تونس – عبد الحفيظ الهرمم – عبد الرزاق الكافي بين التشدد والظرف: ملامح من سيرة رجل الدولة (ألبوم الصور)

اخبار تونسمنذ 3 ساعاتآخر تحديث :
تونس – عبد الحفيظ الهرمم – عبد الرزاق الكافي بين التشدد والظرف: ملامح من سيرة رجل الدولة (ألبوم الصور)

اخبار تونس- وطن نيوز

اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-23 18:06:00

بقلم عبد الحفيظ الهرمم – تعود بداية علاقتي بسي عبد الرزاق -رحمه الله- إلى سنة 1977. وقتها كنت في بداية تجربتي المهنية كصحفي لوكالة أنباء تونس أفريقيا، بينما كان قد خرج لتوه من محنة الاعتقال ثم المحاكمة فيما عرف بقضية جماعة أحمد بن صالح، وهي إحدى مراحل محاكمات الرأي في تلك المرحلة من تاريخ تونس. وبقيت صورته، وهو واقف في قفص الاتهام، راسخة في الأذهان: فهو الوحيد من بين المتهمين الذي ارتدى العباءة، في حركة تواصلية ذكية لا تخلو من أهمية، إذ جذبت انتباه من لم يعرفه قبل من عرفه. وتساءل الكثيرون: من هو هذا الرجل؟ ما هي قصته؟ وكأنه يريد أن يحول لحظة المحاكمة إلى عمل رمزي، يذكر الرأي العام بما تنطوي عليه هذه المحاكمات من ظلم وظلم. لم تكن هذه تجربته الأولى مع التعليق. وسبق أن تم احتجازه لعدة أيام في زنازين وزارة الداخلية على خلفية “الرسالة إلى بن صالح”، كما تعرض لفترة للمراقبة الأمنية المشددة. لكن ما يلفت النظر في شخصيته هو قدرته على تحويل القيد إلى موضوع للسخرية: كان ينظر من نافذة منزله في شارع سيدي البشير إلى السيارة المتوقفة أمام المبنى، ثم يلتفت إلى صديقه وجاره المرحوم عبد العزيز بن عزوز، ويقول بروح مرحة: “يلا نوقف المجموعة من الملل، لنأخذهم في جولة إلى المارينا وسيدي بوسعيد!”… يدخلون إلى السيارة، ويتبعها «المراقبون»، وتبدأ الرحلة. عرفت الفقيد أثناء غيابه عن الحياة السياسية، بعد أن تولى مسؤوليات في صفوف الاتحاد العام لطلبة تونس وفي الحزب الدستوري الاشتراكي، ثم رئيسا لديوان وزير التربية الوطنية أحمد بن صالح، بصفته واليا لباجة. ورغم محنة العزل والإبعاد، ظل المناضل الوطني وفيا لأصوله الدستورية وقيم بورقيبة، متمسكا بحقه في التعبير، لا يخشى لوم أحد. كنت ألتقي به من حين لآخر في شارع الحبيب بورقيبة، حيث كان وجها مألوفا. هناك، في قلب العاصمة، جمع حضوره بين البساطة والألفة: بشاشة لا تفارقه، وحديث بارع، وكلمة رشيقة قوية. كما جمعتنا لحظات لا تنسى في القيروان، حيث شاهدنا مباريات فريق الشباب الذي ظل من أحبائه الأوفياء. في تلك الأجواء تعرفت أكثر على الشخص الودود، الجذاب، سريع البديهة، الرائع في الذوق، والأنيق في مظهره وسلوكه. سعدت جداً بعودته إلى عالم السياسة عام 1981، فهو جدير بتحمل المسؤولية من جديد. ولم يطل الانتظار حتى أسند إليه منصب وزير الإعلام في يونيو 1983، بعد أن تولى مهام ولاية جندوبة والإدارة العامة للإذاعة والتلفزيون. وكانت هذه العودة مقياساً للعدالة لرجل دولة لم تصبه الشدائد، بل زادته صلابة ونضجاً. وعندما التحقت بمكتبه في سبتمبر 1983، أتيحت لي الفرصة للتقرب منه، واكتشفت جوانب من شخصيته لا يمكن إدراكها من بعيد: الدقة في العمل، والوعي العميق بأبعاد المسؤولية، والصرامة الممزوجة بحس إنساني حساس وثقافة واسعة ومتينة، فضلا عن الاهتمام الشديد بالإدارة السليمة للمال العام، معتمدين على… وذلك لذكائه المتقد وذاكرته الأسطورية. كما أظهر قدرا كبيرا من المكر والبصيرة، مما