السودان – النقل في السودان: الاتصالات والاقتصاد السياسي والتغيرات الاجتماعية

أخبار السودانمنذ ساعتينآخر تحديث :
السودان – النقل في السودان: الاتصالات والاقتصاد السياسي والتغيرات الاجتماعية

اخبار السودان – وطن نيوز

اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-09 00:29:00

النقل في السودان: الاتصالات والاقتصاد السياسي والتغيرات الاجتماعيةSudan Transport: Communications, Political – economy and Social Changeبيتر وودوارد Peter Woodwardترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي

تقديم: هذه ترجمة لمعظم ما جاء في مقال للبروفيسور البريطاني بيتر وودوارد عن تاريخ السكة حديد بالسودان، نُشِرَ في مجلة الدراسات السودانية (Sudan Studies) في عددها رقم 71 الصادر عام 2026م؛ والذي حوى – بالإضافة لهذا المقال – مقالين آخرين عن السكة حديد، أحدهما بقلم هاشم محمد أحمد عن “متحف السكة حديد” بأتبرا.وكنت قد ترجمت في عام 2014م مقالاً عن “تاريخ الخطوط الجوية السودانية” (1) ذكرت في مقدمته أنني رأيت أن أترجمه من باب الرثاء لـ “تلك المؤسسة التي عبثوا بها ولم تك معبثا”، في قول لبروفسيور عبد الله الطيب عن جامعة الخرطوم في ستينيات القرن الماضي. وربما يصدق الآن قول شاعرنا الفحل على عدد كبير من المؤسسات الناجحة الأخرى التي غدت – لأسباب عديدة – أثرا بعد عين عبر العقود الماضية.ويعمل بروفسيور وودوارد الآن أستاذا شرفيا (Emeritus Professor) للعلوم السياسية بجامعة ريدنغ البريطانية، وله اهتمام بحثي قديم بالشأن السوداني والإفريقي والعربي، وقد نشر الكثير من المقالات والكتب عن السودان من أهمها “الحكم الثنائي والقومية السودانية”، و”السودان 1898 – 1989م”. وسبق للرجل العمل في السودان بين عامي 1966 – 1967م مدرسا للغة الإنجليزية بمدرسة كوستي الثانوية (حيث كان مشجعا ولاعبا بمريخ كوستى!)، ثم عمل في محاضراً بجامعة الخرطوم (بمساعدة من د. جعفر بخيت، كما ورد في جزء التعريف بالكاتب في نهاية مقاله. المترجم) من عام 1968حتى عام 1971م، حين غادرها للتحضير لدرجة الدكتوراه في جامعة ردينغ، والتي عمل بها لسنوات طويلة، خلا فترات قليلة في جامعات ديربان وناتال والجامعة الأمريكية بالقاهرة. وعمل أيضا في السنوات الأخيرة مستشارا لعدد من الحكومات (ومنها الحكومة البريطانية) في الشأن السوداني. وبحسب ما ورد في هذا المقال من تعريف بهذا البروفيسور فإنه على الرغم من أبعد من السودان عام 1991م، إلا أن جامعة الخرطوم منحته الدكتوراه الفخرية في عام 2004م.لا يخفي على القراء أن تطورات عديدة في المشهد السياسي والعسكري والاقتصادي بالسودان قد حدثت في السنوات الأربع الماضية، ولم ترد في هذا المقال.المترجممقدمةيناقش هذا المقال الاقتصاد السياسي للنقل (أو المواصلات) في السودان، ويمهد الطريق لمقالات أخرى قد تُنشر في بحر هذا العام. وقد صادف عام 2025 م الذكرى المائةُ والخمسون لتأسيس السكك الحديدية في السودان – وهي مناسبة تستأهل الاحتفال بلا ريب.