وطن نيوز
أوشريت بيروودكر لو كان ناريندرا مودي توقع بدء الحرب على إيران بعد أيام قليلة من مغادرته إسرائيل، فمن المشكوك فيه أنه كان سيختار زيارته التاريخية للبلاد. وقد أدى التوقيت المؤسف إلى تحويل ما كان من المفترض أن يكون نصراً دبلوماسياً إلى مرتع لنظريات المؤامرة، مما عرض العملاق الآسيوي لانتقادات شديدة، داخلياً وخارجياً. وأدى إغلاق إيران لمضيق هرمز إلى تفاقم الانتقادات وخلق الخوف في الأسواق. لكن نيودلهي، التي جعلت من الحذر الدبلوماسي ميزتها، تعود مرة أخرى إلى اتباع مسارها بما يتفق مع مصالحها الوطنية. والآن بعد أن تزامنت الاضطرابات الجيوسياسية مع اندماجها في الاقتصاد العالمي، أصبحت عملية صنع القرار أكثر تعقيدا وحساسية. وعلى الرغم من الخسائر الفادحة التي تكبدتها بسبب العقوبات الدولية المفروضة على إيران، بدءاً من قطع التمويل عن ميناء تشابهار الاستراتيجي، وانتهاءً بوقف مشتريات النفط، وانتهاءً بتجميد مليارات الدولارات في بنوك طهران، إلا أن الهند كانت تتباهى دائماً بقدرتها على الحفاظ على علاقات وثيقة مع جميع الأطراف. ولذلك فإن صمت الهند في الأيام الأولى من الحرب أعطى فرصة للمحللين وشخصيات المعارضة لانتقاد سياسة مودي الخارجية. وأدى إغلاق إيران لمضيق هرمز إلى تفاقم الانتقادات وأثار الخوف في الأسواق. لكن نيودلهي، التي جعلت من الحذر الدبلوماسي ميزتها، تعود مرة أخرى إلى السير على طريقها بما يتفق مع مصالحها الوطنية، وتطرح عناوين الصحف المحلية سؤالاً مؤثراً: “لماذا لم تدن الهند مقتل خامنئي حتى الآن؟”. وقالت سونيا غاندي، إحدى أبرز الأصوات في حزب المؤتمر، في مقال افتتاحي إن عدم تقديم التعازي لا يعني الحياد، بل التخلي عن مبادئ السياسة الخارجية للهند. وسأل ابنها راهول غاندي: هل تدعم الهند اغتيال زعيم دولة؟ الواقع معقد. وانتقد سانجاي سينغ زعيم حزب AAP صمت الحكومة في نيودلهي تجاه الهجمات الأمريكية والإسرائيلية في إيران وقال: “قل أي شيء عن طغيان أمريكا وإسرائيل يا سيد مودي … طغيان أمريكا، الدكتاتور العالمي، سوف ينتشر في جميع أنحاء العالم”. وجاءت هذه الانتقادات في وقت خلص فيه المحللون إلى أن الهند تغير استراتيجيتها وتقع تحت جناح الغرب. لكن الواقع يتكون من الانقسام الثنائي (الأبيض والأسود) الذي يقدسه العصر الحديث. وفي حين يُنظر إلى الصمت في بعض الأحيان على أنه ضعف في المجال العام، فإن الدبلوماسية يمكن أن تكون استراتيجية محسوبة. إن توقيت الهجوم الحاسم على إيران، بعد أيام قليلة من إعلان مودي على منصة الكنيست أن “الهند تقف بحزم إلى جانب إسرائيل”، لم يترك أي مجال لإدانة مدوية، خاصة مع امتناع دول المنطقة نفسها عن القيام بذلك. وبالإضافة إلى ذلك، كان المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي، الذي اغتيل في اليوم الأول للحرب، أحد أبرز الأصوات المعارضة للهند في قضية كشمير. وبحسب مصادر حكومية، فإن خامنئي تدخل في شؤون الهند الداخلية أربع مرات في الأعوام 2017-2024 وتبنى الرواية الباكستانية، ما أدى إلى استدعاء ممثلين إيرانيين لتوبيخ المحادثات في نيودلهي. لكن في مواجهة موجة الاحتجاجات الشيعية والسنية في شوارع الهند، والخوف من اندلاع صراع طائفي، اختارت الحكومة في نهاية المطاف إرسال مسؤول صغير لتقديم التعازي في السفارة الإيرانية، وهكذا أُغلقت القضية. ولكن بالإضافة إلى القلق بشأن التسعة ملايين مواطن هندي الذين يعيشون في دول الخليج التي تعرضت