اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-18 22:03:00
يتنقل وائل الزين، مدرس اللغة الفرنسية، بين ثلاث مدارس في قريتي حزانو وكلي بريف إدلب، على دراجته النارية نحو عشرة كيلومترات يومياً لاستكمال نصابه الدراسي. ولم يكن هذا الحراك اختيارا، بل نتيجة مباشرة لتراجع عدد الفصول في مادته، بعد أن قررت وزارة التربية تقليصها. يقول وائل: “في كثير من الأحيان لم أتمكن من رفع صوتي أثناء إعطاء الدرس بسبب نزلات البرد وبحة في الصوت”، مضيفا: “لم أكن مضطرا للذهاب في هذه الرحلة قبل قرار تخفيض دروس اللغة الفرنسية”. وفي سرمدا، تبحث فاطمة الأحمد، معلمة اللغة الفرنسية، عن محتوى على اليوتيوب لتعليم الرياضة، في محاولة لتعويض النقص الحاصل في صفوفها. تقول: “الأمر يحتاج إلى علم لا أعرفه، وإتقان الحركات وكيفية تعليمها أمر في غاية الصعوبة”. أما عزام المصطفى، خريج قسم اللغة الفرنسية في جامعة حلب، فيحمل وثيقة تخرجه التي يصفها بـ”الهامشية”، قائلاً: “أبحث عن عمل بعيد عن التخصص لحفظ ماء الوجه على أقل تقدير”. ثلاثة مشاهد لمدرسين وطلاب تلخص واقع تدريس اللغة الفرنسية في المدارس السورية، بعد أن قررت وزارة التربية مع بداية العام الدراسي الحالي تقليص صفوفها واعتبارها مادة ثانوية غير رسوب بعد أن كانت لغة ثالثة إلى جانب اللغتين العربية والإنجليزية منذ سنوات. وفي الصفوف الإعدادية والعاشر والحادي عشر انخفضت الفصول من ثلاثة إلى فصلين، بينما في البكالوريا الأدبية انخفضت من أربعة إلى فصلين، وفي البكالوريا العلمية من خمسة إلى فصلين فقط. رحلة لاستكمال النصاب أو ترك المهنة. تدريس اللغة الفرنسية وحده لم يعد كافيا ليحافظ المعلم على نصابه أو حتى على مكانته داخل المدرسة. بالنسبة لبعض معلمي المواد، أصبح الخيار يقتصر على استكمال النصاب بمواد لا علاقة لها بتخصصهم، أو ترك المهنة والبحث عن وظيفة أخرى. وفي ريف حلب الشمالي، تم تكليف أمل الحمد، معلمة لغة فرنسية، بتدريس اللغة الإنجليزية بالإضافة إلى مادتها الأصلية. وتقول إنها اضطرت إلى اللجوء إلى اليوتيوب لتتعلم كيفية نطق الكلمات الإنجليزية بشكل صحيح، ومراجعة القواعد والأزمنة، كما طلبت المساعدة من زملائها معلمي اللغة الإنجليزية. وتضيف أمل: “أخاف أن يسألني أحد الطلاب سؤالاً لا أستطيع الإجابة عليه، فشعور المعلم بعدم الثقة يعيق أدائه”. وفي ريف إدلب، لم يكن تدريس الرياضة أقل صعوبة من تدريس اللغة الإنجليزية لفاطمة الأحمد، معلمة اللغة الفرنسية، التي خصص لها عدد من الحصص الرياضية لاستكمال نصابها، بعد أن تم تخفيضها من 34 حصة إلى 10 حصص فقط. تقول فاطمة إن إتقان الحركات والأوضاع وأسماء التمارين لم يكن سهلا، مضيفة أنها تلجأ أحيانا إلى استخدام الأرقام الفرنسية أثناء العد، أو بعض المفردات الفرنسية المتعلقة بالاتجاهات، وكأنها تحاول التشبث بما تبقى من علاقتها بتخصصها. وتقول: “لم أنس بعد أنني معلمة لغة فرنسية”. لكن بالنسبة لآخرين فإن تحقيق النصاب لم يعد ممكنا أو مقنعا. معمر الخضر، مدرس اللغة الفرنسية السابق، اختار ترك المهنة بشكل نهائي بعد خيبة أمله من تقليص ساعات المواد. وتنقل الخضر، الذي عمل سابقاً في مدرسة اليرموك في كفرنبل بريف إدلب، بين أكثر من مهمة ضمن وزارة التربية، من مدرس لغة فرنسية إلى مدرس صف في الحلقة الأولى، قبل أن يبدد قرار تقليص حصص اللغة