تونس – مستقبل السياسة في البلدان النامية أو فن إدارة الهشاشة

اخبار تونس9 مارس 2026آخر تحديث :
تونس – مستقبل السياسة في البلدان النامية أو فن إدارة الهشاشة

اخبار تونس- وطن نيوز

اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-09 10:20:00

لم يعد من الممكن فهم المشهد الدولي المعاصر من خلال المفاهيم الكلاسيكية التي حكمت العلاقات الدولية خلال النصف الثاني من القرن العشرين. لقد وعد النظام العالمي الذي تبلور بعد نهاية الحرب الباردة بعالم تحكمه قواعد القانون الدولي، حيث كانت قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان في المقدمة. لكن المسار الفعلي للأحداث كشف تدريجيا عن تناقض عميق بين الخطاب المعلن والممارسة الواقعية للسياسة الدولية. (الصورة: غارة إسرائيلية شمال بيروت.) هشام السنوسي * عكست الحروب التي شهدها العالم في العقود الأخيرة – من أفغانستان إلى العراق، ومن سوريا إلى فلسطين، وعبر مناطق أخرى من العالم – نمطا متكررا من التدخلات العسكرية التي تم تسويقها ضمن سردية أخلاقية بعنوان نشر الحريات وإنقاذ الشعوب من أنظمتها. لكن هذه الرواية مع تكرارها بدأت تفقد قدرتها على الإقناع، ليس فقط بسبب عواقبها الكارثية على المجتمعات المعنية، بل أيضا بسبب ما كشفته عن عجز القوى الكبرى عن إدارة النظام العالمي خارج منطق القوة الغاشمة. وإنقاذ الشعوب من أنظمتها أصبح غطاءً لسياسات الهيمنة. وكثيراً ما تحولت لغة “إنقاذ الشعوب” إلى غطاء سياسي لسياسات الهيمنة وإعادة تشكيل موازين القوى، في حين انتهى الأمر بالمجتمعات التي كانت موضوع هذه التدخلات إلى حالات طويلة من عدم الاستقرار، أو إلى تفكك بنيوي أثر على الدولة والمجتمع على السواء. وبمرور الوقت، لم تعد هذه الخطابات تقنع حتى جزءاً من الرأي العام العالمي، الذي أصبح أكثر وعياً بالتناقضات البنيوية للنظام الدولي. لكن انتقاد هذه الروايات، رغم ضرورته، لا يمثل سوى المستوى الأول من التحليل. والسؤال الأكثر أهمية بالنسبة للدول النامية هو سؤال آخر: ما هو مستقبل السياسة في عالم يتسم باختلال عميق في توازن القوى، حيث يمكن تجاوز كل الخطوط الحمراء، حتى عندما يؤدي هذا إلى إبادة مجتمعات بأكملها؟ وفي مثل هذا السياق، تصبح السياسة بالنسبة للدول الضعيفة أو المتوسطة أشبه بفن إدارة الهشاشة. وكل محاولة لبناء استقلال حقيقي خارج النظام الاقتصادي والسياسي المهيمن قد تتحول إلى مغامرة مكلفة، وأحياناً إلى تهديد وجودي. لقد أثبتت التجارب العديدة أن أي مشروع للاستقلال الاقتصادي أو التكنولوجي أو الجيوسياسي، إذا لم يكن مدعوماً بقدرات داخلية كافية، قد يعرض الدولة لعقوبات أو ضغوط أو حتى تدخلات مباشرة. وفي المقابل فإن الخيار المعاكس ـ الاندماج الكامل في النظام العالمي بشروطه القائمة ـ يضمن في بعض الأحيان قدراً من الاستقرار الاقتصادي والسياسي، ولكنه قد يؤدي إلى نمط من التبعية البنيوية. وفي هذه الحالة تتحول الدولة إلى طرف تابع في شبكة اقتصادية عالمية تسيطر قواعدها مراكز القوى الكبرى. وهذا النمط ملحوظ بشكل خاص في الاقتصادات الريعية التي تحقق مستويات عالية من الرفاهية المادية ولكنها تظل محدودة في