اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-20 12:16:00
نزار عثمان السمندل الكارثة لا تبدأ من فوهة البندقية، بل من الجملة التي تقال بثقة باردة والوطن يتهاوى تحت أقدام أهلها، ومن العبارة التي تقذف في الهواء كقطعة حكمة، فيما تختبئ خلفها عشرات القبور. وفي حوارها عبر قناة “الجزيرة مباشر”، جلست سناء حمد القيادية في الحركة الإسلامية السودانية، أمام الصحفي أحمد طه، وألقت كلمة هادئة، أعادت فيها تصوير الدمار الذي خلفته سياسات حركتهم على أنه “سوء فهم تاريخي”. وكأن السودان يعيش جدلاً فكرياً عادياً، دون أن يسقط انهيار دولة على رؤوس شعبها. فلا ارتباك أخلاقي، ولا ارتعاشة اعتذار، ولا اعتراف بتكلفة الخيارات. الخطر كله يكمن في هذا الهدوء. الكلمات تصبح ناعمة، بينما الحقائق ثقيلة إلى حد السحق. انفصال الجنوب طرحته السيدة صنعاء كخيار عقلاني، اختصر كل سنوات الحرب، ومحا تاريخاً طويلاً من التعبئة الأيديولوجية والإقصاء السياسي وصناعة الانقسام. ملايين الأشخاص الذين دفعوا إلى حافة الخسارة، حولتهم إلى هوامش في رواية متفائلة عن «القرار الصحيح». وهنا تلعب اللغة دورها الأخطر: إعادة تعريف المأساة بحيث تظهر كنتيجة طبيعية لمسار مشروع يعتبر “رسولا”، وليس نتيجة هندسة قسرية من قبل الدولة والمجتمع. عند الحديث عن ظهور قوات الدعم السريع، استشهدت سناء حمد بتشبيه ريفي لطيف: العنب والتمر. استعارة بسيطة في الظاهر، قاتلة في جوهرها. في هذه الاستعارة، تمحى المسؤولية، ويختزل العنف في سوء استخدام منتج بريء. تختفي لحظة القرار، ويختفي فعل التسليح، ويختفي التفويض السياسي. وتبقى الاستعارة نظيفة وخفيفة وصالحة للتلفزيون. خلق وحش خارج الدولة يتحول إلى حكمة شعبية، ويصبح القتل خطأ في الوصفة، وليس جريمة في الفكرة. وعندما اقترب الحديث من أخطاء النظام السابق، اتسعت الساحة فجأة. تم استدعاء الولايات المتحدة، وهوجمت الأحزاب، وفتحت أبواب المؤامرات. هناك أسلوب كيزاني مألوف: كلما تحرك السؤال إلى الداخل، كلما قفزت الإجابة إلى الخارج. السودان هداك الله لم يصل إلى ما وصل إليه نتيجة الضغوط الخارجية، بل عبر هندسة داخلية من قبل سلطة مستكبرة، أعادت تشكيل الدولة وفق منطق التمكين، وخلطت الولاء مع المؤسسة، وأضعفت الجيش الوطني لصالح مليشيات موازية، ثم تبرأت من نتائجه. إن أكثر ما جاء في خطاب السيدة سناء وقاحة هو الادعاء بأن الحركة الإسلامية تقف خارج دائرة الحرب الحالية. ادعاء لا يصمد أمام التاريخ ولا الحاضر. وسجل الحركة منذ 1989 مكتوب بالحقائق: من هندس الدولة الأمنية، وأضعف الجيش، وفتح الأبواب أمام الميليشيات، لا يملك ترف الادعاء بأنه خارج النار. ليس من حق من يزرع الأسلحة أن يتظاهر بالدهشة عندما تنفجر، ومن يضع الأساسات لا يحق له أن يدعي الحياد عندما ينهار البناء. وفي هذا السياق، تحول الدين إلى رصيد تعبئة، ومظلة تحتمي بها السلطة، وأداة لتكثيف البنية الأمنية وتضييق المجال العام. دخل إلى قلبه الإيمان الذي يفترض أن يسمو فوق الصراع، وامتزجت القداسة بالحسابات اليومية. ما طرح في المقابلة يعكس عقلية ترى الخراب تعثراً طبيعياً في تنفيذ مشروع كبير، وتتعامل مع الدم كتكلفة مؤجلة يمكن تجاوزها بمواصلة التمسك بالشعار نفسه. السودان اليوم يدفع ثمن اختيارات محددة تمت تحت أسماء معروفة وتحت لافتات واضحة. القرى المحروقة، المدن المدمرة، الملايين الذين عبروا الحدود بحثاً عن ملجأ، ليسوا أرقاماً في تقرير، بل شهوداً على مسار سياسي لم يكن تفصيلاً في نقاش نظري. وكشفت المقابلة عن فجوة كبيرة بين الخطاب المطمئن والواقع المرير، وهي فجوة تمثل جوهر الأزمة. إن إعادة إنتاج نفس الرواية يعني الاستمرار في الدوران حول نفس الدورة. ولم يكن الدين جوهر الحكم في السودان، بقدر ما كان أداته. لقد تم استخدامه كغطاء لتبرير السرقة، ومظلة لحماية الفساد، ولغة لإذلال الناس، ومفردات لإضفاء الشرعية على القمع. فالسياسة لم تتشكل بالإيمان، بل انطلقت باسمها. إن التمسك بخلط الدين بالسياسة اليوم لا يعكس شجاعة فكرية، بل يعزز العجز عن الاعتراف بأن «المشروع الحضاري» تحول إلى آلة تدمير، وما يحدث ليس أكثر من إعادة تدوير لنفس الخطاب القديم. ما قالته سناء حمد يتجاوز شخصها؛ إنه صوت الحراك الذي يرفض مغادرة المسرح ويصر على العودة إلى الساحة دون أي استحقاق أخلاقي. فهو يرى الحرب كحادثة، والدم هامشًا، والدولة مساحة للتجريب. إن مسألة المساءلة لا تحتاج إلى محكمة بقدر ما تتطلب شجاعة التسمية. ومن يصر على هذا الخطاب لا يحمي الإيمان، بل يحمي امتيازًا وتاريخًا من الهروب. الحرب ليست لغزا، بل هي نتيجة… ونتائجها لا يمكن محوها بالمجاز، أو تنقيتها بالخطابة، أو إلغاؤها بإعلان البراءة.




