السودان – ماذا بقي لشعب السودان – سوداني

أخبار السودانمنذ ساعتينآخر تحديث :
السودان – ماذا بقي لشعب السودان – سوداني

اخبار السودان – وطن نيوز

اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-10 00:25:00

د. محمد عبد الله القرية… مستودع القيمة عندما يقارن الناس بين قرية ومدينة، فإنهم غالبا ما يقارنون بين أسلوبي حياة: بساطة الريف وتعقيد المنطقة الحضرية، ودفء العلاقات وبرودة الخرسانة، واتساع السماء وضيق الشقق. لكن القضية في السودان أعمق من مجرد مقارنة اجتماعية عابرة. ولم تكن القرية السودانية مجرد مكان للعيش، بل كانت مخزنا للقيم التي شكلت وجدان الإنسان السوداني على مدى قرون عديدة. لقد عرف السودانيون الاستقرار منذ القدم. واستوطنوا على ضفاف نهر النيل والسهول الممتدة شمال الشلال السادس منذ أكثر من ألفي عام. ولم يكونوا جماعات تائهة بلا جذور، بل كانوا أصحاب حضارة مستقرة، عرفوا الزراعة، وأقاموا المدن والمعابد والأسواق، واخترعوا أنظمة الحكم والإدارة. وعرفوا في الوقت نفسه معنى حسن الجوار وإكرام الغريب والتسامح مع الوافد. ولهذا ظل السودان، عبر تاريخه الطويل، أرضاً ترحب بالناس أكثر مما تنفر منهم، وتتسامح مع التنوع أكثر مما تخاف منه. في الريف السوداني القديم، لم يكن الإنسان يقاس بما يملك وحده، بل بما أعطى. وتعرف قيمة الرجل بعدد من يجدون معه الغذاء والأمان. وحتى الفقر نفسه كان أقل قسوة، لأن المجتمع كله يتقاسم أعباءه بطريقة غريزية، دون نظريات أو شعارات كبرى. وصايا من جبل البركل —————— ولعل من يتأمل ما نسب إلى الملك الكوشي خاليوت بن بعنخي، والمدرج على مسلته في جبل البركل حوالي عام 750 ق.م، يدرك أن هذه الأخلاق ليست شيئاً جديداً على أهل السودان، بل هي امتداد لوعي ثقافي وإنساني قديم. يقول خاليوت: “أنا لا أكذب، ولا أعتدي على مال غيري، ولا أرتكب معصية، وقلبي ينفطر على معاناة الفقراء، لا أقتل نفساً بغير جريمة تستحق القتل، لا أقبل رشوة في عمل غير مشروع، لا أعطي خادماً استأجرني إلى صاحبه، لا أتزوج متزوجة، لا أقول حكماً بلا دليل، لا أنصب فخاً لطير مقدس، ولا أقتل حيواناً مقدساً”. لا أهاجم الممتلكات، بل أقدم له الهدايا: أقدم الخبز للجائع، والماء للعطشان، واللباس للعريان. أفعل هذا في هذه الحياة الدنيا، وأسير في طريق الخالق، مبتعدًا عن كل ما لا يرضي الإله، لكي أمهد الطريق للأحفاد الذين سيأتون من بعدي في هذا العالم، ولمن سيخلفهم إلى الأبد. ما هي نفس من رأى في العدل عبادة، ورأى في مساعدة الجائع واجباً أخلاقياً بلا استحقاق؟ وأي مجتمع هذا منذ أكثر من ألفين وسبعمائة سنة جعل الإنسان يربط خلوده بما يقدمه للفقراء وليس بما يجمع من الغنائم؟ ويأتي الحردلو، شاعر الصحراء السودانية، ليصف صديقه بقوله: “ضمن الزجاجة، خريفي وصيفي، غطاء جاري، ونسياني وضيفي”. إنها أبيات قليلة الكلمات، لكنها تلخص فلسفة مجتمع بأكمله. الثروة الحقيقية ليست في الذهب أو السلطة، بل في أن يكون الإنسان “غطاءً للمكانة” لمن حوله. لجاره وأهله وضيفه العابر. وهنا تتجلى أخلاق الريف السوداني في أنقى صورها: الكرم واجب، والشهامة معيار، والتضامن قانون غير مكتوب. لكن الحضارة الحديثة، بسرعتها وضغطها وعزلتها، استنفدت هذه القيم تدريجيا. فالمدينة عندما تنمو بلا روح، تجعل الإنسان أكثر انشغالاً بنفسه، وأقل صبراً على الآخرين. الحرب تكشف الجوهر ———————- لكن ما شهده السودان في السنوات الأخيرة كشف عن حقيقة أساسية: أن الأصل الحقيقي لهذا البلد ليس السياسة ولا الثروة ولا الشعارات، بل قيم الشعب نفسه. في قلب الحرب والنزوح والانهيار، ظل السوداني يفتح بيته للغرباء، ويتقاسم طعامه مع النازحين، ويعيد اكتشاف معنى التضامن كل يوم. وكأن تلك الوصايا القديمة المنقوشة على حجر جبل البركل ما زالت تتداول في ضمائر الناس، وإن لم يشعروا بها. ولهذا السبب فإن السودان، بغض النظر عن مدى قوة الضربة التي يتعرض لها، قادر على التعافي. ليس لأن مشاكلها تافهة، بل لأن جذورها الأخلاقية أعمق من الخراب العابر. وستخرج البلاد من هذه الحرب بدروس قاسية ومهمة جداً، أولها أن التمسك بالقيم القديمة ليس حنيناً إلى الماضي، بل هو صمام أمان حقيقي للمستقبل. سيكتشف السودانيون، عاجلاً أم آجلاً، أن دعاوى الفرقة والكراهية لا تبني وطناً، وأن مصيرهم التاريخي هو التعايش وليس الاقتتال، وأن أصوات العقل -مهما كانت ضعيفة أحياناً- هي التي تنتصر في النهاية. وهذا البلد لم يصمد لقرون طويلة من التنوع إلا لأنه تعلم كيف يحتوي اختلافاته، لا كيف يفني نفسه بها. المستقبل للقيم وليس الشعارات ———————— لقد حان الوقت لكي يكون السودان في طليعة الأمم بالفعل وليس بالقول. ليس بالخطابات والبلاغة، بل بإحياء ذلك الإرث الأخلاقي العميق الذي جعل أهل هذه الأرض، منذ زمن بنخي إلى اليوم، يرون في إطعام الجياع، وحماية المشردين، وحماية الجار، معنى الحضارة نفسها. إن العالم اليوم يقف على أعتاب تحولات كبيرة في التكنولوجيا والاقتصاد والوعي الإنساني وأنماط الحياة، ولن يكون السودان بعيداً عن كل ذلك. لكن الدول التي ستنجو من فوضى المستقبل ليست بالضرورة هي الأغنى أو الأكثر تسليحاً، بل هي الأكثر قدرة على الحفاظ على إنسانيتها في خضم العاصفة. ولعل هذا، في النهاية، هو ما بقي لشعب السودان. وهو أيضًا ما سينقذهم. مؤلف

اخبار السودان الان

ماذا بقي لشعب السودان – سوداني

اخبار اليوم السودان

اخر اخبار السودان

اخبار اليوم في السودان

#ماذا #بقي #لشعب #السودان #سوداني

المصدر – منبر الرأي Archives – سودانايل