اخبار موريتانيا – وطن نيوز
اخر اخبار موريتانيا اليوم – اخبار موريتانيا العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-13 17:37:00
لم أكن لأكتب هذه الرسائل لو أن المقال كاتب عابر، لكن أخي العزيز موسى يكتب بصدق يجعل القارئ يميل إلى الاستماع إليه حتى عندما يختلف معه، ولذلك شعرت أن الصمت هنا ليس موقفا كافيا. أعرف موسى، وأعلم أنه لا يكتب بالشماتة أو التحامل، وبالنسبة لي فهو يكن له ذلك النوع من المودة والحب والاحترام الذي يجعل الخلاف معه يختلف عن الخلاف مع الآخرين. ثم إن مثل هذه الأفكار عندما تأتي بحلة جميلة وبقلم كقلم موسى، قد تصل إلى الناس كأنها الحقيقة الكاملة، في حين أنها قد تحجب دون قصد جزءا كبيرا من الألم الذي يعيشه قطاع كامل من هذا المجتمع، أو معظمهم. لذلك كان هذا التوضيح ضرورياً، إنصافاً لذكرى أخرى ظلت بلا صوت لفترة طويلة. وهذا ليس ردا على المقال بهذا المعنى، بل هو موازية لبعض ما ورد فيه، وتأكيد وتحقق لبعض الواقع المشار إليه أن المقال لم يعط صورته الكاملة. ورأى المقال الجانب الذي كان فيه “بودي” مشترك، و”شقات” مشوي، وأولاد يجمعون “لاغو” ويسرقون “باسي”، وإفريقيا توزع المودة على الجميع دون السؤال عن اللون أو النسب. رأى أخي موسى المشاهد التي ينتصر فيها الإنسان على قسوة المجتمع، فكتبها بالحب والوفاء. لكن ما لم يقله المقال هو أن هذه الصور، على قدر جمالها، كانت الاستثناء الذي قيل، وليس القاعدة التي عاشها الحراطون. أما تنظيم القاعدة فكان شيئاً آخر تماماً. كانت طفلة سوداء تنام كـ«جركل فور فريك» يوقظها البرد قبل الفجر، لا لتذهب إلى الحظيرة أو تحمل لوحا، بل لتنضم إلى القطيع قبل أن تسبقه الشمس إلى الهواء الطلق. لقد كانت فتاة أنجبت لأنها “مملوكة”، وليس لأنها اختارت. وكانت الأم ترى أولادها يُعطون مهورًا، فيطلب منها الطاعة وكأن قلبها ليس قلب الأم. كانوا رجالًا عاشوا حياتهم كلها دون أن يحملوا أسمائهم الكاملة، ولا يملكون شيئًا من الأرض سوى الغبار الذي يعلق بأقدامهم أثناء خدمتهم للآخرين. لقد ولدت أجيال بأكملها بسلاسل في أعناقها لا يمكن رؤيتها، بل كانت تُرى أحيانًا. كان ذلك في الوقت الذي كان فيه أبناء “لخيام-لبارات” يجلسون في الساحات، يحفظون القرآن والنصوص، ويدرسون الفقه والنحو والشعر، وكان أبناء الحراطين يحملون المياه إلى تلك المزارع، ويرعون مواشي أهلهم، ويقفون على أطراف المجالس، وكأن العلم خلق لغيرهم. وفي الوقت نفسه أيضاً كان أطفال البيوت الأخرى يكبرون على صهيل الخيول، وصوت البنادق، وهيبة الإمارة والقيادة، ومجالس إيغاون على إيقاع «فاجو» أو «فقو» (كما يحلو للبعض تسميتها)، وبإيقاع كامل، من «تنشوغ» في الجانب الأسود، إلى «إسروزي» في الجانب الأبيض، و«أشبَر» لأفلاجنيدية، وحتى “لابيتيت” أيضًا بعد ذلك. ولم يختلف الكافي ولد بوسيف عندما هتف: “حله لعقني وأنا أنقذه *** ما عندي فيه أعلى صوت، رجعت أرتفع إليه وأطلبه *** وننشره على ريتو ينبوع”. وكانوا