لبنان – ومن يفرق بين المظلوم والقاتل؟

اخبار لبنانمنذ ساعتينآخر تحديث :
لبنان – ومن يفرق بين المظلوم والقاتل؟

اخبار لبنان – وطن نيوز

اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-16 18:00:00

وفي كل مرة يعود ملف العفو العام إلى الواجهة، يعود معه السؤال نفسه حول قدرة الدولة اللبنانية على تحقيق العدالة للمظلومين وتصحيح الثغرات القضائية من دون الانزلاق نحو تسويات سياسية تمس هيبة القانون والمؤسسات. لم تعد المشكلة في مبدأ العفو وحده، ولا في ضرورة إعادة النظر في ملفات المعتقلين الذين طال أمد محاكماتهم، بل في محاولة جمع قضايا متباينة جداً في سلة واحدة، ما يهدد بتحويل العفو من مجال التصحيح إلى مدخل لخلط الملفات وتصفية الحسابات. عملياً، لا يقتصر الملف على البعد الإنساني أو القضائي، على الرغم من أهميته. ووراء العفو العام، تتقاطع الحسابات الطائفية والمناطقية والانتخابية، وتسعى الكتل السياسية إلى تحقيق مكاسب لناخبيها. في المقابل، تخشى قوى أخرى من أن يتحول القانون إلى باب خلفي لإسقاط الأحكام أو الملاحقات القضائية في قضايا لا يمكن التعامل معها باستخفاف. عند هذه النقطة يتحول العفو من أداة العدالة إلى اختبار لقدرة الدولة على الفصل بين الظلم الذي يجب رفعه، والجريمة التي لا يجوز تبييضها. ومن هنا، تبدو المعركة الحالية أكثر من مجرد نص قانوني يُناقش في أروقة البرلمان. إنها معركة حول «معنى الدولة» نفسها، وحول قدرتها على الاعتراف بأخطاء نظامها القضائي دون ارتكاب خطأ أكبر. فهل ستتجه السلطة نحو صفقة سياسية ترضي الجميع على الورق وتعمق الشعور بالظلم، أم ستنجح في إنتاج مراجعة حقيقية تنصف المعتقلين الذين يستحقون حقا إعادة النظر في ملفاتهم، دون المساس بحقوق الضحايا أو كرامة المؤسسات؟ إن ضرورة العدالة لا تعني العفو المفتوح. ولا يمكن إنكار أن هناك ملفات داخل السجون اللبنانية تتطلب مراجعة فورية. هناك معتقلون أمضوا سنوات في انتظار حكم لم يصدر، وآخرون تحولوا إلى شخصيات منسية في ظل بطء القضاء واكتظاظ الزنازين. وفي ظل هذا الواقع، يصبح البحث عن حل قانوني ضرورة أخلاقية وقضائية لرفع الظلم عن فئة دفعت أثماناً باهظة نتيجة ضعف الأداء المؤسسي، بعد أن تحولت فترة الاعتقال نفسها إلى عقوبة مسبقة. لكن هذه المظالم لا تبرر بأي حال من الأحوال منح تبرئة واسعة النطاق وغير منضبطة تمحو التمييز القانوني والجرائم الخطيرة. العدالة الحقيقية تتطلب التمييز الدقيق بين من يحتاج إلى حل قانوني عادل بسبب تعثر الإجراءات، وبين من ارتكب جرائم تمس أمن الدولة وحياة الجنود والمدنيين. ومساواة هؤلاء بهؤلاء ليس إنصافاً، ويبدو أقرب إلى الطعن في جوهر العدالة نفسها. وإذا كان مطلوباً من الدولة أن تصحح الخلل حيث حدث، فإن المطلوب منها أيضاً ألا تخلق عيباً أكبر من خلال قانون يختزل العدالة إلى تسوية سياسية عامة. ومن هنا، تبدو الصيغة المطلوبة دقيقة وحساسة في الوقت نفسه، إذ من المفترض أن تحكمها استثناءات واضحة لا تحتمل التأويل، ومعايير قضائية صارمة، وليست سياسية. أما اختلاط القضايا، فهذا ما يفرغ العفو من قيمته الإنسانية، ويحوله إلى أزمة جديدة تضاف إلى سجل الأزمات القديمة التي لم تجد طريقها إلى الحل. هيبة الدولة والخط الفاصل بين السياسة والقضاء ولعل أخطر ما في السجال الحالي هو أن الدولة تبدو مرة أخرى أمام اختبار قدرتها على رسم خطوط حمراء ثابتة غير قابلة للتفاوض، خاصة في القضايا التي تمس هيبة المؤسسة العسكرية. هناك فرق شاسع بين معالجة أوضاع المعتقلين الذين لم تثبت عليهم جرائم خطيرة، وبين إدخال القتلة العسكريين أو المتورطين في ملفات إرهابية أو جرائم كبرى في أي تسوية. فالمسألة هنا أخلاقية بامتياز، وتتعلق بالحد الأدنى من احترام الدولة لمن سقطوا في خدمتها، وللمؤسسات التي تطلب من أعضائها كل يوم حماية الأمن تحت سقف القانون. وأي عفو لا يأخذ في الاعتبار هذه الحساسية سيواجه حتماً سؤالاً أخلاقياً قبل أن يكون سياسياً: كيف يمكن للدولة أن تطلب من جندي حماية أمنها إذا كانت مستعدة لحجب المساءلة عن من استهدفه في لحظة تسوية عابرة؟ ولذلك فإن حماية هيبة الدولة لا تعني تجاهل المظالم، بل تعني التحلي بشجاعة التصحيح دون المساس بالعدالة، والقدرة على العفو حيث يجوز، دون تحويله إلى رسالة ضعف أو مكافأة على الجريمة. ولعل المشكلة الأساسية في ذلك هي أن لبنان يتعامل في كثير من الأحيان مع القوانين الحساسة وفق منطق المعاملات وليس منطق المؤسسات، مما يستبعد الحديث الجاد عن إصلاح القضاء وتسريع المحاكمات. ولذلك فإن النقاش الدائر حالياً قد يكون فرصة لاختبار مختلف. وبدل أن يتحول العفو إلى «سوق سياسي» بين الكتل، يمكن أن يتحول إلى مدخل لمراجعة أوسع: من يقرر الاستثناءات؟ ما هي المعايير؟ كيف يتم حماية حقوق الضحايا؟ كيف يمنع استخدام العفو لأغراض سياسية؟ الجواب على هذه الأسئلة هو الذي يحدد ما إذا كان القانون سيحقق عدالة حقيقية أو سيضيف جرحا جديدا إلى الذاكرة الجماعية. اللبنانيون لا يحتاجون إلى قانون ينتصر لفئة على أخرى وفق منطق المنتصر والمهزوم، ولا إلى عفو عام يقدم كهدية سياسية. وما يحتاجونه عمليا هو مقاربة توازن بين العدالة للمظلومين وليس إلغاء الجريمة، لأن هيبة الدولة لا تبنى بالقسوة وحدها، ولا بالتسامح غير المشروط. بين المظلوم والقاتل مسافة واسعة من المفترض أن يملأها القانون، وليس الصفقات.

اخبار اليوم لبنان

ومن يفرق بين المظلوم والقاتل؟

اخر اخبار لبنان

اخبار طرابلس لبنان

اخبار لبنان الان

#ومن #يفرق #بين #المظلوم #والقاتل

المصدر – لبنان ٢٤