اخبار السعودية – وطن نيوز
عاجل اخبار السعودية – اخبار اليوم السعودية
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-05 22:31:00
سيلاحظ قارئ الحراك الأكاديمي في الأسابيع الأخيرة أن معظم ما يكتب عن الجامعات يأخذ ثلاثة مسارات مألوفة: الدفاع عن التخصص، أو انتقاد قرار إداري، أو الحديث العام عن التوافق وسوق العمل. أما بعض ما يصدر عن الجامعات نفسها، فغالباً ما يأتي بين التراجع عن قرار لم يتم شرحه بشكل كافٍ، أو التباهي بخطوات تبدو أقرب إلى تهدئة الرأي العام من تقديم رؤية عميقة لشكل الجامعة المقبلة. وهنا لا أقلل من أهمية الحديث عن التخصصات والبرامج والدمج والإغلاق؛ هذه هي القضايا التي تؤثر على الطلاب وأعضاء هيئة التدريس والمجتمع. لكن الاكتفاء به يجعل الحديث يدور حول أطراف القضية لا حول أصلها. لأن السؤال الأهم ليس: أي تخصص يبقى؟ ما هي الكلية التي سيتم الدمج فيها؟ بل: أي جامعة نريد أصلاً؟ تسريع التحولات لم يعد هذا السؤال ترفاً فكرياً، بل أصبح ضرورة تفرضها التحولات المتسارعة في المعرفة والعمل والتكنولوجيا. كشفت القراءات الأخيرة حول مستقبل التعليم العالي أن الجامعات عالمياً لا تواجه أزمة تخصصات بقدر ما تواجه سؤالاً وظيفياً: ماذا يجب أن تبقى الجامعة؟ ما الذي يجب أن يتغير حيال ذلك؟ إن التعليم العالي يدخل مرحلة إعادة تعريف، وليس مرحلة تحسين جزئي. قامت الجامعة في شكلها التقليدي على ثلاث وظائف معروفة: إعداد الخريجين، وإنتاج البحث العلمي، وخدمة المجتمع. لكن المشكلة لم تكن في هذه الوظائف نفسها، بل في الطريقة التي تمارس بها. إعداد الخريجين ظل في كثير من الأحيان يعتمد على منطق الإنهاء. ويبدأ البرنامج، ويدرس الطالب سنواته ثم يتخرج، وتنتهي العلاقة وكأن وظيفة الجامعة تنتهي عند تسليم الدرجة. لقد تم التعامل مع الشهادة كهدف كامل، رغم أن الواقع اليوم يتجه نحو معيار آخر هو الكفاءة. لم يعد السؤال الأهم: ماذا درست؟ بل: ماذا يمكنك أن تفعل بما درسته؟ العيب الأكبر: تحول البحث العلمي في كثير من ممارساته إلى نشاط ينتهي بالنشر، أو شرط للترقية، وليس أداة لتطوير الواقع، أو حل المشكلات، أو بناء السياسات، أو تحسين الأداء في مؤسسات الدولة. أما خدمة المجتمع، فقد ضاقت الفكرة كثيراً حتى اختزلت أحياناً إلى دورة تدريبية، أو محاضرة عامة، أو مبادرة عابرة، رغم أن خدمة المجتمع بمعناها الحقيقي هي وظيفة معرفية تسخر فيها الجامعة خبراتها وأبحاثها وعقولها لمعالجة قضايا المجتمع وتحسين مؤسساته، ورفع كفاءة قطاعاته. وهنا يظهر الخلل الأكبر: عزل الجامعة عن القطاعات. وفي كثير من الأحيان تعمل الجامعة في مسار، وتعمل مؤسسات الدولة والقطاع الخاص في مسار آخر، بينما الأصل أن تكون الجامعة ذراعاً علمية تدعم هذه القطاعات، وليست مؤسسة تعمل بمعزل عنها. وهذا الاختلال في التوازن ليس تنظيميا فحسب، بل هيكليا أيضا. لأن الجامعة المنفصلة عن احتياجات الواقع ستنتج معرفة قد تكون صحيحة ولكن تأثيرها محدود. ولذلك يجب أن يتغير معيار الحكم على الجامعة؛ فهي لا تقاس بعدد تخصصاتها، ولا بعدد أبحاثها، ولا بعدد خريجيها، بل بمقدار تحولها من المعرفة إلى قيمة وطنية، ومن البحث إلى الحل، ومن التعليم إلى الكفاءة، ومن الخبرة إلى التطوير. ومن هنا تبدأ الرؤية. مشروع وطني. ولا ينبغي للجامعة السعودية القادمة أن تظل مؤسسة تعليمية وبحثية بالمعنى الضيق، بل أن تتحول إلى شريك مؤسسي في