السودان – الإسلاميون: الحكم من الخارج أم الحكم من الصندوق؟

أخبار السودان24 فبراير 2026آخر تحديث :
السودان – الإسلاميون: الحكم من الخارج أم الحكم من الصندوق؟

اخبار السودان – وطن نيوز

اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-23 12:46:00

وجه الحقيقة إبراهيم شقلاوي في منعطفات كبرى في تاريخ البلدان، تتقدم الأسئلة الأخلاقية على الحسابات التكتيكية، وتصبح مسألة الوطن هي المعيار الذي تقاس به مصداقية أي مشروع سياسي. وفي الحالة السودانية، يعود الجدل حول إقصاء الإسلاميين كاختبار استثنائي: فهو يكشف حدود احترام الإرادة الشعبية، ويقيس قدرة الفاعلين، داخليا وخارجيا، على دعم مسار التحول السياسي. السودانيون ليسوا موضوع إعادة هندسة سياسية من الخارج، بل هم شعب له كامل الحق في تقرير من يحكمه، وكيف يحكمه، وبأي برنامج، وله تاريخ حافل في ذلك، رغم التحديات. منذ سقوط نظام الرئيس السابق عمر البشير عام 2019، تشكلت داخل المشهد السوداني روايتان متعارضتان. الأول يرى أن ما حدث كان لحظة تحرر أعادت فتح أفق الدولة المدنية، والثاني -الحاضر بقوة داخل الحركة الإسلامية- يرى أن مسار ما بعد السقوط صمم تدريجيا لتقليص حضورهم في الحياة السياسية عبر أدوات قانونية وسياسية مصطنعة. وبين القصتين تبقى الحقيقة أكثر تعقيداً في ظل التحولات الإقليمية والدولية. لكن التطور الملفت في الآونة الأخيرة هو ظهور خطاب خارجي أكثر صراحة وتدخلا في الشؤون الداخلية، يدفع نحو إقصاء الإسلاميين من أي معادلة سياسية. وهنا يظهر موقف دولة الإمارات العربية المتحدة بوضوح، والذي يظهر في مواقفها المعلنة، والتي عبر عنها أمس ممثلها لدى الأمم المتحدة محمد أبو شهاب في مجلس الأمن، عندما دعا إلى عملية سياسية تؤدي إلى حكومة مدنية مستقلة عن الجماعات المتطرفة، بما في ذلك جماعة الإخوان المسلمين. رسمياً، جاء الخطاب في سياق إدانة الانتهاكات والدعوة إلى وقف الحرب، وهي أهداف تحظى بإجماع واسع. لكن من الناحية السياسية، أثار هذا الاقتراح تساؤلات داخل الأوساط السودانية حول حدود الدور الخارجي وشرعيته. وبما أن الإسلاميين في السودان لا يوصفون بالمتطرفين، فإن ذلك لم يثبت في ممارساتهم السياسية خلال تجربتهم. والمهم في هذا السياق أن هذا الموقف لا يمثل بالضرورة إجماع مجلس الأمن كهيئة دولية، بل يعكس رؤية دولة معينة ضمن الترتيبات الإقليمية والدولية المعنية بالملف السوداني. وهذا التمييز ليس تفصيلاً إجرائياً، بل هو مسألة أساسية في قراءة الموازنات. وعندما يطرح موقف الدولة الواحدة تحت ستار الإجماع الدولي، تتشوه صورة المشهد، ويتعزز الشعور الداخلي بأن هناك محاولة لتوجيه المسار السياسي السوداني من خارج إرادته الوطنية. وليس بعيداً عن هذا المناخ المتوتر، خطى السودان خطوة لافتة عندما أعلن مجلس الأمن والدفاع في مايو/أيار 2025 تصنيف الإمارات دولة معادية وقطع العلاقات الدبلوماسية معها، في مؤشر سياسي يعكس عمق الأزمة واختلاف وجهات النظر حول مسار الحرب