وبطريقة ما، يمكن القول بأن “السكة حديد” قد أدت دوراً مركزياً في إنشاء جمعية دراسات السودان ببريطانيا (SSSUK)، حيث كان لبروفيسور ريتشارد هيٍل (Richard Hill) دور مشهود في قيامها. وكان بروفيسور هيٍل قد نشر في عام 1965م كتاباً عن “المواصلات في السودان” (2)، وكان الرجل يؤمل أن يعمل في مجال التاريخ بالسودان في سنوات الثلاثينات (1)، غير أن ذلك لم يتحقق له، وأُخْبِرَ بأن هناك وظيفة شاغرة في مصلحة السكة حديد فقبل بها، وكانت وظيفة عليا، وجد فيها فرصةً سانحةً لتسجيل تاريخ السكة الحديد، وصار مستعرباً (Arabist). ولما غادر السودان للعمل في جامعة درم البريطانية، أسس في مكتبتها “أرشيف السودان”، الذي غدا من أهم المقتنيات (الأكاديمية) عن أي دولة أفريقية في المملكة المتحدة.الأيام الباكرة (1898 – 1914م)كان الاقتصاد – السياسي حاضراً منذ بداية إعادة الحكم الإنجليزي – المصري للسودان عام 1898م. وصاحب تقدم الحملة العسكرية بدء العمل في إقامة خط حديدي ثبت أنه كان من أهم العوامل التي ساعدت بلوغ خط السكة حديد إلى الخرطوم بحري في أعقاب معركة أم درمان. ثم أُقِيمَ جسر على النيل الأزرق لمد خط السكة حديد إلى مدينة الخرطوم. وكان الحكام الجدد (البريطانيون في غالبهم) قد سيطروا على وسط الخرطوم، ولكنهم كانوا يتخوفون من التهديدات العنيفة القادمة من أنصار المهدية في غرب السودان، الذين كانوا أول من أفلحوا في هزيمة حكام العهد التركي – المصري بين عامي 1881 – 1885م. ولعل هذا ما عجل بقيام الحكم الإنجليزي – المصري بمد خط السكة حديد إلى الأبيض، وذلك بتشييده عبر جسر النيل الأبيض جنوب الخرطوم. وقامت في المنطقة مدينة جديدة أسموها “كوستي”، وأُقِيمَ بها أيضاً ميناء نهري يربط شمال السودان مع جنوبه بالبواخر. أُرْسِلَتْ قوات حكومية إلى المديريات الثلاثة بجنوب السودان لتهدئة الأوضاع، وبُعِثَ أيضاً بالموظفين وقليل من التجار للعمل هناك. وبالتالي، فقد كان إنشاء شبكة سكك حديدية واسعة النطاق قد أتاح للحكومة الجديدة سيطرة كبيرة على الأمن، على الأقل في وسط البلاد، فضلاً عن التنمية الاقتصادية فيها. ويجدر بالذكر هنا أنه لم يكن هناك للدولة من بديل يُذْكَر. فقد كانت المركبات الآلية والطائرات نادرة الاستخدام عالمياً في أي مكان في العالم آنذاك، ولم تصل أي من وسائل النقل الجديدة تلك التي كانت قيد التشغيل إلى السودان.لقد كان لإنشاء السكك الحديدية أيضاً أثر سلبي على قضايا حقوق الأراضي، وهو ما أبرز بدوره أهمية نفوذ شيوخ القبائل إبان المفاوضات الرامية إلى إضفاء الشرعية على أعمال البناء؛ إذ كان أولئك الشيوخ يتقاضون أجوراً نظير الخدمات التي يقدمونها للدولة الجديدة. كما شكلت عملية إيجاد الأيدي العاملة تحدياً محتملاً، مما استدعى الحاجة إلى عمال مأجورين (paid workers)؛ وهو ما مثّل بداية للترابط بين التوظيف الحكومي والتغير الاجتماعي، ذلك الترابط الذي كُتب له تاريخ طويل في السنوات اللاحقة. وفي غضون ذلك، بقيت الغالبية العظمى من السودانيين منخرطة في زراعة الكفاف / الاكتفاء الذاتي (subsistence agriculture)، ممارسين دورهم في الزراعة و/ أو الرعي.