للقصف، والذين يرسلون تحويلات مالية بالمليارات إلى أسرهم في الهند، حيث يتعرضون للتهديد، فإن الهند مضطرة إلى التعامل مع أزمة أخرى ذات تداعيات خطيرة على نموها الاقتصادي: إغلاق مضيق هرمز. ولا تزال الهند، التي تعتمد بشكل كبير على النفط والغاز من الشرق الأوسط على الرغم من خططها الطموحة لتنويع مصادر الطاقة، تجد نفسها تتحمل عبء حرب لم تكن طرفا فيها. والهند هي ثالث أكبر مستورد للنفط في العالم وثاني أكبر مستهلك للغاز المسال، ويأتي نصف استهلاكها من المنطقة، مما يجعلها معرضة للخطر بشكل خاص. إن ارتفاع سعر برميل النفط إلى ما فوق 100 دولار من شأنه أن يؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في الهند، ويؤدي إلى التضخم، وإضعاف العملة المحلية، الروبية، وزيادة العجز في الميزانية إلى حد كبير. إن مكانة نيودلهي الدولية تعتمد الآن على النمو الاقتصادي. ولهذا السبب بالذات، لا يمكن لاقتصاد ودولة بهذا الحجم أن تخاطر بالاعتماد على مصدر واحد فقط. تعد الهند حاليًا أسرع الاقتصادات نموًا في العالم ووجهة استثمارية رئيسية في طريقها لتصبح ثالث أكبر اقتصاد في العالم. ويكمن نجاحها في القدرة على تحقيق هذا الاستقرار الاستراتيجي، من خلال سياسة توزيع المخاطر، فضلا عن حكومة منتخبة لولاية ثالثة. وهذه العقلية هي التي دفعت نيودلهي إلى شراء النفط الرخيص من روسيا خلال الحرب مع أوكرانيا، رغم الضغوط الدولية. ومن الصحيح أيضاً الإشارة إلى استثمار شركة «ريلاينس» الهندية في إنشاء مصفاة للنفط في تكساس. ويضاف إلى ذلك قرار ترامب المفاجئ بمنح الهند استثناءً لشراء النفط الروسي لمدة ثلاثين يوماً في ظل الحرب المستمرة مع إيران. يأتي ذلك بعد المواجهات المستمرة مع إدارة مودي على مدى الأشهر الستة الماضية، والتي تضمنت فرض رسوم جمركية عقابية تصل إلى 25 بالمئة. ومع ذلك، فإن تصرف ترامب لا ينبع من حبه لمودي وتعاطفه مع التعقيدات التي تعاني منها الهند، بل من دافع عملي للحد من ارتفاع أسعار النفط ومعرفة أن الهند ستواصل العمل من أجل مصالحها الوطنية في جميع الأحوال. ومن المرجح أن تعود إلى شراء النفط من روسيا، بموافقته أو من دون موافقته. ويبدو أن نيودلهي تستغل رصيدها الاستراتيجي الذي بنته بعناية فائقة، وهو شبكة العلاقات الواسعة التي تحافظ على مسافة آمنة من جميع الأطراف. وهذه الاستراتيجية هي التي مكنت الهند من تأمين مرور ناقلتي نفط في مضيق هرمز، بالتنسيق والموافقة مع إيران. وقد أوضح وزير الخارجية الهندي سوبرامانيام جايشانكار أن هذه ليست اتفاقية إطارية شاملة، بل هي دراسة متأنية لكل حالة. وتشير العديد من التقارير إلى أن هناك صفقة مقايضة يجري العمل عليها سرا، تتمثل في تزويد الهند بمعدات طبية مقابل إطلاق سراح ثلاث سفن إيرانية سمحت لها بالرسو على شواطئها عندما اندلع الصراع نهاية فبراير/شباط الماضي. إن دعوة ترامب للدول الأخرى للمشاركة في تأمين مرور السفن في مضيق هرمز وتخفيف العبء عن الولايات المتحدة كانت ستشكل خطأ استراتيجيا لو كانت موجهة ضد الهند. إن دفع نيودلهي إلى التدخل العسكري الفعلي من شأنه أن يجعلها طرفاً مباشراً في الصراع، وهو السيناريو الذي يتعارض مع مصالح كافة الأطراف، لأن الهند ربما تكون “الورقة الرابحة” الوحيدة المتبقية للتوسط في الحالات القصوى. ومن ناحية أخرى، تستمر الهند في توخي الحذر في خياراتها، فتعمل على تأمين مصالحها المباشرة في حين تعد نفسها بهدوء للمستقبل. هآرتس 22/03/2026



