تونس – الاتحاد العمالي والشجاعة للانتقال من «ريح التعبئة» إلى «مختبر الكفاءة الفنية»

اخبار تونسمنذ ساعتينآخر تحديث :
تونس – الاتحاد العمالي والشجاعة للانتقال من «ريح التعبئة» إلى «مختبر الكفاءة الفنية»

اخبار تونس- وطن نيوز

اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-19 09:42:00

في مقال سابق نشرته أعمدة الأخبار التونسية، فككنا معضلة الاتحاد العام التونسي للشغل، ووصفناه بـ”الخيمة التي تعثرت في حبال بيروقراطيته”. ولم يكن هذا الوصف مجرد انتقاد عابر، بل صرخة لتشخيص جرح وجودي عميق: الفجوة الآخذة في الاتساع بين الشرعية التاريخية التي استنفدت أدواتها الكلاسيكية، والواقع الاقتصادي المعولم والرقمي الذي يفرض الانتقال الفوري من «منطق الحصار والمطالب» إلى «منطق الكفاءة والجدوى التقنية». عبد الوهاب بن موسى * اليوم، ومع اقتراب إقرار خطة التنمية 2026-2030 ودخولها مرحلة التنفيذ، وصعود دعاية «الذكاء الاصطناعي»، يبرز الخطر الحقيقي: أن تحجب المعضلات البنيوية العميقة للدولة ومؤسساتها بستار كثيف من المؤثرات الإعلانية والحلول التقنية التجميلية. وهذا التحدي يضع القيادة الجديدة للاتحاد، بعد مؤتمر المنستير الاستثنائي، أمام مرآة الحقيقة: فالمنظمة لم تعد تواجه السلطة فحسب، بل تواجه أيضا ترهلها. عقيدة الالتفاف على “الفيتو” النقابي تكشف خطة التنمية الخماسية الجديدة عن تحول جذري في عقيدة إدارة الدولة التونسية. فللمرة الأولى منذ عقود، لم يجد الاتحاد نفسه جالساً في غرف مغلقة لفرز الخيارات الكبرى قبل صدورها. واعتمدت الهيئة نهجا تقدميا بدأ من المحليات والمناطق وصولا إلى الصياغة الوطنية النهائية. إنها استراتيجية سياسية بامتياز نجحت في حرمان البيروقراطية النقابية من حق «الفيتو» التقليدي الذي حرمت منه لسنوات. وقد تفاقمت هذه العزلة الهيكلية من خلال إجراءات قاسية للغاية ولكن قانونية، أبرزها تعليق الاستقطاع التلقائي للمساهمات. وكشف هذا الإجراء عن واقع مرير صمتت عنه القيادات النقابية طويلا، وهو أن الهياكل المركزية للنقابة تحولت إلى جهاز إداري ثقيل يتغذى على الإيرادات المالية المضمونة، بدلا من تجديد شرعيته اليومية عبر الإقناع والخدمة الفعلية للصفوف. وأمام هذا الحصار، وإصرار السلطة على حصر النقابة في ساحة مهنية بحتة، يصبح التعلق بأنقاض «الخيمة التاريخية» مجرد تراجع عاطفي غير قادر على مواجهة الواقع. ولا تهدف الخطة إلى إلغاء الاتحاد، بل تضع أمامه مرآة لترى حدود نموذجه القديم البائد. وزارة المالية واختبار «قدرات الدولة» وسط هذا الانسداد، تمثل الدعوة الرسمية الأخيرة من وزارة المالية للاتحاد للمشاركة في مناقشة أولية حول «موازنة الدولة لعام 2027» تحولاً كبيراً جداً. وهذه الدعوة ليست أداة غفران، بل هي اختبار جدي يضع المنظمة أمام مسؤوليتها الفنية والوطنية. السلطة هنا لا تفاوض تحت ضغط الشارع، بل تفتح الطاولة على «دفتر حسابات الدولة المالية والحقيقية». وهذا المتغير يجبر الاتحاد على التخلي فوراً عن خطاب الإدانات والمطالب الهيكلية المعزولة عن سياق الموازنات. إن القاعدة العمالية التي استمعت إليها القيادة في جولاتها الميدانية لم تعد تبحث عن شعارات القرن الماضي، بل تبحث عن إجابات ملموسة لواقع متأزم يتميز بالتضخم الهيكلي والتآكل المرعب للقدرة الشرائية، إضافة إلى الرعب الحقيقي من الأتمتة الزاحفة التي بدأت تهدد استقرارهم الوظيفي. إن استعادة ثقة الصف، وتحديث العمل النقابي، والجلوس المريح على طاولة وزارة المالية، يمر حتماً بـ”صدمة رقمية ومعرفية”، تبدأ بتعزيز الشفافية المالية للمنظمة، وتطوير نظام الانخراطات الرقمية ليكون طوعياً ومباشراً. عندها فقط سيتقدم الاتحاد كقوة اقتراحية فنية قادرة على تفكيك أرقام موازنة 2027، وليس كهيئة وسيطة تبحث عن موقف سياسي عابر. خارطة