سنوات ما بين الحربين (1918 – 1939م)وُضِعَ الهيكل الأساسي للتطورات التنموية بالسودان على صَعِيدٍي الحكومة والاقتصاد، وكانت السكك الحديدية جزءًا محورياً من تلك التطورات. وكان من المقرر التأسيس على تلك البنية في غضون الفترة ما بين الحربين العالميتين. أما سياسياً، فقد غدت العلاقات بين دولتي الحكم الثنائي (بريطانيا ومصر) أكثر تعقيداً. وكان التصاعد المستمر للحركة الوطنية (القومية) المصرية منذ عام 1919م قد جلب لمصر الكثير من التحديات، وكان على بريطانيا (وهي الدولة الحاكمة فعلياً لمصر منذ عام 1882م) تقديم تنازلات عديدة للمصريين. وكانت “نظارة المالية” (أي وزارة الخزانة) المصرية – حتى ذلك الوقت – تقوم بدفع جُلُّ تكاليف إنشاء خط للسكة حديد بالسودان. وصار استمرارها في تحمل ذلك العَبء أشد تعقيداً بعد أن ألقى البريطانيون الحاكمون للسودان باللوم على الحركة الوطنية (القومية) المصرية في “تمرد” عام 1924م الذي قامت به وحدات من القوات السودانية. وسارعت السلطات البريطانية بالسودان بطرد ضباط وجنود القوات المصرية بالسودان، إضافة للإداريين المصرين. وجعل ذلك الإجراء السريع المسؤولين البريطانيين يحكمون السودان بمفردهم، على الرغم من أنهم كانوا ملزمين قانوناً de jure باتفاقية الحكم الثنائي مع مصر. وأستلزم ذلك أن يتولى البريطانيون بأنفسهم تمويل قطاع السكة حديد، وهذا ما أدى بدوره لتنشيط حركة نمو الاقتصاد بالسودان. وفي تلك السنوات كان هناك نمو عالمي في مجال التزود بالآليات / المحركات motorization، غير أن حكومة السودان سعت لحماية السكة حديد من المنافسة، فأصدرت مرسوماُ في عام 1934م يقضي بأن يكون النقل والسفر من وإلى بورتسودان بالسكة حديد فقط، وليس بغيرها. ووجهت طبقة نامية من رجال الأعمال نقداً شديداً لذلك المرسوم، وتحدى بعض أفراد تلك الطبقة ذلك الأمر وصاروا يستخدمون الشاحنات (اللواري) عوضاً عن السكة حديد للوصول إلى بورتسودان.وكانت أتبرا هي المقر الرئيس لإدارة السكة حديد بالسودان. وبينما كانت أول منطقة ربطت السكة حديد السودانية هي مع مصر، إلا أن خطة البريطانيين كانت تهدف لمد خط السكة حديد إلى ميناء جديد يقام على البحر الأحمر. ومن هناك أقيم خط حديدي يلتقي بالخط الممتد إلى مصر في موقع يلتقي فيه نهر النيل مع نهر أتبرا. ومنذ عام 1906م غدت أتبرا سريعاً أكبر مدينة صناعية في السودان (4)، وستصبح مثالاً فريداً من نوعه في التطور الاجتماعي والسياسي للبلاد. تحوّلت القرية الصغيرة الأصلية إلى مدينة تدفق الناس إليها من مختلف أنحاء البلاد بحثاً عن فرص عمل في الورش الجديدة. وخضع هؤلاء لنظام هرمي وصارم، ولكنه كان مصدر فخر للكثيرين: فقد رأى بعض علماء الاجتماع من المتخصصين في أفريقيا أن عمال أتبرا كانوا يشكلون “أرستقراطية العمل”. وكان من مظاهر ذلك امتلاكهم نوعاً من الرفاهية. وكان امتلاك أحدهم لدراجة هوائية يُعد دلالة قوية على المكانة الاجتماعية التي يتمتع بها. وانتشرت بها، على نطاق واسع، شبكات تواصل اجتماعي مختلف الأنواع، مع وجود عدد من الأندية الاجتماعية والفرق الرياضية بالمدينة. ومع مرور السنوات، ازداد وعي عمال عطبرة سياسياً مع نشوء طبقة عاملة