اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-06 22:27:00
عندما توجه محمد بسام، “مهندس زراعي متقاعد من مدينة حلب”، لدفع فاتورة الكهرباء، قرر الامتناع عن دفعها بعد أن بلغت نحو 35 دولارًا، وهو مبلغ يفوق قدرته على العيش في ظل دخله التقاعدي المحدود. ويقول بسام لـ”سوريا 24″: “لم أعد قادراً على دفع الفواتير، ولم تعد الكهرباء خدمة يمكن توفيرها، بل أصبحت عبئاً يفوق راتبي”. ويضيف أن فاتورة الكهرباء وحدها أصبحت الآن تعادل أو تتجاوز دخل شهر كامل لشريحة كبيرة من المتقاعدين وذوي الدخل المحدود، في وقت لا تزال ساعات التغذية محدودة ومتقطعة، ما يضطر الأسر إلى الاعتماد على بدائل أكثر تكلفة. وتتقاطع شهادة محمد بسام مع شكاوى معظم السوريين الذين يترددون في دفع فواتير الكهرباء، نتيجة الارتفاع الحاد في أسعارها وعدم توافقها مع الدخل المحدود الذي لا يتجاوز 120 دولاراً أمريكياً شهرياً في أحسن الأحوال. وتصاعد هذا الاستياء بعد قرار وزارة الطاقة السورية في تشرين الأول/أكتوبر الماضي رفع أسعار الكهرباء بنسبة تصل إلى 6000%، في خطوة قالت الحكومة إنها تهدف إلى “إصلاح قطاع الكهرباء وتحسين الخدمة”. الدخل المحدود والفواتير المتراكمة. وبحسب محمد بسام، فإن متوسط نفقات الطاقة والاتصالات لأسرة سورية مكونة من أربعة أفراد تجاوزت قدرتها الشرائية بكثير. ويوضح أن متوسط فاتورة الكهرباء في مدينة حلب يصل إلى نحو 350 ألف ليرة سورية شهريًا، ويقتصر الاستخدام على الإنارة وسخان المياه والتلفزيون، فيما تضطر العائلات للاشتراك في “أمبيرات” بكلفة شهرية تقارب 190 ألف ليرة سورية. ويشير بسام إلى أن الغاز المنزلي يشكل عبئًا إضافيًا، إذ يبلغ سعر أسطوانة الغاز نحو 135 ألف ليرة سورية، ومع التدفئة تحتاج الأسرة إلى أكثر من أسطوانة خلال فترة قصيرة، ما يرفع التكلفة إلى أكثر من 400 ألف ليرة سورية. وفي حال الاعتماد على المازوت تصل تكلفة التدفئة اليومية إلى نحو 36 ألف ليرة سورية، أي أكثر من مليون ليرة سورية شهرياً. ولا تقل مصاريف الإنترنت والاتصالات أهمية، حيث تصل تكلفة الإنترنت إلى نحو 130 ألف ليرة سورية شهرياً، في حين تتجاوز مصاريف الهاتف المحمول 400 ألف ليرة سورية للعائلة الواحدة. وبحسب هذه الأرقام، يؤكد بسام أن إجمالي نفقات الطاقة والاتصالات وحدها يتراوح بين 2.5 و2.7 مليون ليرة سورية شهرياً، دون الأخذ في الاعتبار تكاليف الغذاء أو الإيجار أو الصحة أو التعليم. «ندخر للحد الأقصى.. والفاتورة لا تنقص». ومن دمشق، تعرب رنا “ربة منزل وأم لطفلين”، عن استيائها من واقع فواتير الكهرباء، مؤكدة أن عائلتها ملتزمة بترشيد الاستهلاك إلى أقصى حد دون أن ينعكس ذلك على قيمة الفاتورة. وتقول رنا لسوريا 24: “نطفئ الأضواء غير الضرورية، ونشغل الغسالة مرة واحدة فقط في الأسبوع، ولا نستخدم السخان الكهربائي إلا عند الضرورة، ورغم ذلك جاءت الفاتورة أعلى من دخل زوجي الشهري”. وتضيف أن الأسرة أصبحت مضطرة للمقايضة بين دفع فواتير الكهرباء وتوفير الاحتياجات الأساسية، معتبرة أن “الكهرباء تحولت من خدمة عامة إلى عبء يومي يهدد استقرار معيشة الأسرة”. احتجاجات وتحذيرات اقتصادية تعكس هذه البيانات حالة الغضب الشعبي التي شهدتها دمشق مؤخراً، إذ خرج المتظاهرون أمام وزارة الطاقة رافعين لافتات كتب عليها “لن ندفع”، في مشهد نادر بعد سنوات من التضييق على الاحتجاجات في زمن نظام الأسد الساقط. ويقول المشاركون في هذه التحركات إنهم فوجئوا بفواتير تتجاوز دخلهم الشهري، رغم التزامهم القوي بترشيد الاستهلاك. وفي هذا السياق، طالب عدد من المواطنين الذين التقتهم سوريا 24 بإعادة النظر في آلية الفوترة المعتمدة، مطالبين باعتماد فاتورة شهرية واضحة بدلاً من تراكم الفواتير على فترات متباعدة، لما لها من أثر في تخفيف الصدمة المالية على الأسر. كما دعا آخرون إلى التوجه نحو نظام الدفع المسبق على أساس كمية الاستهلاك الفعلي، على غرار الأنظمة المعتمدة في عدد من الدول، معتبرين أن هذا النموذج يتيح للمشتركين التحكم في استهلاكهم بشكل أكثر دقة، ويعزز الشفافية في احتساب الفواتير، في ظل فقدان الثقة في آليات التحصيل الحالية. ويرى اقتصاديون أن جوهر الأزمة لا يكمن في الأسعار وحدها، بل في التآكل الحاد في القدرة الشرائية، في بلد لا يتجاوز الحد الأدنى للأجور فيه 