اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-01-24 19:08:00
“فسقى لهم ثم أقبل إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير إني فقير” القصص 24 في قلب المحرقة الظالمة، حيث انقطع الماء وضاقت الأفق بالعطش والدموع، أبت نفوس أهل غزة أن تصبر إلا بواحد من أنبل الخير؛ سقي الماء، ذلك الينبوع المقدس الذي يفيض بالصدقات الطيبة ويروي الظمأ والعطش الصبور، هي قصة الأبطال الذين لا يخافون من قصف الطائرات ولا رصاص القناصة، يحفرون في الأرض آبار الحياة، يشمرون عن سواعد العطاء دون رياء ولا انتظار للثواب، كالإمام الحي الذي سقى الماء بدموع الإيمان وأروي الجموع الصامدة وارتقى شهيداً في سبيل الرحمة. هنا، في طوابير الانتظار التي لا نهاية لها، وفي كل قطرة تروي الأرض المحروقة، تتجلى معاني النبوة والصدق، وتظهر صورة ذلك الصبي القوي الأمين الذي يسقي الضعفاء في صمت تام، كان ربه حسبه، وأجره أعلى من الدنيا. إنها ملحمة عطش يتغلب عليها أبطال لا تطفأهم النار، ولا يكسرهم الجوع، بل ينابيع الإيمان التي تعينهم على الصبر، ويشهد لهم التاريخ بدموعهم وصمودهم: صدقة الماء هنا ليست مجرد سقي، بل هي شهادة حياة ووصية إلهية تحكي على ألسنة الحصار، لتبقى غزة، رغم كل ما أصابها، نبع حياة لا ينضب، ووعداً لا يمحى. الحقيقة. فالناس شركاء في الماء كما أنهم شركاء في النار والكلأ. قال الله تعالى: {وجعلنا من الماء كل شيء حي} (الأنبياء: 30)، وسقي الماء ذروة العمل الصالح والصدقة. بل إن رجلاً دخل الجنة بسقي كلباً. معركة الماء هي عنوان الملاحم الإنسانية الهائجة والمستقبلية، وأفضل ما ينعم به الإنسان في آخر الزمان هو الولد الصالح القادر على جلب الماء لوالديه. منذ اليوم الأول للمحرقة، عندما أعلن قادة عصابات الإبادة قطع المياه وتدمير الآبار وقطع خطوط نقلها، ماتت غزة من العطش، ولم تجد شراب ماء، وحتى لا ماء للنظافة، حتى أصبحت مياه الشرب نفقة صعبة، وانتقلنا من مياه الشرب المعالجة إلى مياه مخلوطة بمياه الصرف الصحي، واصطفت طوابير أهلنا للحصول على جالون ماء؛ كانت هناك أطول وأشد طوابير الانتظار، حيث قد يستغرق أحدنا ساعات كاملة من اليوم للحصول على جالون واحد من الماء النظيف. فالإيجابيون، الباحثون عن الأجر، والناس الداعمون للناس في شمال غزة، كما في جنوبها، يتسابقون لتوفير المياه. فمنهم من يتصدق بحفر بئر، ومنهم من يبحث عن بئر جيدة يوجد بها بعض الماء في الحي، فيعملون على توفير الطاقة الشمسية لإخراج الماء من البئر. ومنهم من يشمر عن سواعده من العمل الجاد والخير وخدمة أهله في إخراج الماء لطوابير العطاش والمحتاجين. وحتى { منهم من مات موته } (الأحزاب: 23) أثناء قيامه بهذه المهمة النبيلة تحت قصف العدو، وكان منهم إمام مسجد الحي حافظا لكتاب الله تعالى وأستاذ التفسير والأحكام، الذي قدم أبناءه شهداء، وقد أصيب بحجارة سقطت على رأسه وهو متطوع من منزله ليجلب الماء من بئره ويسقي الطابور العطشان من الصامدين في الشمال. غزة فاعتلى العرش شهيداً في هذه المهمة النبيلة والمقدسة. {فسقى لهم} (القصص:24). وهو عمل نبي من أقوى الرسل. كان يقدم لهم الماء بصمت، للنساء الضعيفات اللاتي لا يستطعن الصمود في وجه حشد الرجال، ولا ينبغي لهن ذلك. فأسرع القوي الأمين: {يا أبت استأجره. إن خير من استأجرت القوي الأمين } (القصص: 26). {فسقياهم} (القصص:24)، وليس طلباً للشهرة أو طلباً لقضاء حاجة. {ثم انقلب إلى الظل} (القصص:24)، بعيدا عن الأضواء والنفاق، وتوجه إلى الله عز وجل بدعائه الدامع: {رَبِّ إِنِّي بِالْخَيْرِ الَّذِي أَنْزَلْتَ إِلَيَّ فَقِيرٌ} (القصص:24)، فكان أجره عظيما في الدنيا والآخرة، إذ استجاب له على الفور ببيت وزوجة وعمل. فماذا سيكون جزاء هؤلاء الرجال الذين أرووا عطش غزة وأهلها في محرقة ظالمة؟ فجزاهم الله خيرا، وأحسن الله إليهم، وتقبلهم الله وتقبلهم في الصف الأول من الشهداء. نحن نعتبرهم كذلك ولا نوصيهم بالله عز وجل.