جديدة. وتأسس عقب الحرب العالمية الثانية مباشرة الحزب الشيوعي السوداني في أتبرا، وسرعان ما أُجْبِرَ البريطانيون على الاعتراف بالنقابات العمالية. ومع قيام النقابات بدأت الإضرابات العمالية وشاعت أفكار القومية (الوطنية) الراديكالية التي ربطت أتبرا بنمو متزايد للسياسة القومية (الوطنية). لم يصبح الحزب الشيوعي السوداني قط حزباً رئيسياً في السودان، لكنه أدى دوراً في استقلال السودان عام 1956م. بعد ذلك، تواصل نفوذه، وجاءت محاولته الكبرى للوصول إلى السلطة عام 1971م عقب انقلاب جعفر نميري عام 1969م. وكان لليسار يومها نفوذ قوي في أوساط الجيش السوداني، إلا أن نميري أفلح في عام 1971م في التغلب على محاولة الانقلاب التي دبرها الضباط اليساريون وأيدها الحزب الشيوعي السوداني، واسترد السلطة. وقام فور استرداده للسلطة بحملة عقابية شديد الوطأة على الحزب الشيوعي، قللت كثيرا من قوته وأضعفت نفوذه (في أوساط الحركة العمالية)، إلى يوليو عام 1981م، حين دخل عمال السكة حديد يأتيرا في إضراب، قام على إثره نميري بحصار المدينة عسكرياً، وأفضى ذلك لمزيد من الإضعاف للحزب الشيوعي السوداني (5). وعلى الرغم من أن ذلك الحزب بقي حياً، إلا أنه لم يستعد عافيته قط.لقد مكن قيام نظام للسكة الحديدة في السودان لنوع من التنمية الزراعية والاجتماعية والسياسية، خاصة في مناطق وسط البلاد. وشمل ذلك بعض المنتجات المحلية مثل الصمغ العربي في كردفان، والتي استفادت كثيراً من مد خط السكة حديد إلى الأبيض (عام 1911م. المترجم). غير أن قرار حكومة السودان بتشييد “مشروع الجزيرة” لزراعة القطن في عام 1926م هو الذي قاد إلى أن يغدو القطن هو المحرك لغالب اقتصاد السودان. وفي ذلك الوقت كان مشروع الجزيرة هو أكبر مشروع لزراعة القطن تحت إدارة واحدة في العالم. وكان لهيكل مخطط المشروع تأثير كبير. ففي البدء كانت هناك حاجة ملحة لبناء سد جديد في سنار لتغذية قنوات الري العديدة، ثم أَقَرَّتْ الترتيبات اللازمة لمنح المزارعين مئات قطع الأراضي المخصصة لزراعة القطن (6).وكانت المشروع يُدار عبر هيئة اسمها “رابطة (أو اتحاد) مزارع السودان Sudan Plantations Syndicate، بالاشتراك مع السودانيين الذين يقومون بزراعة القطن (7). ومع مرور الوقت غدا القطن هو أهم محصول يَصْدُرُ للخارج، وصار السودان واحداً من أهم الدول المصدرة له. وكان القطن يُرحل إلى بورتسودان بـ “عربات بضاعة” السكة حديد ويَنْقُلُ منها إلى أسواق العالم. وجلب المشروع للسودان شعوراً حقيقياً بالازدهار، بل كان بعض المزارعين في الخمسينيات يمتطون سياراتهم الخاصة، وأتاح لهم ذلك الازدهار الاقتصادي النسبي تشغيل بعض العمال للقيام بغالب الأعمال اليدوية في الحقول. وجلب المشروع أيضا شعورا جديدا بالهوية عند تكوين “اتحاد المزارعين”، الذي دأب على تأكيد سلطته بتهديده للإدارة بسلاح الإضراب. وعلى الرغم من ذلك ظلت الحياة السياسية بالجزيرة شأناً محليا، ولم تبلغ القدر الذي بلغه الحزب الشيوعي في الساحة السياسية الوطنية (القومية).