اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-20 10:34:00
لم أجد وصفا ساخرا أكثر قسوة للحرب من عبارة “كل شيء هادئ على الجبهة الغربية” التي أنهى بها الروائي الألماني إريك ماريا مارك روايته “كل شيء هادئ على الجبهة الغربية” التي صدرت عام 1930 كأقوى إدانة للحرب العالمية الأولى. وكان الكاتب قد انضم كمقاتل بين المقاتلين الذين شاركوا طوعا مع جيش بلاده خلال تلك الحرب، في حين ظلت هذه الرواية مطبوعة في ذهني منذ أن قرأتها عندما كنت طالبا في المرحلة الإعدادية. سبحت الرواية ضد التيار الشعبوي الكاسح في ألمانيا آنذاك، وأزاحت غطاء النفاق عن «الروايات الكاذبة» للحروب، وكشفت زيف الشعارات اللامعة، وأظهرت عيب الدعاية القائمة على غياب العقول. وأرسل كاتب التقرير رسالته المشفرة إلى القيادة، قائلاً كذباً: “كل شيء هادئ في الساحة الغربية، في الوقت الذي كان بطل القصة وراويها يلفظان أنفاسهما الأخيرة على جبهة القتال الهادئة نفسها!”. وتشبيهاً بين النص الروائي وحربنا التي دخلت عامها الثالث، نجد أن الحروب لا تقتصر على المواجهات المسلحة، بل تمتد إلى الحروب الفكرية والإعلامية التي تستخدم فيها الكلمات والأفكار للتأثير على الرأي العام وتشكيل الروايات. يقول الكاتب الفرنسي ديفيد كولون، في كتابه “معلومات الحرب”.. كيف تسيطر الدول على عقولنا؟ إلى عالم مخيف تجري فيه المعارك بوسائل غير مرئية، من الصور المصممة لزرع الشك، إلى الأخبار الكاذبة الأكثر إقناعا من الحقيقة، ثم الخوارزميات التي تصوغ المشاعر السياسية على مقياس المصالح الوطنية. وقال الكاتب بحسب موقع الجزيرة “أصبحنا نخوض حربا لم نحسب لها حسابا، لا إعلان لها، ولا جبهات، ولا أعداء واضحين”. إنها حرب بلا نهاية، لأن سلاحها هو المعلومات نفسها، ولأن مجالها الأوسع هو الإنسان – أنت وأنا – عندما نصبح الهدف والوسيلة في نفس الوقت. وفي رواية «كل شيء هادئ على الجبهة الخارجية»، انضم البطل مع سبعة شبان لم يتجاوزوا العشرين من العمر في حرب المحور والحلفاء، ردًا على الدعاية الألمانية وشعاراتها الرنانة وخطابات ساستها الرنانة والروايات الكاذبة والقصص المضللة وتلفيق الخطابات. أو كما قال الشاعر: أرى تحت الرماد وميض الجمر… والنار تكاد أن تحترق. بالقسمين تبدأ الحرب بالكلمات. بدأت كلمات الحرب في السودان منذ سقوط رأس النظام المخلوع عمر البشير، باستهداف الفترة الانتقالية، حيث نظمت بقاياه حملات منظمة عبر وسائل التواصل الاجتماعي تهدف إلى تخريب عملية الانتقال السلمي والتحول الديمقراطي والحكم المدني، ونشطت حملات لتحطيم معنويات الثوار، وفقدان الثقة، وإشعال نيران الفتنة، وإثارة الفتنة، وإحداث البلبلة بين معسكر الحراك. الحزب الديمقراطي. ظلت الآلة الإعلامية للفلول تضخ حملاتها الكاذبة، التي بلغت ذروتها بالتجمعات للإفطار في شهر رمضان المبارك، والتي لم تخف أجندتها في مهاجمة الفترة الانتقالية، ولو كان ثمن ذلك حرق البلد بأكمله. كانت هذه المؤشرات الأولى للحرب اللعينة. بل كانت تمثل شرارات نار ظلت مختبئة تحت الرماد داخل النفوس المشحونة، وخرجت تلك المؤشرات من نفس المجموعة التي مارست الإسقاط. النفسية، كآلية دفاع لغرض الهروب من تحمل تبعات التورط في إشعال لهيب الحرب، فسعوا إلى “تجريم