التنمية الوطنية. فهو يربط التعليم بالاحتياجات، والبحث بالتنمية، والتخرج بالكفاءة، والمعرفة بالحلول. وهذا ليس طرحاً مبالغاً فيه، بل هو من متطلبات المرحلة. رؤية السعودية 2030 جعلت تطوير التعليم العالي وتقليص الفجوة بين مخرجاته ومتطلبات سوق العمل جزءا من مشروع وطني واسع. كما نصت على هدف أن تكون خمس جامعات سعودية على الأقل ضمن أفضل 200 جامعة في العالم بحلول عام 2030. لكن هذه الرؤية لن تتحقق بفتح تخصصات جديدة، أو إغلاق أخرى، أو دمج بعض الكليات. وهذا جزء من الصورة وليس الصورة كاملة. وما نحتاج إليه هو إعادة بناء وظيفة الجامعة نفسها من خلال تحولات مؤسسية واضحة. أول هذه التحولات هو إعادة تحديد دور الكليات وفقا للقضايا والقطاعات التي يمكنها خدمتها، وليس فقط وفقا للتخصصات التي تدرسها. وهذا لا يعني أن الكليات تفقد هويتها العلمية، بل أن هذه الهوية تتوسع لتصبح أكثر ارتباطا باحتياجات الدولة. جمع الأولويات. ولنأخذ مثالا يوضح الفكرة: لا يتم قراءة الإدارة كتخصص جامعي فقط، بل كبوابة لرفع كفاءة الجهاز الحكومي وتحسين القرارات والإجراءات. وهذا المنطق نفسه ينطبق على الآخرين؛ ويمتد التعليم من إعداد المعلمين إلى قيادة تطوير المناهج والتقييم ونماذج التعلم. ترتبط الصحة بالصحة الرقمية والوقاية وجودة الرعاية. ويساهم الحاسوب في بناء الأدوات والنماذج الوطنية. اللغة العربية تدخل مستقبل النماذج اللغوية وصناعة المعرفة. إن الشريعة والعلوم الإنسانية تعطي للتحولات التقنية قيمتها وإطارها الأخلاقي والإنساني. التحول الثاني هو أن ينتقل البحث العلمي من النشر إلى الحل؛ حتى لا يبدأ من سؤال: ماذا ننشر؟ بل هو سؤال: ماذا نحل؟ وهذا يتطلب بناء ملفات بحثية وطنية؛ ويهدف إلى تجميع أولويات البحث حول قضايا محددة وقطاعات واضحة، بحيث تدار من خلال حوكمة واحدة، وتقاس بنتائجها، وليس بعدد الأوراق. أما التحول الثالث فهو نقل خدمة المجتمع من النشاط إلى الشراكة. بحيث لا تقوم العلاقة مع المجتمع على مبادرات متفرقة، بل على شراكات تنموية مستمرة، تكون فيها الجامعة جزءاً من الحل، وليست مقدماً لخدمة عابرة. ويرتبط بهذا تحول رابع، وهو نقل العلاقة مع الخريج من الانقطاع إلى الاستمرارية. ولا ينبغي للجامعة أن تنتهي علاقتها بالطالب يوم تخرجه، بل تبقى مرجعيته المهنية والمعرفية، التي يعود إليها لتطوير مهاراته، وتحديث أدواته، وتطوير معارفه. وبذلك تتحول الجامعة من مرحلة مؤقتة في حياة الإنسان إلى شريك المعرفة الدائم. البيانات والأدوات لا تكتمل هذه الرؤية دون إعادة تحديد موقف الطالب نفسه. فالطالب في الجامعة التالية لا ينبغي أن يبقى متلقياً للعلم، ولا عابراً مؤقتاً ينتهي حضوره بالتخرج، بل شريكاً في إنتاج المعرفة، وحل المشكلات، وبناء المشاريع، وتطوير مهاراته طوال حياته. وعندما ترتبط الجامعة بطلابها وخريجيها بهذا المعنى، فإنها لا تقدم خدمة إضافية، بل تعترف بأن التعلم لم يعد مرحلة عمرية، بل هو مسار مستمر. وتتطلب هذه الرؤية أيضًا بناء وحدات اتصال قطاعية داخل الجامعات، مرتبطة بوزارات وهيئات ومؤسسات محددة. وهذه الوحدات ليست مكاتب تنسيق، بل هي أذرع ميدانية مسؤولة عن نقل الاحتياجات من القطاع إلى البحث، ونقل المعرفة من الجامعة إلى التطبيق. ويتعلق التحول السادس بالبيانات والأدوات والمعرفة. الذكاء الاصطناعي ليس موضوع المقال، لكنه المتغير الأكبر الذي كشف أن الجامعة لا يمكن أن تظل تستخدم