اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-01-20 20:55:00
كمبالا، 20 يناير 2026 – على مشارف مخيم “كرياندانغو” في أوغندا، تروي اللاجئة السودانية “وهيبة” قصتها التي لا تختلف كثيراً عن آلاف القصص التي خلفتها الحرب، لكنها تُروى هذه المرة بصوت أم وحيدة، تحمل عبء البقاء ومسؤولية الحياة معاً. فرت وهيبة من السودان مع أطفالها الأربعة، تاركة وراءها منزلاً وذكريات وحياة انهارت تحت وطأة العنف. وجدت نفسها في مكان مفتوح يسمى “اللجوء”، حيث لا يوجد ضمان لأي شيء سوى القلق. تتحدث السيدة لسودان تربيون بهدوء شديد عن تفاصيل يومية بسيطة في ظاهرها لكنها قاسية في جوهرها. من البحث عن مياه صالحة للشرب، ومحاولة توفير وجبات كافية لأطفالها، إلى الانتظار في طابور طويل أمام مركز صحي قد لا يتوفر لديه الدواء أو القدرة على الاستجابة. تقول وهيبة: “أصعب ما أواجهه ليس الجوع وحده، بل العجز: عجز الأم التي ترى احتياجات أطفالها تتزايد بينما الفرص تتضاءل. لا يوجد عمل متاح، ولا دخل تعتمد عليه، ومع ذلك يطلب منها الاستمرار والصبر والتأقلم مع واقع لا يرحم”. داخل المخيم، تتحول الحياة إلى سلسلة من الانتظار: انتظار الماء، وانتظار الطعام، وانتظار العلاج، وانتظار المساعدات التي قد لا تأتي. وبين هذا وذاك، تقف النساء – وخاصة الأمهات العازبات – على الخطوط الأمامية للهشاشة، ويتحملن أعباء مضاعفة في بيئة تفتقر إلى أبسط مقومات العيش الكريم. وتعكس قصة وهيبة واقع اللاجئين السودانيين بشكل عام، والنساء في مخيم كرياندانجو بشكل خاص. ولم تنته الحرب عند الحدود، بل أعادت إنتاج نفسها بأشكال الفقر والحرمان والخوف الدائم على مستقبل الأطفال. أعداد اللجوء والضغوط المتزايدة وتأتي هذه الشهادة من “كرياندانغو” كنداء إنساني يطالب بعدم النظر إلى معاناة اللاجئين كأرقام في التقارير، فهي حياة معلقة على حافة الاحتمال. تجربة وهيبة ليست حالة فريدة من نوعها، إذ تشير تقارير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن أوغندا استقبلت عشرات الآلاف من السودانيين منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، ليتجاوز عددهم أكثر من 75 ألف لاجئ بحلول سبتمبر/أيلول 2025، في بلد يستضيف بالفعل نحو مليوني لاجئ من دول مجاورة. وفي ذات السياق، أفادت منظمة اليونيسف أن عدد اللاجئين السودانيين المسجلين في معسكر كريدانغو وحده بلغ نحو 85004 لاجئين حتى مايو 2025، وهو ما يعكس الضغط الهائل على الخدمات الأساسية. وتشير أحدث البيانات إلى أن النساء والأطفال يشكلون الأغلبية الساحقة بنسبة تتراوح بين 70% إلى 80%، في حين يمثل الأطفال دون سن الثامنة عشرة نحو 46% من العدد الإجمالي. وبحسب تقرير التسجيل لعام 2025، تم تصنيف 17925 امرأة سودانية على أنها “نساء معرضات للخطر”، وتم تسجيل 3687 أسرة وحيدة العائل (معظمها ترأسها نساء)، بالإضافة إلى 3607 أطفال يندرجون تحت فئة “الأطفال المعرضين للخطر” نتيجة فقدان الرعاية أو انقطاع التعليم أو الصدمات النفسية. الضغوط الإنسانية والعنف: شهد معسكر “كرياندانجو” في يوليو 2025، سلسلة من الهجمات العنيفة، حيث اندلعت اشتباكات داخل المخيم، أدت إلى مقتل لاجئ سوداني وإصابة آخرين، استخدمت فيها الأسلحة الحادة، مما أدى إلى نزوح الأسر من منازلهم وفرض حظر التجول. وتكشف هذه الأحداث أن العنف داخل المخيمات هو نتيجة مباشرة للضغوط المتراكمة، وضعف