الأطراف الأخرى وتحميل القوى المدنية المسؤولية عن طريق اختلاق الأكاذيب ونفخ روحها، لتنتشر النار في الهشيم، وتصبح روايتهم الكاذبة حقائق”. واستخدم الإسلاميون استراتيجية “التلاعب بالعقول”، وهي عملية معقدة تتضمن استخدام التقنيات النفسية والاجتماعية والتكنولوجية بهدف التأثير على وعي الجمهور المستهدف، والسيطرة على مشاعره وسلوكه. وبالتالي تشكيل مواقفهم السياسية والاجتماعية. وتستخدم الاستراتيجية الوسائل التقنية الحديثة، مثل وسائل التواصل الاجتماعي، لنشر بعض الأخبار ومقاطع الفيديو والصور ونشرها بشكل متكرر، ونشر الشائعات التي يكون الناس على استعداد لتصديقها بناءً على التمني في أوقات الكوارث والحروب الطبيعية والبشرية. كما تستخدم الإستراتيجية المؤثرات النفسية لإثارة مشاعر الخوف والغضب في نفوس الجمهور المستهدف. وتستغل هذه الاستراتيجية “بعض القيم الاجتماعية المعيارية التي تشكل مبادئ عامة للمجتمع، مثل قيم “الشرف والشرف والكرامة”، وتمارس ضغوطات مجتمعية على المستهدفين، تصل ذروتها بالابتزاز العاطفي، وطبعها ببصمات “الخيانة والعمالة والارتزاق”. وتؤدي استراتيجية «التلاعب بالعقول» إلى إرهاق العقل وفقدان التركيز، فيذوب عقل الفرد في عقل الجماعة، فتمارس «آليات الدفاع» في التماهي مع السائد، مما يسهل عملية السيطرة. ثم يصاب بما يمكن أن نسميه متلازمة “عجز التفكير الجدلي”، فيتعامل مع القضايا بازدواجية (أبيض وأسود)، منعزلا وفاصلا بين المقدمات والنتائج، أو بين الأحداث والأسباب. وسأستدل هنا على كيفية التعامل مع التحذيرات التي صدرت عن رئيس مجلس النواب بابكر فيصل بسبب عدم التوصل إلى تسوية عبر اتفاق الإطار، وبدلا من فهم البيان كما أراد فيصل، نشطت آلية الدعاية الإسلامية في إخراج البيان من سياقه الصحيح، ونشطت مواقع سفرائهم في نشر خطاب الرجل على شكل تهديد بـ”الإطار أو الحرب” بدلا من التحذير. ومن المؤكد أن كل من سمع كلام فيصل فهم تماماً أن القصد كان «التحذير من وقوع الحادثة، وليس التهديد بها». وهذا بمثابة تحذير لأهالي منطقة تشهد تدهوراً بيئياً! فالناموس يتكاثر ويتكاثر فيها، فتقول لهم: “إما أن تجففوا المستنقعات أو ستدمركم الملاريا”، أو مثل حث الدولة على دعم المزارعين، فتقول: “الزراعة أو المجاعة”. ولا يخفى على أحد أن إخراج الحديث عن سياقه لم يكن عملا بريئا، بل كان عملا متعمدا يهدف إلى التلاعب بعقول المواطنين، من خلال اللعب على أوتار المشاعر القوية، واستغلال عواطف الجماهير وعواطفها وسماتها، بحسب تعريف الفيلسوف الفرنسي غوستاف. وذكر لوبون في كتابه «سيكولوجية الجماهير» أن من سمات الجماهير سرعة الانفعال، والغضب، وعدم القدرة على الحكم العقلاني، وذوبان الرأي الشخصي في رأي الجماعة، وغياب الروح النقدية، والمبالغة في إظهار العواطف والمشاعر. وتبقى الجماهير دائما عرضة للتحريض، ودغدغة المشاعر، والتخطيط لعملية التلاعب بعدادات “العقل الجمعي، لغرض التعبئة والتعبئة. يستغل المخططون عدة عناصر في عملية التعبئة، وتشكيل ما يعرف بالكتلة الحرجة. وعناصر الدين والعرق تأتي في السودان. وعلى رأس عناصر التعبئة رأينا محاولات استعادة التاريخ والثورة «المهدية» والحديث عن «عرب المهجر» حتى تنجح خطة «التقسيم المجتمعي». وتزداد فعالية هذه