750 ألف ليرة سورية، فيما يتقاضى كثير من الموظفين أقل من ذلك بكثير. تكلفة إعادة بناء الشبكة الكهربائية وحجم الاستثمار المطلوب. وبحسب التقديرات الصادرة عن البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، يعد قطاع الكهرباء من أكثر القطاعات المتضررة في سوريا، حيث تشير تقييمات الأضرار إلى تعرض أكثر من نصف البنية التحتية الكهربائية لتدمير كامل أو جزئي، سواء على مستوى محطات التوليد أو شبكات النقل والتوزيع. وفي ظل تقديرات البنك الدولي لتكلفة إعادة إعمار سوريا بنحو 216 مليار دولار، تقدر حصة قطاع الكهرباء والطاقة بما يتراوح بين 25 و40 مليار دولار. وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن معدلات الخسائر الفنية وغير الفنية في الشبكة الكهربائية السورية تتجاوز في بعض المناطق 35 إلى 45% من الطاقة المنتجة، نتيجة المعدات القديمة وسوء الصيانة والهجمات على الشبكة، ما يرفع تكلفة التشغيل ويقوض أي تحسن مستدام في الإمدادات الكهربائية. أما على مستوى الاستثمار، فتشير الدراسات الصادرة عن لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)، إلى أن إعادة تأهيل الشبكات الكهربائية في البلدان الخارجة من الصراعات، يتطلب استثمارات سنوية كبيرة تمتد على مدى سنوات طويلة. وبناء على هذه التقديرات، يرى خبراء الاقتصاد والطاقة أن التقدم التدريجي لقطاع الكهرباء في سوريا يتطلب ضخ استثمارات تتراوح بين 3 و5 مليارات دولار سنوياً، على مدى عقد من الزمن على الأقل، في حال اعتماد نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص. قراءة فنية: التعرفة والشبكة وحقوق المشترك من جهته، يرى المهندس أحمد عائشة “موظف سابق وخبير في مديرية كهرباء حلب”، في حديث لموقع سوريا 24، أن الكمية المخصصة ضمن الشريحة المخفضة والمحددة بـ 300 كيلوواط/ساعة شهرياً بسعر 600 ليرة سورية للكيلوواط الواحد، أي ما يعادل 180 ألف ليرة، غير كافية، خاصة في فصلي الشتاء والصيف، ما يتطلب رفعها لتتناسب مع الحد الأدنى. احتياجات العائلات. توضح عائشة أن الفواتير سابقاً كانت تحتسب على أساس قيمة الطاقة المستهلكة، إضافة إلى رسم 22% وإيجار العداد، علماً أن هذه الرسوم ألغيت مؤخراً، فيما بقي إيجار العداد، وهو رسم يصفه بـ”غير المبرر”، حيث يتم تغريم المشترك بقيمة العداد في حال تلفه، ودفع مقدمات عند الاشتراك الجديد. ويقر الخبير بتحسن نسبي في واقع الكهرباء خلال العام الماضي، إذ ارتفع متوسط ساعات التموين إلى ما بين 6 و8 ساعات يومياً، مع زيادة التموين خلال العطلات. لكنه يؤكد أن الحديث عن جودة واستقرار الطاقة ما زال مبكراً بسبب التحميل الزائد وتقادم المعدات والتعديات على الشبكة. ويضيف أن العلاقة بين شركات الكهرباء والمشتركين تدار من خلال عقود “الالتصاق”، باعتبارها المزود الوحيد للطاقة، ما يحرم المشتركين من المطالبة بالتعويض عن الأضرار الناجمة عن عدم استقرار التيار أو ضعف التوتر الكهربائي. سياسات متسرعة وحلول بديلة. وترى عائشة أن الحكومة سارعت إلى رفع الأسعار، رغم انخفاض دخل المواطن السوري الذي لا يتجاوز 100 دولار شهرياً في المتوسط، وارتفاع معدلات البطالة، إضافة إلى أن الشبكة الكهربائية لا تزال بحاجة إلى إعادة تأهيل شاملة من محطات الإنتاج وصولاً إلى المنازل والمرافق. ويحذر من تحميل المشتركين كلفة إصلاح الشبكة المتهالكة، بالتوازي مع تقديم شروط استثمارية مريحة للشركات عبر رفع أسعار الطاقة، معتبرا أن هذه السياسة “تؤدي إلى نتائج عكسية ولا تؤدي إلى النتائج المرجوة”. ويقترح الخبير اعتماد سياسة الفترات الزمنية والتعرفات (نهار – ذروة – ليل)، وهي سياسة يمكن تنفيذها من خلال العدادات الإلكترونية، بهدف ترشيد الاستهلاك وتخفيف العبء على ذوي الدخل المحدود. وعود رسمية وواقع مؤجل منذ كانون الأول/ديسمبر 2024، تعهدت السلطات الجديدة بزيادة إنتاج الكهرباء ووقعت اتفاقيات لاستيراد الغاز من تركيا وقطر، في وقت تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن تكلفة إعادة إعمار سوريا تتجاوز 216 مليار دولار. لكن، كما يقول محمد بسام، فإن هذه الوعود «لم تنعكس بعد على حياة الناس»، مضيفاً: «لم تعد المشكلة في ساعات التقنين فقط، بل أن الفاتورة أصبحت أعلى من الراتب، والكهرباء تحولت من حق أساسي إلى عبئ يومي».