يتعلمون معنى “ذلك” منذ صغرهم. النفوذ والسلطة والهيبة، في حين تم دفع الآخرين إلى أسفل السلم الاجتماعي. ولذلك فإن التفاوت بين الناس في ذلك الوقت لم يكن مجرد تفاوت في المال أو الحظ، بل كان تفاوتا في الحق في الحياة نفسها. كم من الأذكياء ماتوا أميين لأنهم ولدوا في الجانب الخطأ من المجتمع. فكم من امرأة عاشت حياتها كلها في خدمة بيت ليس بيتها، وتطبخ لأطفال غير بيتها، وتضمن راحة الآخرين، ثم تموت دون أن يذكرها أحد سوى “خادمة” إيدو أفلان. هذا هو الجانب الأكبر من القصة يا أخي موسى، ليس لأن الناس كلهم وحوش، ولكن لأنه عندما يتحول الظلم إلى نظام اجتماعي، يصبح عاديا لدرجة أن الطيبين أنفسهم قد يمارسونه دون الالتفات إلى قبحه. نعم كانت هناك لحظات رحمة، وكان هناك أسياد أكثر رحمة من غيرهم، وكانت هناك علاقات إنسانية صادقة، لكن التاريخ لا يقاس بلحظات الرحمة وحدها، بل بشكل الحياة نفسها، من تعلم ومن حرم، من ملك ومن خدم، من سمع صوته ومن عاش حياته كلها يخفض صوته. قد يضحك العبد أحياناً، لكن الضحك لا يكسر السلسلة. قد يحب سيده ويحبه، لكن الحب لا يجعل العبودية أقل عارًا. وقد يتعايش مع وضعه حتى يظن أنه قدر إلهي، لكن اعتياد الظلم ليس دليلاً على عدالته. إن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يعني إعلان الحرب على أحد، ولا هو محاولة لتمزيق المجتمع كما يتصور البعض. إن الأمم لا تنقسم عندما تواجه ماضيها، ولكنها تنقسم عندما تجبر ضحاياها على الصمت باسم الوحدة. والحراطين لا يطلبون من التاريخ أن يعود إلى الوراء، ولا ينتظرون معجزة تمحو قرونا من التفاوت في ليلة واحدة – كما أشار المقال – بل كل ما يريدونه هو ألا يطلب منهم ذلك مرة أخرى. أن يتحملوا جراحهم بصمت، وأن يشكروا التاريخ لأنه كان “ألطف قليلاً” مما كان يمكن أن يكون. وهذا لا يعني بالطبع أن كل من تحدث باسم الحراطين كان دائما مناصرا للقضية، ولا أن بعض السياسيين والحقوقيين لم يحاولوا أحيانا المتاجرة بالألم أو تحويله إلى مكاسب شخصية، كما يحدث في كل القضايا الكبرى. لكن سوء بعض من حمل القضية لا ينفي هول الألم، ولا يمحو قروناً من التهميش والذل، ولا يغير الواقع البائس للأحرار في كثير من جوانب الحياة، لأن خلل بعض الأصوات لا يبطل حقيقة الصرخة نفسها. ثم إن الحديث اليوم عن معاناة الحراطين ليس مؤامرة كما يقترح البعض، ولا محاولة لتفتيت المجتمع كما يظن البعض الآخر، بل هو محاولة للاعتراف بحقيقة قديمة دُفنت تحت الكثير من الجهل والمجاملات، لدرجة أن الحراطين كانوا يطلقون -على سبيل المجاملة- على “الخيريين” في بعض البلدان. وفي الختام: إن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نغطي الحقيقة بقطعة قماش من الحنين وبعض الذكريات الجميلة، ونترك آلاف القصص الحزينة في الظل، تلك القصص التي لم تكتب لأن أصحابها لا يكتبون. رحم الله الأمين ومالك أو مالك، فقد اتسعت القبور لهما، وما زالت الدنيا تضيق بالأحياء مع اختلاف ألوانهم وقصصهم.




