اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-11 00:34:00
د. الشافعي خضر سعيد. وكتب لي القارئ م.ك.ا. معبرا عن حيرته إزاء اختلاف مواقف السودانيين من دور المبادرات الخارجية في حل الأزمة السودانية. ومنهم من يرفض أي تدخل من المجتمع الدولي في الشأن السوداني، معتبراً ذلك انتهاكاً للسيادة الوطنية. ومنهم من يرحب به، بل ويرى أنه ضروري لوقف الحرب ومعالجة أزماتنا. وختم القارئ رسالته بسؤال: كيف نتعامل مع المبادرات والتدخلات الخارجية للمجتمع الدولي في قضايانا كالحرب على وجه الخصوص؟ فهل نسمح به أم نرفضه ونقاومه؟ ورغم أنني تطرقت إلى هذا الموضوع عدة مرات من قبل، ومن زوايا متعددة، إلا أن الرد على سؤال عزيزي القارئ يبقى واجبا ومفيدا. وفي مقال اليوم وعدد من المقالات اللاحقة سأعيد مناقشة الموضوع وأشرح رؤيتي فيه بالتفصيل. أبدأ مباشرة بالإشارة إلى حتمية وموضوعية تدخلات المجتمع الدولي ومبادراته الخارجية في قضايانا وأزماتنا. وتفسر هذه الحتمية والموضوعية وتبررها عدة عوامل، ثلاثة منها في مقدمتها، وهي: العامل الأول: تتمثل في حقيقتين موضوعيتين لا يمكن الجدال فيهما أو تجاهلهما. الأول أننا نعيش في عالم لا يقبل العزلة والعزلة، وتحكمه قوانين العولمة التي لا مفر منها، والتي توفر أرضا خصبة لتجلي ظاهرة موضوعية وحتمية، تتمثل في التفاعلات والتفاعلات التي نشهدها بين مكونات ودول هذا العالم. وهذه الظاهرة الموضوعية والحتمية تأتي دائما تحت عنوان السعي لتحقيق الأمن والسلام والاستقرار في العالم. والحقيقة الثانية أنه رغم عدم وجود دولة في العالم محصنة أو معفاة من الأزمات والكوارث السياسية والاجتماعية، إلا أن الدول النامية، أو دول العالم الثالث، هي المتسببة في هذه الأزمات والكوارث، لأسباب معروفة لا مجال للحديث عنها هنا. ومن تشابك هاتين الحقيقتين تنبع قناعتنا بحتمية تدخلات المجتمع الدولي في المشهد السياسي للدول النامية، بما فيها السودان، كوسيلة لحل الصراعات وتحقيق السلام ومنع امتداد التوترات والصراعات إلى خارج الحدود. العامل الثاني: عند اشتدادها. هناك أزمة يعيشها بلد ما، وتفشل النخب السياسية الوطنية في معالجة الأزمات التي تعصف به إلى حد تفاقم الخلافات والصراعات السياسية والاجتماعية والعرقية. ومن ثم يضطر المجتمع الدولي إلى اللجوء إلى التدابير الدولية وقوانين الشرعية الدولية، بهدف التدخل وتقديم الحلول ومحاولة فرض الاستقرار في البلاد، ومنع انتشار التوتر إلى خارجها. ويظهر هذا التدخل واضحا في قضايا الحرب والسلام والكوارث الإنسانية، والسودان خير مثال على ذلك. ونتوقف هنا لنشير إلى أن التجربة تقول إن ليس كل التدخلات الدولية حميدة وتتم وفق القانون الدولي والمصلحة العامة، بل وفق منطق القوة والهيمنة والمصلحة الخاصة، وهذا موضوع يمكن الحديث عنه في مجال آخر. العامل الثالث: الجهود الحثيثة التي يبذلها المجتمع الدولي، وخاصة دول “العالم الأول” التي تقود وتحرك تفاعلات المجتمع الدولي، لحماية مصالحه الاقتصادية والتجارية والاستراتيجية، المرتبطة بتحقيق الاستقرار العالمي، وتجفيف منابع الإرهاب، وضمان انسيابية المعاملات الاقتصادية. لا توجد دولة في العالم محصنة أو معفاة من