وحدود التدخل الخارجي. وتكشف هذه الخطوة أن فجوة الثقة بين الطرفين لم تعد مجرد خلاف دبلوماسي، بل أصبحت عاملاً مؤثراً في حسابات المرحلة الانتقالية. وهذا ما دفع السودان إلى رفض جهود اللجنة الرباعية التي تضم الإمارات، إذ تسعى إلى إرساء هدنة إنسانية تؤدي إلى إنهاء الحرب من أجل إنقاذ مليشيا الدعم السريع، التي يدعمها بوضوح -كما أشارت التقارير الدولية ووكالات الأنباء مثل رويترز- إضافة إلى مساعيها لفرض رؤيتها في تشكيل المشهد السوداني. داخلياً، تداخل هذا البعد الخارجي مع تراكمات ما بعد 2019، حيث ساهمت تجربة لجنة إزالة التمكين، رغم أهدافها المعلنة، في تعميق شعور قطاعات من الإسلاميين بأن العدالة الانتقالية انزلقت تماماً نحو منطق الهيمنة السياسية. ومع الجدل الدائر حول دستور نقابة المحامين ثم اتفاق الإطار، نشأ لدى هذه القطاعات انطباع بأن معمارية الفترة الانتقالية لم تكن شاملة بما فيه الكفاية، حتى لو انطلقت هذه المبادرات -في نظر مؤيديها- من محاولة إعادة تأسيس الدولة بعد انهيار مركزها. ويضيف حديث الدكتور أمين حسن عمر، القيادي في الحركة الإسلامية وأحد مفكريها، بعدا أخلاقيا وسياسيا لهذا الموقف، إذ صاغ التصور الذاتي للحركة الإسلامية في تصريح سابق لبرنامج بودكاست، قائلا: “لن يطرق الإسلاميون الباب حتى يسمح لهم كريم بالدخول أو يبعدهم عنه لئيم، فالإسلاميون هم أصحاب البيت وهم من أهله وكانوا من أصدقهم وأضحيهم”. يسلم علينا، نرد التحية بأحسنهم، ومن يتحدانا فهو أعلم بالمجال». ولا يمثل هذا التصريح موقفا دفاعيا فحسب، بل يعكس وعيا عميقا بالجذور الاجتماعية والتاريخية للحركة الإسلامية، ورؤيتها لموقعها كعنصر أصيل في نسيج الدولة والمجتمع السوداني. إن الخلفية التاريخية للحركة الإسلامية في السودان، منذ نشأتها في الأربعينيات، مرورا بدورها في انقلاب 1989، ثم تحولات ما بعد 2019، تؤكد أنها مكون سياسي واجتماعي لا يمكن إغفاله في المعادلة، لكن هذا لا يعني منحها حصانة دائمة. ولذلك فإن المعيار الوحيد العادل والآمن للبلد والمنطقة، في بلد يطمح إلى مرحلة انتقالية واستقرار لا عودة بعده للصراع، هو صندوق الاقتراع. كذلك فإن تصريح سناء حمد زعيمة الحركة الإسلامية لقناة الجزيرة مباشر الأسبوع الماضي يضيف بعدا واقعيا للفكرة، إذ من المرجح أن يبقى الجيش جزءا من معادلة الحكم في المدى المنظور نظرا لحقائق الحرب وتوازنات القوى. هذا التقييم يعكس فهماً جيداً لطبيعة الدول الخارجة من الصراعات، وهو ما قاله أيضاً رئيس مجلس شورى المؤتمر الوطني لمحقق الإخبارية الدكتور عثمان كبير، لكنه يكتسب ثقله الحقيقي من موقف الحركة الرافض لتشكيل مجلس تشريعي من دون انتخابات، وهو الموقف الذي يؤكد مجدداً القاعدة الذهبية التي ظلت الحركة الإسلامية تدفع بها -ولو اختلف معها البعض- وهي: الشرعية لا تمنح بقرارات من أعلى، بل تستمد من التفويض الشعبي. أما حرب 15 نيسان/أبريل 2023، فقد أعادت ترتيب المشهد بشكل دراماتيكي، وأعادت إلى الواجهة خطاب “استعادة الدولة”. وفي خضم هذه التطورات، تصاعدت الاتهامات المتبادلة بشأن الأدوار الإقليمية في دعم أطراف الصراع، وتناولت التقارير الدولية والتغطيات الصحفية الغربية هذه الاتهامات بدرجات متفاوتة من التأكيد والتحفظ. لكن الأمر المؤكد سياسيا هو أن أي تدخل خارجي – أيا كان مصدره – يظل عامل تعقيد إضافي في الأزمة السودانية التي تتطلب، في جوهرها، مسارا وطنيا شاملا، وليس صراعات بالوكالة. وما يمكن قوله بدرجة أعلى من اليقين هو أن الحرب أعادت ترتيب المشهد من جديد، ودفعت شرائح واسعة من الرأي العام إلى إعادة تقييم أولويات المرحلة، حيث أسبقت رواية «استعادة الدولة» على العديد من شعارات ما بعد 2019. وفي هذه اللحظة بالذات يعود الجدل القديم بشكل جديد: من له الحق في تحديد من يشارك في السياسة السودانية؟ ويبقى المبدأ الأخلاقي والسياسي الأكثر تماسكاً واضحاً: لا إقصاء دائم لأي حراك طالما لجأ إلى العمل السلمي والقانوني، ولا حصانة سياسية لأي فاعل خارج ميزان التفويض الشعبي. فالاستقرار الحقيقي لا يبنى على إقصاء حزب، ولا يبنى على العودة غير المشروطة لحزب آخر، بل على معادلة دقيقة تقوم على المنافسة الحرة تحت سقف القانون والدستور. يقف السودان اليوم أمام فرصة صعبة ولكنها ممكنة: تحويل ذاكرة الصراع إلى أساس لعقد اجتماعي وسياسي جديد. وإذا أديرت المرحلة المقبلة بروح النصر، فسوف تتجدد نفس الدائرة تحت أسماء مختلفة. لكن إذا تمت إدارته بعقل الدولة وروح الصندوق الانتخابي، فقد يخرج البلد من نفق الاستقطاب المخزي. ولذلك تبقى الجملة النهائية أن السودان اليوم يواجه معادلة دقيقة: الإقصاء الشامل لأي حركة سياسية يحمل في طياته خطر تفجير الفاعل المعارض، وفرض الخرائط السياسية من الخارج، تحت أي عنوان، يقوض أسس الشرعية الوطنية ويخضع البلاد بهدوء لاستعمار جديد. ويظل المسار الأقل تكلفة والأكثر استدامة واضحا: المنافسة السياسية المفتوحة في ظل سيادة القانون، والوصول الصارم إلى صناديق الاقتراع الحرة والنزيهة. السودان بتاريخ بلاده العريق وحيوية مجتمعه، لا يحتاج إلى من يختار له معالم مستقبله، بل يحتاج إلى من يحترم حق شعبه في التخطيط لهذا المستقبل. السؤال الحقيقي، بحسب #وجه_الحقيقة، لم يعد من سينتصر في معركة الروايات، بل من يملك الشجاعة لقبول حكم الصندوق. إن الدول لا تبنى بالفتح، ولا تستوطن بالوصفات المستوردة، بل بعقد وطني يثق فيه الناس. السودان الممتلئ بالجراح القديمة بمفهومه السياسي، لا يحتاج إلى من يختار له ممثليه، بل إلى من يفتح الطريق أمام شعبه ليقول كلمته كاملة غير منقوصة. هنا فقط تنتهي جدلية الإقصاء، وتبدأ حالة الإرادة الشعبية. دمتم بخير وعافية. السبت 21 فبراير 2026م Shglawi55@gmail.com

اخبار السودان الان

الإسلاميون: الحكم من الخارج أم الحكم من الصندوق؟

اخبار اليوم السودان

اخر اخبار السودان

اخبار اليوم في السودان

#الإسلاميون #الحكم #من #الخارج #أم #الحكم #من #الصندوق

المصدر – منبر الرأي Archives – سودانايل