وكان القطن يزرع أيضاً ويروى عن طريق الري بالضخ (أي بالطلمبات) في مزارع رجال القطاع الخاص على شاطئ النيلين الأزرق والأبيض، وعلى شاطئ نهر النيل في شمال الخرطوم. وتفاوتت مزارع القطن في المساحة، فقد كانت بعضها مزارع صغيرة يملكها أفراد، وكان القليل منها مشاريع كبيرة المساحة، مثل تلك التي كان يملكها السيد عبد الرحمن المهدي، وكان أكبرها في الجزيرة أبا (في النيل الأبيض وبالقرب من كوستي وخط السكة حديد)، حيث ابْتَنَى عبد الرحمن لنفسه قصراً فيها، وجلب لمزارعه عمالاً من غرب السودان يزرعون القطن ومحاصيل أخرى. وبعد ذلك عمل على تنويع أعماله التجارية وأفتتح عدد من المكاتب في الخرطوم تُدَارُ منها أعمال شركاته العائلية (8). غير أن طموحاته التجارية لم تقف عند ذلك الحد. فقد عمل على تأكيد دوره الديني بحسبانه الابن الوحيد المتبقي لمحمد أحمد المهدي، خاصة في غرب السودان، حيث بقي نفوذ “المهدية الجديدة” فيها قوياً، بصورة واسعة في المجتمع وفي الحياة السياسية. وسعى السيد عبد الرحمن إلى أن يجذب حوله رجال الأعمال الآخرين والسياسيين والمهنيين، وأفلح مع نهاية الحرب العالمية الثانية في تكوين حزب سياسي (اسماه “حزب الأمة”) حاول عن طريقه دفع البريطانيين لمنح السودان الاستقلال وتكوين دولة سودانية.غير أن الحركة المهدوية كان لها أيضاً منافس مهم. فقد كان السيد علي الميرغني (زعيم طائفة الختمية) كثير الشك والريبة في طموحات السيد عبد الرحمن المتنامية. وكان له أتباع كثر في شرق السودان وشماله، كانوا أكثر تنوعاً وتشتتاً (مقارنة بأنصار عبد الرحمن المهدي)، وكانوا يتطلعون نحو مصر – التي كانت لها أيضاً طموحاتها الخاصة لإعادة سيطرتها على ما تعتقد أنه أرضها (9). وصار أتباع علي الميرغني يُعْرَفُونَ بـ “الاتحاديين” (أي من أنصار الوحدة مع مصر). وفي السنوات بين 1945 و1956م ساد التنافس الحاد في الحركة الوطنية بين الحزبين الرئيسيين (الأمة والاتحاديين). غير أنهما عاد ليعملا معاً في عام 1953م لإجبار البريطانيين على منح السودان استقلاله، ثم عادا للعمل معاً بعد عامين (ضد المصريين هذه المرة)، وأفضى ذلك لإصدار اتفاقية باستقلال السودان في 1956م. غير أن تلك الاتفاقية لم تعمر طويلاً، إذ سرعان ما عادا للتنافس الحاد، وكان لذلك عواقب طويلة الأجل.لقد كان لبناء نظام نقل حديث دور محوري في بناء اقتصاد استعماري في السودان، ومعه مجتمع متغير به حزبين سياسيين مهيمنين. في الوقت نفسه، كانت المناطق النائية من البلاد أقل انخراطاً (في العملية السياسية. المترجم)، وأصبحت تُوصَفُ بأنها “مهمشة”. لم يكن ذلك “التهميش” مجرد “إهمال”، بل حالة شعور متزايد بالتخلف عن الركب وبالاستغلال. وساهمت خدمة النقل النهري من كوستي إلى جوبا في توسيع بعض التجارة النهرية، غير أن معظم السكان ظلوا يمارسون أشكالاً مختلفة من الرعي و/ أو الزراعة من أجل الاكتفاء الذاتي. وجرت محاولات للبدء في مشروع للاستفادة من الأخشاب في غرب الاستوائية، غير أن ذلك المشروع لم يعمر طويلا وذلك لانعزال المنطقة. وبعد عام 1945م قامت مجموعة من الجنوبيين الذين تلقوا تعليماً غربياً في تنظيم أنفسهم سياسيا، ودعوا لإشراك الجنوبيين بصورة أقوى في المسار نحو الاستقلال. ونادي