ضبط الإيقاع السياسي. وأديس أبابا التي أقامت خطابها لسنوات على السيادة ورفض التدويل، تجد نفسها اليوم أمام مبادرة تعيد القضية إلى الساحة الدولية، وتضعها أمام سؤال مهم: هل تقبل التفاوض على قواعد إدارة السد، أم ستستمر في إدارة الأزمة بمنطق الأمر الواقع القائم على واقع بناء مكتمل؟ الصمت هنا يمثل مساحة للمناورة، ومقياساً لجدية الوساطة الأميركية وما إذا كانت تحمل أدوات ضغط حقيقية أم تكتفي بالعرض السياسي. ويكشف هذا التباين في ردود الفعل عن ثلاثة مسارات سياسية متداخلة. يتحرك السودان بعقلية متوازنة، ويسعى إلى تقليل المخاطر وتعظيم المكاسب، والحفاظ على دور الوسيط المتوازن. وتتحرك مصر بعقلية استباقية لمنع قيام واقع مائي يهدد أمنها القومي. أما إثيوبيا، فهي تتحرك بعقلية إدارة الوقت، وتحاول تحويل واقع السد القائم إلى نقطة انطلاق للتفاوض وليس إلى موضوع تفاوض في حد ذاته. ومن بين هذه المسارات، تحاول الولايات المتحدة إعادة تقديم نفسها كوسيط قادر على جمع الأطراف، في وقت تتنافس فيه قوى دولية أخرى على النفوذ في شرق أفريقيا وحوض النيل، مثل الصين. وبالعودة إلى إعلان المبادئ الموقع في الخرطوم بين الدول الثلاث عام 2015، يتبين أن الأزمة لم تكن أبداً بسبب غياب المرجعيات، بل بسبب ضعف آليات الإلزام. ولا تزال المبادئ العشرة التي تضمنتها الاتفاقية، بما في ذلك التعاون، وعدم الإضرار، والاستخدام العادل، وتبادل المعلومات، والتسوية السلمية للنزاعات، صالحة من الناحية النظرية لإنتاج حل متوازن. إلا أن تجاوزه عملياً عبر الملء الأحادي الجانب حوّل النص من إطار للتوافق إلى مرجعية معلّقة قانونياً. يذكر أن السودان كان قد وقع مع إثيوبيا في 26 أكتوبر 2022، اتفاقية ثنائية لتنظيم ملء وتشغيل سد النهضة، تتضمن تحديد كميات المياه وجداول الملء والتشغيل وتبادل المعلومات والتأكد من سلامة السد وفق توصيات الخبراء، مع آليات التنسيق الفني والوزاري المستمرة. وهذا الاتفاق المنفرد مع إثيوبيا يبرر موقع السودان الاستراتيجي، إذ يعيش نحو 20 مليون نسمة على ضفاف الأنهار، وتشكل الأراضي الزراعية في النيل الأزرق والنيل الرئيسي ركيزة حيوية للأمن الغذائي والاقتصادي. ولذلك يضمن الاتفاق حماية سكان السودان وموارده المائية والزراعية، ويضعه في وضع إيجابي لمواصلة تشغيل السد، على أن يلتزم بشكل كامل بالقواعد والآليات واللجان المشتركة المتفق عليها. وعليه، تبقى السيناريوهات المحتملة لتطورات مسار تفاوضي جديد برعاية أميركية. الأول: إذا وافقت كل من مصر وإثيوبيا على الدخول في جولة تفاوضية بقيادة أميركية، فسنشهد: تجدد مشاركة المنظمات الدولية مثل البنك الدولي والاتحاد الأفريقي كجسور مرافقة للمفاوضات. تسريع العمل على الآليات الفنية التي ستحدد قواعد ملء وتشغيل السد، مع ضمانات مكتوبة لتدفق المياه خلال سنوات الجفاف والجفاف الممتد. ثانياً: إمكانية التوقيع على اتفاقية إطارية جديدة تتجاوز اتفاق إعلان المبادئ لعام 2015، بل ترتكز عليه بآليات تنفيذ ورقابة أكثر فعالية. إن هذه المسارات تعيد إنتاج مفهوم الشرعية التفاوضية للمجلس الدولي في إدارة الموارد العابرة للحدود، وتقوض منطق فرض الأمر الواقع. ثالثاً: إذا تعثرت الوساطة الأميركية أو رفضت إثيوبيا العودة إلى الحوار، فقد نواجه تصعيداً دبلوماسياً وأمنياً يتخذ شكل تصريحات متبادلة، يتبعه خفض التمثيل الدبلوماسي، أو تهديدات قانونية عبر المحافل الدولية. ومن الممكن أن تلجأ مصر إلى رفع القضية إلى الأمم المتحدة أو محكمة العدل الدولية للمطالبة بآليات التنفيذ. ولا تستبعد احتمالات فرض عقوبات اقتصادية أو سياسية على إثيوبيا، خاصة من قبل الهيئات الدولية التي ترى في هذا الملف اختبارا لمعايير القانون الدولي. وهذا التصعيد قد يدفع المنطقة نحو مناخ من التوتر طويل الأمد، مما يوسع دائرة الانقسامات بين دول حوض النيل. وهكذا، وبحسب #وجه_الحقيقة، فإنه من المؤكد أن عنوان هذا المقال هو وصف لواقع سياسي قائم: سد النهضة ومعضلة الأمن المائي. إنها معضلة لأن حلها لا يكمن في السد نفسه، بل في الإرادة السياسية التي تحكم تشغيله، وفي القدرة على الانتقال من منطق السيادة الصلبة إلى منطق الشراكة الملزمة. وإذا لم يتم استثمار هذه التحركات لتحويل الوساطة الدولية إلى مسار جدي باتفاق واضح وضمانات حقيقية، فإن الأمن المائي سيبقى سؤالا مفتوحا في وادي النيل، مؤجل الإجابة، حاضرا في كل أزمة، وغائبا عن أي تسوية مستدامة. دمتم بخير وعافية. الإثنين 19 يناير 2026م Shglawi55@gmail.com




