اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-19 12:42:00
بقلم عمر العمر لو خصص الحاضرون في برلين مؤتمرهم لبحث آليات إطفاء الحرب السودانية لحققوا إنجازا. ومع ذلك، وبما أنهم فضلوا النسج بنفس طريقة أسلافهم – لندن وباريس – فليس سوى ثلث الأبيات. كل حديث عن الأزمة السودانية التي تسبق الحرب يضع العربة أمام الحصان. واختتم مؤتمر برلين بوثيقة شددت على ضرورة وقف الحرب وتعهدات بمليار دولار و300 مليون يورو لدعم الجهود الإنسانية. كما وافق المجتمع المدني على إقامة عملية سياسية تؤدي إلى السلام الدائم. ومن أولويات العملية السياسية المستهدفة معالجة (جذور الأزمة)، وتثبيت ميزان العدالة، وكبح خطاب الكراهية. وهي استنتاجات رائعة في سياق الأدب السياسي، لكنها رغبات بعيدة المنال في ظل الواقع السوداني البائس. وقدم أنصار المعسكر الانقلابي خدمات مجانية للترويج للمؤتمر قبل وأثناء انعقاده باستخدام التصريحات غير المسموح بها في وسائل الإعلام والتظاهر المضاد. فالمؤتمر ليس محراثا في البحر، لكنه جهد متواضع لا يرقى إلى مستوى صب الماء على النار. ولم يحل الأسئلة السودانية الأكثر إلحاحا في هذه الساعة. ودون التشكيك في وطنية قوة المؤتمرات، فمن حق كل سوداني أن يتساءل عما إذا كان المجتمعون لديهم القدرة على حفر مخرج من الأزمة المشتعلة للشعب والوطن. هذا سؤال نابع من ارتباط معظم الوجوه -إن لم يكن جميعها- بطيات (جذور) الأزمة، أو ربما بالحرب نفسها. كما يواجهون أسئلة منطقية حول الفشل في تحقيق العدالة بعد يوم من توليهم مناصب في قمة السلطة الثورية. كما أنهم مطالبون بممارسة النقد الذاتي من أجل تنقية أنفسهم من التفريط في مكتسبات ثورة شعبية بذلت وضحت بسخاء. ولم يكن مؤتمر برلين نفسه خاليا من مثل هذه التشوهات، إذ رفضت حفنة أن يكمل مشهد التضامن الجماعي بالصورة التي أرادها له. رغم أنه قيل أن هذه المجموعة من ضمن القيمة المضافة للمؤتمر! وهناك دول ومنظمات دولية شاركت في المؤتمر – وهي مشكورة – من منطلق إنساني. وهناك دول قدمت تعهدات مالية – وهي ممتنة لها – ولكن الوفاء بها ليس مضمونا. أما الحكومات والمنظمات الإقليمية المشاركة في تفكيك الأزمة فهي أندية سياسية خرابية لا أمل خلفها. وتشمل هذه الدول الاتحاد الأفريقي، وجامعة الدول العربية، والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (IGAD)، والدول المجاورة. ومن بين هذه الدول بريطانيا وفرنسا وألمانيا. الاتحاد الأوروبي وأميركا في حيرة حالياً بشأن مضيق هرمز. ومع ذلك، يظل السؤال العالق يتعلق بكيفية تأمين تدفق المساعدات الإنسانية بحيث تصل إلى ملايين النازحين في السودان. أولئك الذين جرفتهم الحرب القذرة خارج الحياة الحديثة وقد تقودهم إلى «العصر الحجري». الجواب الحاسم يتحدث عن ضرورة إطفاء نار الحرب أولا. وأي جهد خيري يسبق إحلال السلام لن يشفي معاناة المواطن. أطراف المتقاتلة تستخدم كل عون أداة للابتزاز والاكتناز، ووزير المالية يتربص بالمساعدات المالية. وهذا واقع يتطلب من القوى المدنية السودانية استكشاف أي آليات متاحة على المستوى الدولي لتحقيق هذا الهدف النبيل والعاجل. إن كل جهد لا يهدف إلى وقف الحرب يمكن تقديره، لكنه بالتأكيد غير كاف لنيل شرف تفكيك الأزمة الوطنية. وكعادته يفقد النظام الانقلابي الحكمة والمنطق عندما يدين المؤتمر باعتباره تدخلاً أجنبياً غير شرعي. النظام نفسه لا يفتقر إلى الشرعية فحسب، بل إنه مذنب بانتهاك الدستور. ومن ثم، فإن إصرارها على مواصلة «حرب الكرامة» يهدر كرامة الشعب والأمة والدولة. وهو يفعل ذلك أيضاً من خلال رفض قبول المساعدات الإنسانية خارج شروطه التي لا تقيدها الأطماع الشرهة لوزير المالية. ويتعمد النظام تجاهل معاناة ملايين السودانيين في ملاذات النزوح واللجوء. أي كرامة يتحدث عنها المرتعشون في وسائل الإعلام والمنابر السياسية؟ لا يمكن لأي عاقل أن يراهن على حدوث انفراجة في مؤتمر برلين. إنه الشخص الثالث الذي لم يقدم أي شيء من شأنه أن يجعل مثل هذا الرهان منطقيًا. إن المكسب الأكبر للقوى المدنية هو إظهار قدرتها على التحرك في الفضاء الدولي. ولو كانت السلطة تتمتع بقدر من الحكمة، لما أثارت كل هذه الضجة الفارغة لولا عرقلة المؤتمر. بل على العكس من ذلك، ساهمت في منحها زخماً على المستوى الداخلي والخارجي ووسعت نطاق صدىها. يعد الخلاف السوداني الثابت تجاه مؤتمر برلين أحد أعراض علل المجتمع خلال مرحلة الاضطراب الحالية. ومع كل بصيص من فتح نافذة في جدار الأزمة المتفاقمة، يتصاعد إنذار غير مبرر من كافة الأطراف. وهذا مؤشر يؤكد تآكل الثقة وعمق الانهيار داخل المجتمع ككل. وتنتشر خلال الاضطرابات الكبرى أمراض نفسية مختلفة، كالاكتئاب والبطالة، والإرهاب والخوف، والجوع والأوبئة، والانحطاط والشجار. وللانحدار الاقتصادي تاريخ طويل في هذه النكسات. لكن المرض الأخطر قد يكون فقدان ثقة المجتمع بالدولة، مع تراجع علاقات الشعب بالمؤسسات الرسمية والشعبية. إن الأطراف تدرك بالفعل القيود المفروضة على نتائج مؤتمر برلين. وفي هذا الصدد، يتساوى دعاة المؤتمر ومؤيدو النظام. لكن حرارة الخلاف لا ترتفع نتيجة رد فعل مباشر على نتائج المؤتمر، بل نتيجة حمى سبقت شفاءه، كما حدث مع أمثاله من قبل. ولا يقتصر انهيار الثقة على إصلاح النظام أو تغييره، بل على فقدان الثقة في إمكانية العودة إلى السودان القديم. ومع تفاقم الأزمة، يتفاقم الشعور بخيبة الأمل مع ظهور قيادة من داخل معسكر النظام تمتلك المؤهلات اللازمة لإخراج الشعب من المتاهة، أو قيادة على التلة المقابلة قادرة على بناء البديل. إن استعادة ثقة الجمهور لن تأتي من خلال مسارات نموذجية. إن تأطير العمل الإنساني كمدخل لإنهاء الحرب هو تفكير تقليدي غير فعال يواجه من خلال التجربة أكثر من عقبة وعائق. ولعل أولها غطرسة الانقلابيين وتشرذم القوى المدنية. ذلك السياق المهترئ للواقع السوداني يجعل تقديم المساعدات الإنسانية لوقف الحرب على خطى الشعراء، وليس نهج السياسيين. إن الأولوية القصوى والأكثر حسماً على طريق الخروج من هذه المحنة القاسية ينبغي تكريسها لوقف الحرب. هذه مهمة تتطلب بناء المواقف. فعندما تشرق أشعة السلام يصبح من الممكن زرع بذور كل الحلول لكل القضايا على أرض الواقع وليس في البيانات. وعلى القوى المدنية أن تتجاوز مرحلة الاكتفاء بالأحداث الموسمية. وإلا فإن الذكرى الرابعة لاندلاع الحرب على عليها ستحل في عاصمة مختلفة! إن تحويل العمل السياسي إلى نشاط موسمي لا يصنع تاريخاً مجيداً. وإذا كانت مثل هذه المؤتمرات تبقي جمر القضية السودانية مشتعلا، فالأهم أن يبقى جمر ثالوث الثورة – الحرية والسلام والعدالة – مشتعلا في ذهن ووجدان القوى السياسية. نقلا عن العربي الجديد aloomar@gmail.com