بعضهم بالفيدرالية، لكنهم لم يحرزوا نجاحا ملحوظاً في مسعاهم. غير أن شعوراً بالإحباط وخيبة الأمل بدأ بالتنامي في نفوسهم، خاصة عند الجنوبيين القاطنين في المناطق الحضرية. ووضح ذلك جلياً في تمرد الوحدات الجنوبية في أغسطس عام 1955م. وكانت المناطق النائية (خاصة في دارفور) أقل عزلة، غير أن طبقة العمال (العمالة اليدوية) شرعت في الانتقال من مناطقهم النائية إلى وسط البلاد (للعمل في مشروع الجزيرة مثلاً)، حيث وجدوا أعمالاً جعلتهم في أسفل السلم الاجتماعي. وكانت دارفور تفتقر إلى الدعوات السياسية الإقليمية المميزة التي ظهرت في جنوب السودان، لكنها مع ذلك أظهرت علامات متزايدة تدل على السخط من وضعها.عقب نيل الاستقلال (1956 – 1989م)عقب نيل السودان لاستقلاله قامت فيه حكومة (كان غالب وزرائها من المناطق الوسطى بشمال السودان) ورثت الاقتصاد الكلولونيالي في المناطق الوسطى، وفي مناطق واسعة في الجنوب والغرب والشرق، ورثت أيضاً شعوراً متزايداً بـ “التهميش”. ومدت الحكومة (في عهد حكومة إبراهيم عبود. المترجم) خط السكة حديد إلى دارفور وإلى الجنوب (نيالا وواو على التوالي، في عامي 1959 و1962م. المترجم). غير أن الأثار الاقتصادية والاجتماعية للخطين كانت محدودة في تلك المناطق الواسعة الفقيرة.تغير النقل في السودان بعد عام 1971م تغييراً كبيراً عندما تناقصت أهمية السكة حديد. وكان السبب في ذلك يعود جزئياً لتغير طبيعة الاقتصاد العالمي؛ فقد كان القطن – بصورة خاصة – قد أفسح المجال للألياف الاصطناعية، مما ساهم في تراجع ما كان يمثل جوهر النمو الاقتصادي للسودان، والذي كان يعتمد تماماً على خط السكة الحديد المؤدي إلى بورتسودان. وفي غضون سنوات حكم نميري تحولت الطموحات نحو مبادرة جديدة في قطاع الأعمال الزراعية agri- business، مع تزايد أهمية إنتاج الغذاء للتصدير. فقد أنشأت شركة لونرو (LONRHO) العالمية الكبرى مشروع كنانة على مشارف مشروع الجزيرة الآخذ في التدهور. وكان ذلك نذير شؤم لصناعة السكك الحديدية، إذ أن شركة لونرو بدأت بقافلة طويلة من الشاحنات الكبيرة المحملة بالمعدات، تعبر خط السكة الحديدية من بورتسودان إلى كنانة، لتأسيس أحد أكبر مشاريع السكر في العالم. وفي الوقت نفسه، شهدت دول الخليج ازدهاراً سريعاً نتيجة ارتفاع الطلب على النفط، مما أفضى إلى ارتفاع الأسعار عبر منظمة أوبك. وكان الهدف المقصود من ذلك الاستثمار الجديد لدول الخليج (خاصة في المناطق الشرقية من البلاد) هو جعل السودان “سلة غذاء العالم العربي”. ومثلهم مثل شركة لونرو، اعتمد المستثمرون الجدد على النقل بالشاحنات وليس على السكة حديد. ولم يستثمر أحد في تحديث نظام النقل بالسكة حديد، الذي كان يعاني في الأصل من سوء الإدارة والإضرابات العمالية والفساد. وتكرر ذات النمط عند اكتشاف البترول في جنوب السودان: فقد استخدمت الشركة الأميركية العملاقة شبفرون (Chevron) الشاحنات الضخمة والبواخر وهم يحضرون لما كان نميري يؤمل أنه سيكون تحولاً كبيراً في السودان يحاكي النمط الذي حدث في دول الخليج.