العناصر إذا ارتبطت بمؤامرة خارجية وخطر وجودي يهدد الوطن. وسبق أن استخدم الزعيم النازي أدولف هتلر في دعاية الحرب قاعدة تقول: “إذا أردت السيطرة على الناس، أخبرهم أنهم في خطر، وحذرهم من أن أمنهم مهدد، وأن المعارضين خونة وعملاء”. وفي حرب السودان، نجح الإسلاميون في بناء رواية دقيقة، مستغلين سلوك قوات الدعم السريع، وهي القوة التي خرجت من رحم جيشهم، ولكي تكون «السردية» جذابة ومؤثرة، هيأوا لها مسرح الجريمة، ثم استدرجوا قوى الشر جنوبًا من الجزيرة إلى سنار، وتركوها تفعل ما تريد، وتعبث بكل شيء؛ لكسر حصار الحاميات العسكرية بالخرطوم، وتسجيل نقاط سياسية بالحديث عن حقوق الإنسان وانتهاكات الجنجويد، ودعم القوى المدنية في ذلك. وقبل أن تنطلق الطلقة الأولى من فوهة بندقية جندي، واصلت الآلة الدعائية الضخمة إرسال رسائلها عبر وسائل التواصل الاجتماعي لنشر خطاب الكراهية العنصرية، وخلق الفوضى، وعسكرة الفضاء العام، والعمل على تطبيع المواطنين مع ثقافة العنف المعنوي والجسدي. ووسط هذا الهياج، كان من الطبيعي أن تتلاشى سطور الأصوات العقلانية، لتطفو في المقابل. تظهر «روايات الخداع والتضليل»، وتتراجع أسئلة البحث عن الحقيقة، مثل: لماذا الحرب؟ ومن أشعل نارها؟ هل بدأت الحرب صباح الخامس عشر من أبريل 2023؟ هل بدأت الحرب بانتشار قوات الدعم السريع وانفتاحها على الشمال ومحاصرتها لقاعدة مروي؟ أم مع ذهاب قائد الدعم السريع إلى دارفور؟ وما أسباب تعبئة الإسلاميين بقيادة أنس عمر، وناجي عبد الله، ومحمد علي الجزولي، والحاج آدم، وإبراهيم محمود؟ وما هو التأثير؟ تلك الحملات لرفع مستوى التوتر؟ ثم ماذا عن خطابات الفتنة و«حاملي الحطب» قبل 15 نيسان؟ من أطلق الرصاصة الأولى في المدينة الرياضية؟ وما الذي جاء بقوات الجيش إلى معسكر الدعم السريع هناك فجر ذلك اليوم المشؤوم؟ ؟ هل كان هناك طرف ثالث يعلم أنه عند إطلاق الطلقة الأولى فإن كرة النار ستتدحرج بهذه السرعة؟ كيف خرجت قوات الظل وكتائب “البراء” منذ اليوم الأول لاندلاع القتال؟ ما مدى التأثير الإقليمي والدولي على الحرب سلباً وإيجاباً؟ إذن، ما علاقة «الاتفاق الإطاري» باندلاع الحرب؟ فماذا كان محتوى الاتفاقية؟ وهنا لا يساورني أدنى شك في أن نسبة كبيرة من المعارضين لها لم يعرفوا تفاصيلها، أو علموا بها فقط، وما زالوا يجهلون أحكامها بعد أن قتلتهم الدعاية وجعلتهم ضحايا لسرقة منظمة وجريمة ممنهجة. هناك مئات الأسئلة التي لا يجرؤ مروجي الحرب وصناعها على طرحها، مثل ماذا تحقق من الحرب في ثلاث سنوات؟ كم عدد الضحايا المدنيين هناك؟ كم عدد القتلى من الجانبين؟ متى سيعود اللاجئون والنازحون إلى مناطقهم؟ كيف عانى ملايين السودانيين وانتهكت كرامتهم بسبب الحرب؟ وبما أن الحرب لها آثارها على حياة الناس ومعيشتهم، فلا يمكن تجاهل الأسئلة المتعلقة بحجم التكلفة الاقتصادية، ومن بينها تدمير البنية التحتية، وتدمير المصانع، وضياع فرص الاستثمار، ونهب الموارد بما في ذلك “الذهب الدموي” والأسلحة والمؤن؛ ولكن بدلاً من إثارة مثل هذه الأسئلة، يستغل دعاة الحرب ومروجو الكراهية “إستراتيجية التلاعب بالعقول والسيطرة عليها” لصالح أجندة الحرب. ثم قم بتمرير روايتهم واكتب تقارير على مستوى: “كل شيء هادئ في هذا البلد الحزين”.