قدرتها على صياغة خيارات استراتيجية مستقلة. ومن هنا تنشأ معضلة حقيقية تواجه العديد من البلدان النامية: فإما الاستقلال الذي لا يتمتع بالحماية الكافية بالقوة، وهو ما يحمل في طياته خطر الصراع، أو التكامل التابع الذي يحمل في طياته خطر التآكل التدريجي للسيادة. لكن قراءة التاريخ المعاصر تشير إلى أن الخروج من هذا المأزق لا يمر عبر خيارات جيوسياسية مباشرة فحسب، بل عبر تحولات أعمق تؤثر على بنية المجتمع والدولة معا. إعادة بناء مفهوم القوة في العالم المعاصر. وأول هذه التحولات هو إعادة بناء مفهوم القوة ذاته. لم تعد القوة في العالم المعاصر مرتبطة فقط بالقدرة العسكرية أو الثروة الطبيعية، بل أصبحت مرتبطة بالدرجة الأولى بالقدرة على إنتاج المعرفة، وتنظيمها، وتوظيفها في الاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا. ولذلك فإن التحول إلى اقتصاد المعرفة لم يعد مجرد خيار تنموي، بل أصبح شرطا بنيويا لأي مشروع للاستقلال أو النفوذ في النظام الدولي. ويتعلق التحول الثاني بطبيعة النظام السياسي. ولا يمكن بناء الدولة الحديثة على مواطن مظلوم أو مهمش. إن المجتمعات التي تُخنق فيها حرية الفكر والنقد والتنظيم، أو تُقمع فيها المبادرات الفردية والجماعية، تجد نفسها غير قادرة على إنتاج نخب علمية واقتصادية قادرة على قيادة التحول التاريخي. ولذلك فإن الأنظمة السياسية التي تظل أسيرة أنماط الحكم التقليدية، أو التي تعتمد على احتكار القرار وإقصاء المجتمع، تساهم – ولو عن غير قصد – في إضعاف قدرتها على مواجهة الضغوط الخارجية. أما التحول الثالث فيتعلق بإعادة صياغة العلاقات بين دول الجنوب. وفي عالم يتحرك ببطء نحو التعددية القطبية غير المكتملة، فإن التعاون بين البلدان النامية قد يصبح أحد السبل الممكنة للحد من اختلال توازن القوى. ويمكن للتكتلات الاقتصادية والعلمية بين هذه البلدان أن تفتح مجالات جديدة للتبادل المعرفي والتكنولوجي، وإنشاء شبكات تعاون تسمح بتقاسم الموارد والخبرات خارج أنظمة الهيمنة التقليدية. لكن هذه التحولات لن تتحقق إلا إذا حدث تحول مواز في وعي النخب السياسية داخل هذه الدول. إن العديد من الأزمات التي مرت بها العديد من الدول لم تكن نتيجة الضغوط الخارجية وحدها، بل كانت أيضا نتيجة خيارات داخلية وضعت بقاء السلطة فوق مصالح المجتمع. وعندما تتحول الدولة إلى أداة لحماية الحاكم بدلا من كونها إطارا لحماية المجتمع، فإنها تصبح أكثر هشاشة في مواجهة الضغوط الخارجية وأكثر عرضة للانهيار عند أول أزمة كبرى. ضرورة تطوير مقاربة مختلفة للعلاقة مع الغرب. وفي هذا السياق تبرز مسألة أخرى لا تقل أهمية، وهي طبيعة العلاقة مع المجتمعات الغربية نفسها. إن النظر إلى الغرب باعتباره كتلة سياسية صلبة أو خصماً حضارياً موحداً يقلل من الواقع إلى حد كبير. وذلك لأن المجتمعات الغربية تضم بدورها قوى اجتماعية وفكرية ومدنية واسعة تعارض سياسات الهيمنة والحروب، وتنتقد تحول الدولة الحديثة إلى جهاز يخدم مصالح اقتصادية ضيقة. ومن هنا، يصبح من الضروري بلورة مقاربة مختلفة للعلاقة مع الغرب، تقوم على تعزيز التواصل مع المجتمع المدني والقوى الفكرية والإنسانية داخل هذه