الفرنسية أمله في العودة فعلياً إلى تخصصه. ويقول: “أبحث عن الاعتراف ولم أجده فأنا مدرس في وزارة التربية والتعليم”. أما وائل الزين، الذي كان يتنقل بين ثلاث مدارس يوميا لاستكمال نصابه، فانتهى به الأمر أيضا إلى استكمال دوامه في مدرسة واحدة، ولكن بتدريس مواد أخرى لا علاقة لها بتخصصه. في المقابل، تبرر مديرية التربية في إدلب هذا التغيير بالقول إنه جاء ردًا على ما تصفه بـ”الواقع التربوي”. وفي تصريح لمحمد حلاق مدير مكتب العلاقات العامة في المديرية، قال إن قرار تخفيض عدد دروس اللغة الفرنسية جاء “بعد دراسة الواقع التعليمي في سوريا، وبما يتناسب مع عدد الطلاب الراغبين بدراسة لغة ثانوية إلى جانب اللغة الإنجليزية، وعدد الكادر التعليمي في المدارس”. وبحسب الحلاق، فإن القرار “لم يؤثر سلباً على المعلمين أو العملية التعليمية”، مشيراً إلى أن عدد معلمي اللغة الفرنسية محدود، و”لا يوجد نصاب قانوني في المدارس المختلفة”. بل يتم تكليف معلمي اللغة الفرنسية بإكمال نصابهم داخل مدارسهم في مواد أخرى كالرسم والرياضة. ويصف الحلاق هذا الإجراء بأنه “خطوة مؤقتة ومؤقتة تتماشى مع واقع اليوم التعليمي، وقد يتم إدخال تعديلات عليه لاحقاً”. عودة قصيرة إلى الفرنسية. وشمل قرار تقليص حصص اللغة الفرنسية المحافظات السورية كافة، لكن محافظة إدلب كانت لها تجربة خاصة بدأت بتهميش قسم اللغة الفرنسية في الجامعات مع إشاعات إلغاءه، في عهد حكومة الإنقاذ التي أصدرت وزارتها قبل ستة أعوام تعميماً يقضي بإلغاء تدريس اللغة الفرنسية في المدارس نهائياً، وتوزيع معلميها على وظائف إدارية أو معلمين للدورة الأولى، ما أثار غضبهم ودفعهم إلى الاحتجاج، مطالبين بإعادة اللغة الفرنسية إلى المناهج التعليمية. وعادت اللغة الفرنسية كمادة مدرسية إلى إدلب بعد سقوط نظام الأسد، نهاية عام 2024، لتصطدم من جديد بقرار وزير التربية السوري، محمد تركو، الذي أثار غضب مدرسي اللغة الفرنسية، الذين احتجوا عليه وطالبوا بالعدالة وإعادة النصاب إلى ما كان عليه. ورافق تقليص الفصول تعديل في مناهج تدريس اللغة الفرنسية، من منهج Horizon المعمول به منذ سنوات، إلى منهج EMAR الأكثر شمولا وأوسع من سابقته، حيث يحتوي على الفهم الشفهي والكتابي والتعبير الكتابي، الذي يتطلب، بحسب خبرتهم التدريسية، ساعات أطول مما كانت عليه سابقا، بدلا من تقليصها. ولم يقتصر القرار على تخفيض ساعات تدريس اللغة، بل حولها إلى مادة غير رسوب، أي أنها لا تدخل في قياس درجات عمل الطالب في نهاية العام، كما كان الحال مع التربية الدينية أيام النظام السابق. إلا أن مادة التربية الدينية احتسبت مادة راسب، في حين لم تدخل في مجموع الدرجات، وهي بذلك أفضل حالا من زميلتها الفرنسية. يرى البروفيسور حسن الموسى، مدرس اللغة الفرنسية المتخصص في إدلب، أن “أي مادة لا راسبة لا تحظى بالاهتمام الكافي من قبل المعلمين أو الطلاب”، وأن ذلك “سيولد إهمالاً من جانب الطلاب، ما سيؤثر سلباً على العلاقة بين المعلم والمتعلم، وسينعكس سلباً على إدارة الصف، وهو ما سيخسره المعلم”. وعن تقليص حصص اللغة الفرنسية، يؤكد الموسى أن «الحصص قليلة جداً، وأن تدريس أي لغة لا يعني الحفظ عن ظهر قلب، بل قدرة المتعلم على المناقشة والحوار، ما يتطلب توفير ساعات أكثر، وليس تقليلها». الطلاب الذين تحدثنا معهم يفضلون اللغتين الإنجليزية