الأزمات والكوارث السياسية والاجتماعية، إلا أن الدول النامية، أو دول العالم الثالث، هي المتسبب في هذه الأزمات. وبالإضافة إلى الموارد والثروات وكون السودان أحد العناصر الأساسية في توفير الأمن الغذائي على المستويين الإقليمي والعالمي، فإن هناك عاملاً آخر يجعل السودان محط اهتمام القوى الدولية والإقليمية، وهو أنه يتمتع بموقع استراتيجي فريد حيث يمثل منفذاً أفريقياً حيوياً إلى البحر الأحمر عبر ساحل يمتد حوالي 850 كيلومتراً، بالإضافة إلى كونه جسراً يربط بين دول القرن الأفريقي ووسط أفريقيا. والعالم العربي . ورغم أن هذا الموقع الاستراتيجي كان من المفترض أن يكون نعمة، إلا أنه في الواقع تحول اليوم إلى نقمة، لعدة أسباب. ويؤدي الاهتمام الدولي والإقليمي بأهمية السودان الجيوسياسية إلى تعقيد أزماته الداخلية، حيث تتقاطع المصالح الخارجية مع الصراعات المحلية، مما يجعل الحرب المستعرة اليوم، في جزء منها، حربا بالوكالة. كما أن الموقع الاستراتيجي جعل من السودان عنصرا محوريا في خطة إعادة تشكيل خريطة المنطقة، وفق مشروع “الشرق الأوسط الجديد”، مما يزيد من فرضية تقسيمه إلى دويلات مستقلة، والتي بدأت في الجنوب. كما أن الموقع الاستراتيجي يضع السودان في منطقة تشهد توترات جيوسياسية عميقة، مع صراعات تتعلق بأمن البحر الأحمر، وتنافس دولي شديد على ممراته وطرق التجارة العالمية. كما أنه يعزز احتمالية انتشار الصراع الدموي في البلاد إلى الدول المجاورة، خاصة تلك التي تعاني بالفعل من توترات سياسية واجتماعية متصاعدة وأوضاع أمنية هشة. جوهر القضية إذن ليس في قبول أو رفض التدخلات الدولية في شؤوننا، فهي ضرورية في ظل علاقات العولمة، كما ناقشنا أعلاه، وهي تفعل ذلك بغض النظر عما إذا كنا نعلن قبولنا لها أو رفضنا لها. بل الجوهر يكمن في كيفية تعاملنا معها بشكل صحيح، أي أن نفرق بوعي كامل بين موضوعيتها وحتميتها، ومضمون الحلول المتضمنة فيها، وفق مبدأين أساسيين: الأول أن الحل النهائي والفعال لأزماتنا ومشاكلنا يكمن داخل الوطن، وينطلق منا، ولن يأتي إلينا من الخارج. والمبدأ الثاني هو عدم تجاهل جهود المجتمع الدولي والإقليمي لتحقيق مصالحه المتعلقة بضمان انسيابية المعاملات الاقتصادية، وتحقيق الاستقرار العالمي، وتجفيف منابع الإرهاب. بل نحن نقر ونفهم ونتعاون في كل ذلك. لكن ما نود قوله بكل حزم وصرامة هو أن مصالح الخارج لا يمكن أن تكون على حساب مصالح شعبنا، ولا يمكن أن تظل هذه المصالح رهينة لمصالح المجتمع الدولي أو التضحية بها على مذبحه. وبشكل عام، لا يمكننا أن ننكر المساهمات الكبيرة التي قدمها المجتمع الدولي لإطفاء لهيب الحرب وإطفاء بؤر التوتر في العالم. ونحن ندرك وندرك أن بلادنا قد حصلت على حصة من هذه المساهمات. إلا أن اعترافنا واعترافنا لن يعمينا عن التمييز، بوعي كامل، بين هذه المساهمات، كظاهرة موضوعية بل ومطلوبة، ومضمون الحلول المتضمنة فيها، والتي قد تتعارض مع تطلعاتنا، وأحيانا قد تجعل الواقع أكثر صعوبة وتعقيدا، مهما بلغت كفاءة وقوة حجة علماء السياسة وبنوك الفكر المرتبطة بمراكز صنع القرار في المجتمع الدولي. وسنواصل المناقشة في المقالات التالية. نقلا عن القدس العربي الكاتب




