اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-26 12:01:00
الدكتور الوليد آدم ماديبو في كمبالا، في السادس والعشرين من الشهر الجاري، لغة الفور تنهض من جديد، ليس كمناسبة ثقافية فقط، بل كقضية تمسني على مستويين: شأن عام يتعلق بدوري كمثقف عضوي مهتم بقضايا الهوية والوطن، وأمر خاص تنجذب إليه الروابط القديمة مع العائلة التي ترعى هذا الاحتفال. تحت رعاية السلطان أحمد حسين أيوب علي دينار يتجدد معنى اللغة كجسر بين الذاكرة والمستقبل، بين الخاص والعام. وهذا الارتباط ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لذاكرة عائلية عميقة، جمعت بين الأب آدم محمود موسى ماديبو والعم حسين أيوب علي دينار. علاقة تجاوزت تعقيدات التاريخ بين القيادتين، بين لحظات توتر أججها الاستعمار، ولحظات أخرى من التقارب فرضها الواجب الوطني، حتى انتهت إلى صداقة متينة. وقد تجلى ذلك في توسعها في عهد الأمير جعفر علي دينار، حين أطلق عليه الناظر محمود موسى ماديبو لقب «سيد البحرين»، في دلالة تختصر معنى التعدد بعد القسمة. وحتى في أروقة حزب الأمة، حيث الصراعات السياسية تضاءلت وتضاءلت، لم ينقطع ذلك الخيط الرفيع من التحالف، وكأنه يذكر – في صمت بليغ – بأن ما يوحد أعمق من أن يتبدد الخصومات العرضية. ومن هذه الحقيقة بالذات، أستعير مفتاح معنى هذا النشاط. إنه ليس مجرد احتفال باللغة، بل هو بالأحرى استعادة لفكرة أكبر: تلك اللغة، مثل تلك العلاقات التي استمرت، قادرة على رأب الصدع، والجمع بين الشتات، وإعادة تصور الوطن كمساحة تستوعب الجميع. اللغة، في جوهرها، ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي حاوية للذاكرة ومجال لتشكيل الوعي. وقد حذر لودفيج فيتجنشتاين من أن حدود اللغة هي حدود العالم، في حين أوضح بيير بورديو كيف يمكن أن تتحول اللغة إلى رأس مال رمزي يستخدم لتأسيس الهيمنة إذا تم احتكارها. أما نغوغي واثيونغو، فقد رأى في العودة إلى اللغة الأم عملاً تحررياً يستعيد من خلاله الإنسان ارتباطه بنفسه وبتاريخه. ومن هنا احتدم الصراع حول الدور الذرائعي للغة: هل هي وسيلة تواصل أم أداة لإعادة إنتاج التسلسل العنصري والاستبداد السياسي؟ إلا أن التجربة الإنسانية، المدعومة بمؤسسات مثل اليونسكو، حسمت هذا الجدل لصالح وظيفتها التواصلية والمعرفية. لقد ثبت أن التعلم باللغة الأم لا يعزز الفهم فحسب، بل يفتح الطريق أيضًا لاكتساب لغات أخرى ويطلق العنان للإبداع الكامن. ومع ذلك، فإن هذه المناقشة تتطلب التمييز بين “اللغة” و”اللهجة”. فاللغة ليست كيانا جامدا، بل هي بناء اجتماعي تدعمه المؤسسات، بينما تمثل اللهجات حيويتها اليومية وتنوعها الإبداعي. وأوضح فرديناند دي سوسير أن هذا الاختلاف تقني بقدر ما هو سياسي. العديد من اللهجات المزعومة يمكن تأسيسها لغات إذا تلقت الاعتراف والدعم. ولذلك فإن دعم اللهجات لا يشكل تهديدا للوحدة، بل هو إثراء لها. والتجارب المقارنة تعزز هذا المعنى. وشهدت اللغات الأمازيغية نهضة ملحوظة في المغرب والجزائر، حيث انتقلت من الهوامش إلى الاعتراف الرسمي، دون أن يؤدي ذلك إلى إضعاف الدولة، بل يساهم في إعادة تعريفها على أساس التعددية. كذلك، هناك دعوات متجددة لإحياء اللغات النوبية في شمال السودان، كجزء حي من الهوية، وليس مجرد بقايا تاريخية. وفي هذا السياق، تكتسب لغة أي عرق معناها العميق: فهي ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هي رافد للوعي الوطني، وحاوية للذاكرة الجماعية التي ترفض الزوال. إن لغة الفور على وجه الخصوص، بتاريخها العميق للأرض والإنسان، ليست مجرد تراث محفوظ، بل هي أفق ينفتح. إنه جسر بين الأجيال، ومرآة للتجارب المتراكمة على مر القرون، من الحكايات الشفهية إلى الحكمة الشعبية، ومن الأغنية إلى الطقوس الاجتماعية. تدريسها ليس ترفاً ثقافياً، بل ضرورة وجودية تعيد للإنسان تماسكه مع نفسه، وتمنحه القدرة على الإبداع من داخل تجربته الخاصة، وليس من هامشها. فلا يبدع الإنسان إذا انقطع عن جذوره، ولا يساهم في بناء الإنسانية المشتركة وهو مغترب عن لغته. ومن هنا يصبح شعار الحدث – تعليم اللغة ونقلها بين الأجيال – عملاً وطنياً بامتياز، لأنه يعيد ربط ما انقطع بين الذاكرة والواقع، بين الماضي المحتمل والمستقبل المنشود. عندما يتصالح الإنسان مع لغته، فإنه لا ينغلق، بل ينفتح. إن المعنى الحقيقي للتثاقف ينكشف كلقاء على قدم المساواة، وليس كبوتقة تنصهر في الآخر. ومن هذا اللقاء يولد التواصل، ومن التواصل تنشأ المشاركة، ومن المشاركة يتعزز التضامن في توثيق التجربة الإنسانية العالمية. وهنا يصبح الاحتفال باللغة الفورية أكثر من مجرد مناسبة: فهو دعوة لإعادة تعريف الوطنية ذاتها، لا كاندماج قسري في مركز واحد، بل كتعايش إبداعي بين روافد متعددة، لكل منها حق الحضور والمساهمة. والسودان المحتمل الذي يلوح في أفق هذه المبادرات ليس هو السودان الذي يستبعد أطرافه لصالح مركز مهيمن، بل هو السودان الذي يعترف بتنوعه كمصدر قوته. لقد أثبتت التجارب الإنسانية أن الدول لا تبنى بإزالة الخلافات، بل بإدارتها بحكمة وتحويلها إلى طاقة إبداعية. ومن هنا يصبح تعليم اللغات المحلية، وفي مقدمتها لغة الفور، مشروعاً وطنياً يعيد ترتيب العلاقة بين المركز والأطراف على أساس الشراكة وليس الهيمنة. وفي الختام، دعونا نحتفل باللغة الفورية، ليس لأنها تخص شعباً محدداً، بل لأنها تضيف إلى إنسانية كل واحد منا. وكل لغة تستعاد تعيد للوطن جزءاً من روحه. وكل ذكرى تنقذ من النسيان تساهم في بناء مستقبل أكثر عدلاً واتساعاً. بهذه الطريقة فقط يمكننا أن نتصور أمة لا تخشى تنوعها، بل تزدهر به، وتجد في اختلافها سر بقائها. 26 أبريل 2026 auwaab@gmail.com