غير أنه لم يكن بمقدور الأعمال الزراعية ولا استخراج النفط حماية نظام نميري من السقوط عام 1985م. فقد كان الاستثمار العربي في مجال الأعمال الزراعية متعجلاً ويفتقر إلى التخطيط المحكم، وأحدث الكثير من الاضطرابات الاجتماعية والسخط. وهاجمت قوات من الجنوبيين المشاركين في الحرب الأهلية الثانية مركز شركة شيفرون، وأضطرها لمغادرة البلاد على عجل في عام 1983م (10).لقد كان نظام نميري قد شهد نمواً وتنوعاً في الاقتصاد الريعي، مع إنشاء شركات تجارية جديدة، مما أدى إلى زيادة النقل الآلي، على الرغم من محدودية نمو شبكة الطرق الحديثة. في الوقت نفسه، ظل التطور محدوداً للغاية في المناطق “المهمشة” في الجنوب ودارفور.عام 1989م وما بعدهعقب فترة قصيرة من الحكم المدني قام انقلاب عسكري آخر في 1989م كان من تدبير حركة الإخوان المسلمين، التي كانت في حالة تقدم متواصل عبر سنوات الثمانينات، خاصة بعد إعلان نميري عن قوانين الشريعة (في سبتمبر 1983م). وكان زعيم الإخوان حسن الترابي هو من دبر ذلك الانقلاب، الذي ترأس مجلسه العميد حسن أحمد البشير. وفرض ذلك النظام الجديد قيودا صارمة على أفراد المجتمع. وشهدت فترة ذلك الحكم توسعاً كبيراً في المصارف الإسلامية وتعاوناً وثيقاً مع مصادر تمويل من دول الخليج. وشهدت البلاد نشاطاً تجاريا كبيرا اُسْتُخْدِمَتْ فيه الطرق البرية (التي اُسْتُثْمِرَ في تشييدها بقوة، بينما تُجُوهِلَ الاستثمار في السكة حديد التي كانت أصلاً في حالة تدهور مستمر).وتصاعدت الآمال بدخول الصين في مجال انتاج النفط بجنوب البلاد بعد خروج شركة شيفرون منه، خاصة بتنفيذ أنبوب لنقل النفط من الجنوب إلى بورتسودان. وشهد السودان في العقد الأول من الألفية الثانية ازدهاراً ملحوظاً في حركة المرور على الطرق في العديد من المناطق، لا سيما في وسطها. وفي ذات الوقت، تواصل الصراع في المناطق “المهمشة” جنوباً وفي دارفور. ففي الجنوب، ساهم الضغط الدولي في إرساء السلام عام 2005م، والذي أعقبه قيام دولة مستقلة عام 2011م. أما في دارفور، فقد كان الوضع أسوأ بكثير، إذ تفاقم الصراع والمجاعة، وتصاعدت أعمال قطاع الطرق (النهب المسلح) التي مارستها جماعة جديدة تُعرف باسم الجنجويد، الذين كانوا يجوبون المناطق المختلفة على ظهور الخيل والجمال، ويروعون السكان غير العرب، ويرتكبون جرائم إبادة جماعية في أنحاء الولاية بالتواطؤ مع قوات الحكومة.وفي العقد التالي تدهور المشهد الاقتصادي بالبلاد وازداد السخط على النظام الحاكم، وشهدت المدن العديد من المظاهرات الاحتجاجية التي قادت في نهاية المطاف لإسقاط نظام البشير واعتقاله، وبدأت فترة حكم مدني قاده عبد الله حمدوك (بشراكة من قادة الجيش). وبعد فترة قصيرة نسبيا أسقط ذلك الحكم المدني بتدخل من الشريك العسكري.لقد كان للنقل دورٌ محوريٌ في الفصل التالي من انحدار السودان نحو الكارثة. لطالما ارتبطت دارفور بأحداث تشاد، حيث نُشرت في ثمانينيات القرن العشرين شاحنات بيك آب مسلحة بأعداد كبيرة لصد الغزو الليبي من الشمال. وقد أثبتت تلك الشاحنات، السريعة والخفيفة والمرنة للغاية في النشر، تميزها في صراع الصحراء. (تناول الكاتب بعد ذلك وبإيجاز مفرط بعض جوانب التطورات المعروفة التي حدثت في المشهد السياسي والاقتصادي والعسكري السوداني دون كبير تحليل عقب عام 2019م. المترجم).