المجتمعات. وقد يكون الإنسان الغربي، مثل شعوب الجنوب، أيضاً أحد ضحايا السياسات التي يديرها أحياناً منطق القوة المجردة أو منطق الشركة التجارية التي تختزل العالم في حسابات الربح والخسارة. إن بناء الجسور مع هذه القوى المدنية والفكرية يتطلب بدوره إعادة النظر في الخطاب السياسي السائد في العديد من دول الجنوب. فبدلاً من الاعتماد على خطابات الهوية المغلقة التي تعيد إنتاج الاستقطاب الحضاري، يصبح من الضروري تطوير خطاب إنساني عالمي يركز على القيم المشتركة: الكرامة الإنسانية، والحق في السلام، والعدالة الاجتماعية، والحريات، وحق الشعوب في تقرير مصيرها. ولا يهدف هذا الخطاب إلى تمييع الفوارق الثقافية، بل إلى توسيع مساحة الصراع ليصبح صراعا إنسانيا عابرا للحدود، قادرا على اختراق الأنظمة السياسية الجامدة وبناء التضامن العالمي بين المجتمعات في مواجهة سياسة القوة والهيمنة. التحدي الحقيقي في عالم اليوم لم يعد بين الحضارات المتصارعة بقدر ما أصبح بين منطقين مختلفين لإدارة العالم: منطق يرى الدولة إطارا لخدمة الإنسانية، ومنطق آخر يحولها إلى مؤسسة يديرها منطق السوق والشركة التجارية. وفي هذا السياق، تبرز تجربة فكرية وسياسية رائعة في أميركا اللاتينية في العقود الأخيرة. وشهدت هذه المنطقة نهضة فكرية متنامية، أعادت طرح مسألة الهيمنة من زاوية مختلفة، من خلال ما يعرف بالاتجاهات إنهاء الاستعمار. ولا تقتصر هذه التيارات الفكرية على انتقاد الاستعمار بمعناه التاريخي الكلاسيكي، بل تتحدث عن استمرار الاستعمار بشكل معرفي وثقافي واقتصادي ضمن بنية النظام العالمي. وترى أن العديد من مفاهيم الحداثة والسياسة والاقتصاد التي يتم تقديمها كمفاهيم عالمية ليست في الواقع سوى نتاج تاريخي لتجربة أوروبية محددة تم تعميمها على العالم. تحرير المعرفة من المركزية الغربية. وقد دفع هذا الوعي الجديد عدداً من المفكرين في أمريكا اللاتينية إلى الدعوة إلى تحرير المعرفة نفسها من المركزية الغربية، وإعادة تأهيل تجارب المجتمعات المحلية وأنماط تفكيرها وتنظيمها الاجتماعي. وهذا لا يعني عزل الحداثة أو رفضها، بل إعادة صياغتها على أسس أكثر تعددية تسمح للمجتمعات الجنوبية بالنشاط في إنتاج المعرفة وليس مجرد استهلاكها. وأهمية هذه النهضة الفكرية لا تكمن في بعدها الأكاديمي فحسب، بل أيضا في أنها تفتح أفقاً جديداً للتفكير في مستقبل السياسة في العالم النامي. ولم يعد الأمر يتعلق فقط بتغيير موازين القوى العسكرية أو الاقتصادية، بل أيضا بتغيير موقع هذه المجتمعات ضمن خريطة المعرفة العالمية. عندما تتمكن المجتمعات من استعادة قدرتها على التفكير في نفسها والعالم خارج القوالب المفروضة عليها، فإنها تبدأ تدريجياً في بناء السياسة الأكثر استقلالية وقابلية للتنفيذ في التاريخ. وبالتالي فإن الرهان الحقيقي بالنسبة للبلدان النامية في القرن الحادي والعشرين قد لا يقتصر على مقاومة الهيمنة فحسب، بل وأيضاً إنتاج معارف جديدة عن العالم تسمح لها بالانتقال من موقع التابع إلى موقع الفاعل. عندها فقط يصبح بوسع السياسة أن تستعيد معناها الأعمق: ليس مجرد إدارة مفاهيم القوة والهشاشة، بل مشروع تاريخي لصناعة المستقبل. صحافي.