أدوات الآخرين، وتعتمد على نماذج لا تمتلكها، وتبالغ في بيانات لا تعرف قيمتها. بناء المعرفة ولهذا السبب، لا يكفي حماية بياناتنا، بل يجب علينا تحسين استثمارها، ولا يكفي استخدام الأدوات، بل يجب علينا أن نبني أدواتنا ونطوّر نماذجنا؛ فالبيانات اليوم هي رصيد معرفي واستراتيجي، والجامعة طرف علمي مسؤول عن بناء المعرفة، وتأهيل العقول، وتطوير الأدوات، ووضع المعايير. ويرتبط بهذا التحول تحول آخر لا يقل أهمية، وهو أن الجامعة لا ينبغي أن تكتفي بالتحمس للذكاء الاصطناعي، بل تشارك في قيادته. ولم يعد السؤال: كيف تستخدم الجامعة أدوات الذكاء الاصطناعي؟ بل: كيف تساهمون في بناء أدواته، وتطوير نماذجه، وتأطير أخلاقياته، وتوجيه تطبيقاته لخدمة أولويات الوطن؟ فالجامعة التي تكتفي بالاستخدام ستبقى تابعة لمن يملك النموذج والبيانات، أما الجامعة التي تبني وتطور وتحكم هي التي تدخل المستقبل من موقع الشراكة وليس من موقع الاستهلاك. ولا يمكن تحقيق هذا المسار، من الاستهلاك إلى القيادة، من دون بنية مؤسسية توجهه. ولهذا السبب تحتاج الجامعات إلى حوكمة واضحة لتحقيق التحول؛ وتترأسها هيئة عليا داخل الجامعة، وتتولى مسؤولية ربط الخطط الأكاديمية والبحثية والقطاعية في مسار واحد، ومراجعة أولوياتها، ورصد أثرها، والتأكد من عدم عمل الكليات والمراكز والجهات بمعزل عن بعضها البعض. كما أن الرؤية لا يمكن قياسها ولا يمكن إدارتها؛ ولذلك، لا يكفي أن تعلن الجامعة عن أدوارها الجديدة، بل يجب عليها إعادة بناء مؤشرات نجاحها. ولا يقتصر القياس على عدد الخريجين أو الأبحاث المنشورة أو الأنشطة المنفذة، بل يشمل تأثير الأبحاث على السياسات والخدمات، وحجم الشراكات التنموية، ونسبة البرامج التي يتم تجديدها وفق المهارات المستقبلية، واستمرارية علاقة الجامعة بخريجيها، ومستوى نضج حوكمة البيانات والذكاء الاصطناعي داخلها. وهذا التحول لا يحدث دفعة واحدة؛ بل إنها تبدأ بإعادة تحديد الأولويات، ثم بناء الشراكات، ثم إعادة توجيه البحوث، ثم تطوير البرامج، ثم بناء نماذج أكثر نضجا واستدامة. كما لا يعني ذلك أن جميع الجامعات تلعب نفس الدور، أو تتحرك بنفس الوتيرة؛ وتختلف الجامعات في تاريخها وإمكانياتها وطبيعة أدوارها. لكن ما يوحدهم جميعا يجب أن يكون واضحا: أن يكونوا جزءا من حركة التنمية الوطنية، كل حسب موقعه وقدرته ووظيفته. التأثير الوطني ولعل مجلس شؤون الجامعات، باعتماده تصنيف نماذج الجامعات السعودية إلى شاملة، تعليمية، بحثية، متخصصة، تطبيقية، قد فتح باباً مهماً للتمايز بين الجامعات، وهذه خطوة تستحق التقدير. لكن المرحلة القادمة تتطلب تطوير هذا التصنيف من تصنيف في النماذج التشغيلية إلى تصنيف في التأثير الوطني. ولم يعد السؤال: هل هذه الجامعة بحثية أم تدريسية أم تطبيقية؟ بالأحرى: ما هو التأثير الذي تحدثه؟ ما هو القطاع الذي تقوده؟ وما هي المشكلة الوطنية التي تتبناها؟ وبهذا المعنى، لن تكون الجامعة المقبلة الأكبر عدداً، ولا أوسع البرامج، ولا الأعلى حضوراً في المؤشرات، بل الأكثر قدرة على تحويل مواردها العلمية والبشرية إلى قيمة وطنية قابلة للقياس. عندما يكون لكل برنامج وسؤال أثر، ولكل كلية ملف وطني، ولكل بحث طريق للتطبيق، ولكل طالب دور في خلق المعرفة، ولكل خريج علاقة مستمرة بجامعته، عندها فقط سننتقل من إدارة الجامعة كما كانت إلى بناء الجامعة كما ينبغي أن تكون.* رؤية محمد حسن السفران