لقد أثبت النقل أنه عنصر أساسي في تشكيل الاقتصاد السياسي والمجتمع السوداني، بدءًا من نمو دولة الحكم الثنائي القائمة على خطوط السكك الحديدية بصورة اساسية. وبعد عقود، مكّنت شاحنات النقل السريع عند “قوات الدعم السريع” من مواجهة القوات المسلحة السودانية في صراع عسكري واسع النطاق، مما جعل بقاء الدولة، كما كانت قائمة إبان سنوات الحكم الثنائي (والذي تم تقسيمه بالفعل مع استقلال جنوب السودان)، احتمالًا واقعياً.* *الهوامش1/ يمكن الرجوع للمقال عبر الرابط https://shorturl.at/OmUXc2/ نُشرت في عام 2025م ترجمة عربية لكتاب Sudan Transport كتب ب. أحمد أبو شوك عنه عرضاً تجده في هذا الرابط :https://shorturl.at/lZHmR3/ ورد في العدد الثالث عشر من مجلة الدراسات السودانية، الصادر في يناير من عام 2013م أن ريتشارد هيل جاء إلى السودان عام 1927م (وليس في الثلاثينات).4/ اُنْظُرْ مقال: “عرض مختصر لكتاب “مدينة الحديد والنار: التاريخ الاجتماعي لأتبرا، مدينة سكك حديد السودان بين عامي 1906 – 1984م” في هذا الرابط https://shorturl.at/ayVkj5/ اُنْظُرْ مقال عبد الله علي إبراهيم حول إضراب عمال أتبرا في يوليو 1981م بعنوان “إضراب عمال السكة حديد (يوليو 1981): من أجهضك يا فراش؟” في هذا الرابط: https://shorturl.at/uGxmo6/ يمكن النظر في مقال مترجم بعنوان ” إنشاء خزان سنار في السودان” نشر في سودانايل في 25 ديسمبر من عام 2013م، وفي الجزء الثالث من كتاب “السودان بعيون غربية”، ومقال مترجم أخر بعنوان “زراعة القطن تجارياً في السودان بين عامي 1820 و1925م: دراسة في الجغرافيا التاريخية” تجده في هذا الرابط: https://shorturl.at/uQR9Q(7) اُنْظُرْ المقال المترجم بعنوان: “مشروع الجزيرة بالسودان والمزارع الجماعية (الكولخوزات) بروسيا: مقارنة تجربتين” https://shorturl.at/G69OR(8) يمكن النظر في مقال فيرقس نيكول (من ثلاثة أجزاء) عن “دائرة المهدي” في هذا الرابط: https://shorturl.at/KBORI(9). ذكر الكاتب هنا في الحاشية أن البريطانيين منحوا لقب فارس لعبد الرحمن المهدي وعلي الميرغني في ثلاثينيات القرن العشرين أملاً في نيل ولائهما للحكومة.(10). ذكر بروفيسور سلمان محمد أحمد سلمان أن “الحركة الشعبية قامت في شهر نوفمبر عام 1983م (بعد شهورٍ فقط من إعلان ميلادها) بإنذار شركة شيفرون بوقف نشاطها في قطاع النفط في جنوب السودان. وتبعتْ ذلك الإنذار بهجومٍ عسكريٍ ناجحٍ على معسكر الشركة، وعلى أحد مواقع النفط الرئيسية، مما أدّى إلى إغلاق الشركة لكل عملياتها وانسحابها التام من الجنوب”. اُنْظُرْ الرابط: https://shorturl.at/fSzhc

alibadreldin@hotmail.com
الكاتب

اخبار السودان الان

النقل في السودان: الاتصالات والاقتصاد السياسي والتغيرات الاجتماعية

اخبار اليوم السودان

اخر اخبار السودان

اخبار اليوم في السودان

#النقل #في #السودان #الاتصالات #والاقتصاد #السياسي #والتغيرات #الاجتماعية

المصدر – منبر الرأي Archives – سودانايل