التمويل، وغياب آليات منع الصراع. من الحرب إلى اللجوء وصل اللاجئون إلى أوغندا بعد رحلات شاقة استغرقت أياماً وأسابيع، وغالباً ما كان ذلك سيراً على الأقدام. وتروي “وهيبة” أنها قامت برحلة برية من ولاية شرق دارفور لمدة خمسة أيام مع أطفالها، واجهت خلالها نقاط سطو مسلح وتهديدات مستمرة وأمطار أجبرتها على النوم في العراء. أما مختار يعقوب آدم، فيروي تفاصيل هروبه من مدينة الجنينة بعد استهداف الرجال هناك، حيث اضطر للانفصال عن عائلته حفاظا على حياتهم، ولم يتم لم شملهم إلا بعد مرور شهر في أم درمان. لكن القصف المستمر في أم درمان أجبرهم على الفرار مرة أخرى جنوبا عبر دولة جنوب السودان إلى أوغندا، ليجدوا أنفسهم في موقع يفتقر إلى أبسط مقومات السكن، موبوء بالثعابين، و”القماش” الموزع لم يحميهم من برد الشتاء أو حرارة الصيف. وبحزن عميق يتحدث مختار لسودان تربيون عن طفليه “مروان” و”مروة” اللذين يحتاجان إلى رعاية طبية مستمرة، حيث اضطرت الأسرة إلى نقل الدم لهما ثلاث مرات في ظل شح الخدمات الصحية ونقص الغذاء والتدفئة. الغذاء والماء: أزمة البقاء يعاني اللاجئون في كرياندانجو من نقص حاد في المياه النظيفة. وانخفض استهلاك الفرد اليومي إلى 9.1 لترًا، وهو أقل من نصف الحد الأدنى الدولي (20 لترًا). وتؤكد هناء البشير محمد (نائب المدير التنفيذي لمنظمة محور التنمية) أن توقف الدعم أدى إلى نقص المواد الغذائية وتوقف المطابخ المجتمعية، مما أدى إلى تفاقم الأزمة. كما يواجه قطاع التعليم ضغوطا تفوق طاقته، حيث يتم تدريس الأطفال من مختلف الأعمار في الفصل الواحد، بالإضافة إلى حاجز اللغة. يعتمد التعليم في أوغندا على اللغة الإنجليزية، بينما يتم تدريس الطلاب باللغة العربية في السودان. كما تسلط الضوء على مأساة “السناجل” وهم أطفال وشباب وصلوا دون عائلاتهم ويعانون من سوء تغذية حاد أدى إلى وفاة بينهم نتيجة الأمراض. المبادرات المحلية والتمويل المتعثر: في مواجهة تراجع الدعم الرسمي، ظهرت مبادرات يقودها اللاجئون، بما في ذلك “اللجنة العليا للمطابخ”. ويقول أمين سرها معاوية الحسن، إن الفكرة بدأت بمجهود ذاتي لتغطية احتياجات 18 ألف أسرة عبر 18 مطبخا، لكن عدم انتظام التمويل الذي يعتمد على التبرعات الخيرية يؤدي إلى توقفها بشكل متكرر. ويحذر أحد كبار مسؤولي المفوضية (الذي فضل عدم الكشف عن اسمه) من وجود فجوة تمويلية خطيرة. وطلبت خطة الاستجابة للأعوام 2024-2025 مبلغ 964 مليون دولار، تم تمويل 10% منها فقط، مما اضطر برنامج الغذاء العالمي إلى خفض الحصص الغذائية بنسبة تصل إلى 60%، بحيث أصبحت المساعدة النقدية للشخص الواحد حوالي 6 إلى 8 دولارات فقط شهريا. غياب الإرادة السياسية. ويرى المحلل السياسي التيجاني الحاج، أن انسحاب القوى الدولية مثل الولايات المتحدة من التمويل الإنساني أحدث فجوة كبيرة، مشيراً إلى أن المقاربات الإنسانية وحدها لا تكفي، وأن فشل “منصة جدة” يعود إلى غياب الإرادة السياسية، ما يتطلب دمج المساعدات ضمن مسار سياسي وأمني شامل ينهي أصل الأزمة. إن واقع اللاجئين السودانيين في أوغندا ليس مجرد نتيجة ثانوية لحرب بعيدة، بل هو مأساة تتفاقم بصمت. النساء يعيلن أسرهن في بيئة هشة، والأطفال يواجهون الجوع والحرمان. ومع تآكل شبكات الأمان، يتحول اللجوء من ملجأ إلى اختبار قاس للكرامة. ويبقى السؤال: إلى متى سيواجه هؤلاء مصيرهم وحدهم والعالم يتفرج؟