والفرنسية. ومنهم من رأى أن اللغة الفرنسية سهلة وقريبة من اهتمامهم، مما جعلهم يفضلونها، خاصة أن “أسئلتها النموذجية أسهل من الإنجليزية”، بحسب الطالب خالد برجو، فيما يرى آخرون، ومنهم عثمان الإسماعيل، وهو طالب في المرحلة الثانوية، أن اللغة الإنجليزية لها مستقبل أفضل من اللغات الأخرى. ويقول: “أنوي تقديم امتحان اللغة الإنجليزية في الشهادة الثانوية، ولن أضيع وقتي في دراسة اللغة الفرنسية التي أصبحت مادة غير رسوب ولن تنفعنا في حياتنا لاحقاً”. المرشد الموسى يقترح على وزارة التربية اعتماد اللغتين الفرنسية والإنجليزية جنباً إلى جنب، وترك للطلبة الاختيار بينهما. شهادات على الهامش لا يبدو أن تأثير القرار يقتصر على المعلمين الحاليين فقط، بل يمتد أيضًا إلى الطلاب والخريجين الذين وجدوا أنفسهم أمام تخصص يتراجع وجوده في المدارس، بينما تضيق فرص العمل المرتبطة به. ويحمل عزام المصطفى وزارة التربية مسؤولية ما يصفه بـ”المستقبل المجهول لطلبة وخريجي اللغة الفرنسية”، ويرى أن قرارها “غير مدروس”، بعد أن تحولت شهادات خريجي هذا التخصص، بحسب قوله، إلى ما يشبه “الورق المعلق على الجدران”. وأضاف: «قرارات وزارة التربية غير المدروسة أفقدت فرص العمل لكل من درس في هذا القسم»، مشيراً إلى أن معلمي المادة المثبتين أنفسهم يبحثون الآن عن نصابهم بين دروس الرسم والرياضة. أما لمياء سارج، طالبة السنة الثالثة في قسم اللغة الفرنسية بجامعة حلب، فتقول إن قرار وزارة التربية بدد فكرتها السابقة في أن تصبح معلمة. وتوضح أنها تتجه الآن للتخصص في الترجمة، آملة أن تجد فرصة عمل في وزارة الخارجية إذا تمكنت من إثبات تفوقها، مضيفة: “الوظائف الكبيرة لا تمنح لمن يريدها”. من جهة أخرى، يحاول نائب وزير التعليم العالي الدكتور محمد السويد، طمأنة طلاب أقسام اللغة الفرنسية في الجامعات السورية. وقال في تصريح لراديو فريش إن اللغة الفرنسية “ستبقى كما هي اللغات الأخرى دون تعديل”، وأن معدل القبول الجامعي للطلبة الجدد سيبقى كما هو. وأضاف السويد أن “عدد مقاعد اللغة الفرنسية في كافة الجامعات السورية لم يتأثر بقرار وزير التربية، فهو قسم كباقي الأقسام، ولا يمكن إلغاؤه بأي شكل من الأشكال، ومستقبل الخريجين هو نفس مستقبل الخريجين الآخرين”، دون توضيح ما يعنيه ذلك عملياً فيما يتعلق بفرص العمل أو مسار الخريجين بعد التخرج. بالمعنى الأوسع، لا تبدو اللغة الفرنسية لغة هامشية في حد ذاتها. وهي لغة رسمية في 29 دولة، ويتحدث بها أكثر من 300 مليون شخص حول العالم. وفي سوريا، أصبحت إلى جانب اللغة الإنجليزية جزءاً من المسار التعليمي والجامعي منذ عام 1921، قبل أن تدخل لغات أخرى مثل التركية والروسية والإيرانية والألمانية وغيرها من اللغات التي فرضها الواقع السياسي أو الاقتصادي إلى المشهد التعليمي في السنوات الأخيرة. في حين أن مستقبل اللغة الفرنسية في سوريا لا يزال معلقاً في الهواء، فمن المرجح أن تستمر فاطمة الأحمد في العد لطلابها أثناء التمارين: “un، deux، trois” بدلاً من “واحد، اثنان، ثلاثة”، كما لو أنها تحاول إبقاء اللغة حية، حتى لو كانت خارج مكانها الطبيعي على سبورة الفصل الدراسي. تم إنتاج هذا التقرير ضمن ورشة عمل صحفية مشتركة لشبكات الإعلام والصحافة التعاونية في سوريا، نظمتها مؤسسة MICT الإعلامية بالتعاون مع 12 مؤسسة إعلامية سورية مستقلة.