مكنه، من موقع حساس مثل وزارة الإعلام، من التعامل مع أوضاع سياسية معقدة في وقت كانت حرب خلافة بورقيبة على أشدها. وصلت جرأته وثبات قناعاته إلى حد الامتناع عن استلام المكتب التنفيذي للمنظمة النقابية التي شجعت الحكومة على تأسيسها لمواجهة أزمتها مع الاتحاد العام التونسي للشغل بقيادة الحبيب عاشور. في الحياة اليومية، كما في مختلف مناصب المسؤولية، بقي الراحل شبيها بالإله الروماني يانوس، صاحب وجهين يشكلان، في رأيي، شخصية جذابة ذات وجهين: وجه تظهر فيه الصرامة والحزم والجدية، والآخر ذو اسم لامع، وهو ما يعكس ميلا غريزيا إلى الفكاهة والمقالب والدعابة. وهذا الجانب الثاني غالبًا ما يتغلب على الأول، حتى في أكثر الظروف حساسية وخطورة. ولنستمع إلى سي عبد الرزاق يروي حادثة كاد أن تودي بحياته وحياة عدد من زملائه في الحكومة: “ركبت مع عدد من الوزراء طائرة مروحية تابعة للجيش الوطني أقلعت من المهدية باتجاه العاصمة، بعد أن قدمنا تعازينا لوزير الاقتصاد السيد رشيد صفر على إثر فقدان والدته، وفجأة أضاءت الأزرار الحمراء على لوحة القيادة، وبدأت الطائرة تهتز بسبب الأضرار، وسيطر علينا الذعر الشديد، وشعرنا أن نهايتنا قد اقتربت، فصبرنا على تلاوة القرآن وسلمنا أمرنا للخالق… ورأينا قائد الطائرة يتسلّح بشجاعة نادرة، دون أن يفقد أعصابه، ويسيطر عليها بإحكام حتى هبطت بسلام، وطلب منا أن نخرج منها سريعاً خوفاً من انفجارها. وهبطت الطائرة فوق كومة من النفايات في مكان خالٍ. وحمدنا الله على السلامة، وعندما ظهر طريق مرصوف من بعيد وعثمان وملابسنا متسخة قررنا أن نسير نحوها سيرا على الأقدام، وعندما وصلنا إليها أوقفنا شاحنة فلاحية، فاستغرب سائقها من رؤيتنا، فقلت له: لقد سقطنا من السماء! وعلمنا منه أننا هبطنا في زاوية قنطاش، في وفد جمال، فوصلنا، ولكم أن تتخيلوا دهشة المفوض حين دخلنا مكتبه بهذه الصورة! كان يقيم في قصر سيوانسيز وقتها، وعندما علم بالحادث اتصل بالفريق الوزاري بأكمله لمقابلته، ولم يمهلنا الوقت لتغيير ملابسنا، فلم نتمكن من ذلك إلا بتنظيف ما أمكننا من آثار الأوساخ، واستقبلنا الرئيس بحضور زوجته ورئيس الوزراء السيد محمد مزالي، وأبدى تعاطفه معنا، وشكر الله على لطفه، وانتهزت الفرصة لأستأذنه في توجيه سؤال إلى رئيس الوزراء لم يكن وقتها جيداً، فاستجاب لطلبي، فقلت: يا سيد محمد، لو حدث أمر سيء -لا سمح الله- هل كنت ستؤبننا فردياً أو جماعياً؟ انزعج رئيس الوزراء من السؤال ولم يجب، فأضفت: مهما كان الأمر، أطلب منك أن تقول اليوم في حضور السيد الرئيس ما كنت ستقوله عني بطريقة جميلة في موكب التأبين!…” بدون تعليق! وفي هذه المناسبة اخترت أن أتحدث عن الجانب البهيج في شخصية الفقيد العزيز، على أمل أن يخفف ذكره من أثر المصاب الكبير عنا، ويخفف من شعورنا بالحزن والأسى على فقدان رجل دولة حقيقي وإنسان نبيل شهم. تغمد الله عبد الرزاق برحمته الواسعة ومغفرته الكريمة. ولن أنسى لطفه بي ما حييت. وكان العمل إلى جانبه والعمل معه تجربة غنية وملهمة ساهمت في صقل شخصيتي وتركت أثراً عميقاً في نفسي رافقني طوال بقية مسيرتي المهنية. وأفضل طريقة لاختتام هذه العبارة هي اقتباس للفيلسوف الفرنسي إدغار موران: “الموتى لا يغيبون أبدا؛ “إنهم يستمرون في العيش في وعي وذاكرة الأحياء”. لا يوجد أموات غائبون تمامًا: إنهم يعيشون في ذكريات الأحياء. عبد الحفيظ الهرمم