طريق لـ«اتحاد الغد» إذا كانت تونس تطمح، من خلال الخطة الخمسية، إلى الاندماج في فلك السيادة الرقمية، فإن الذكاء الاصطناعي لا يمثل مجرد برمجيات مستوردة، بل إعادة هندسة شاملة لعقود العمل والمسؤوليات القانونية للعمال وأصحاب العمل. ومن هنا يتعين على الاتحاد أن يعيد صياغة أدواره من خلال ثلاث واجهات فنية واضحة: 1. إصلاح قاطرة التمويل ووقف هجرة الأدمغة (نموذج البنوك العامة). وفي إطار مناقشة الموازنة وقدرات الدولة، لا يمكن لأي اقتصاد أن يتحرك دون أذرع مالية عامة قوية ومستقلة (البنوك العامة). وهنا يبرز دور النقابة في مواجهة ثلاث معضلات هيكلية: ترشيد التكاليف الهيكلية: تجاوز فاتورة الأجور بنسبة 55% من نفقات التشغيل في بعض البنوك العامة (مقارنة بالمعايير الدولية 40-45%) ليس استثمارا في البشر، بل هو دليل على مسارات قرار متضخمة تستهلك الطاقة دون تحسين الأداء التشغيلي. تفكيك “الاستجابات غير المكتملة” لأزمة هجرة الأدمغة: تشير أرقام معهد ITES إلى أن حوالي 95 ألف مهني من ذوي المؤهلات العالية غادروا تونس بتكلفة تقدر بـ 200 مليون دولار سنويا، وفقا للبنك المركزي. المعالجة السطحية القائمة على الحلول الإدارية الجافة أثبتت فشلها في مواجهة نظام «يلفظ أنفاسه الأخيرة». إن الاتحاد مطالب بإنشاء نوع جديد من الاتفاقيات الجماعية التي تتسم بالمرونة والمحفزة للمهارات الحرجة (مثل البيانات والأمن السيبراني) من خلال اعتماد مسارات وظيفية شفافة تقوم على الجدارة، بعيدا عن التسميات المتوقعة التي تديم ثقافة “الحذر المفرط والركود”. تحرير قرار الإقراض وتوطين التكنولوجيا: بدلاً من زج المؤسسات في عقود تبعية تكنولوجية طويلة الأمد مع شركات البرمجيات العالمية التي تفرض شروطها وتحتكر البيانات، يجب على الاتحاد الدفع نحو تفعيل المنجم الضخم من البيانات التاريخية المملوكة للبنوك العامة وتطويرها محلياً من خلال نماذج مفتوحة المصدر لتخفيف الأعباء على موازنة الدولة. 2. صياغة عقود “الانتقال العادل” ومواجهة “الإدارة الخوارزمية” للعاملين. إن إدخال الذكاء الاصطناعي والأتمتة في المنظمات غير المستعدة هيكليا هو مجرد “أتمتة العيوب والتحيزات السابقة” (كما حدث في أزمات الديون الآلية في أستراليا والنظام البريطاني في عام 2021). إن النجاح في تبني التكنولوجيا ليس معركة أجهزة، بل هو مشروط بالإرادة السياسية وتغيير الثقافة الإدارية. ومن هذا المنطلق، تواجه العاملات تحديات غير مسبوقة يجب على النقابة الاستعداد لمواجهتها: معضلة نقل المسؤولية (تحول المساءلة): اليوم، توضع الموظفة أمام «الصندوق الأسود» لأنظمة التوليد؛ فإما أن تتخذ قرارات (مثل منح القروض أو تقييم المخاطر) دون فهم معاييرها وبياناتها الأساسية لتدريبهم، أو ترفضها دون وجود حجة فنية مضادة. يتمثل دور الاتحاد في فرض آليات لتثقيف وإنسانية القيادة الوسطى والعليا (Aculturation des cadres) من خلال أدوات ملموسة مثل التوجيه العكسي لتقليص الفجوة بين الأجيال، ومختبرات التجارب الداخلية (Labs)، ولجان أخلاقيات الذكاء الاصطناعي (Comités éthiques IA) لضمان الرقابة البشرية قبل إطلاق أي نظام خوارزمي. معالجة مخاطر “الإدارة الخوارزمية”: بدأ المشغلون في مواجهة رقابة تكنولوجية غير مرئية شديدة القسوة، حيث يتم استخدام الأنظمة لتقييم الأداء وتتبع الإنتاجية في الوقت الفعلي بناءً على مؤشرات رياضية صارمة تتجاهل الإنسانية. وتتمثل معركة النقابة هنا في صياغة “اتفاقيات جماعية للتحول التكنولوجي العادل” التي تضمن حقوق العمال في التأهيل المهني وتحمي أمنهم الوظيفي في مواجهة مرونة عقود العمل الهشة التي تفرضها اقتصادات المنصات الرقمية. 3. المرصد الفني لعدالة المشاريع الجهوية وسيادة البيانات تحتوي خطة التنمية على طموحات كبيرة لتحقيق العدالة الجهوية من خلال مشاريع البنية التحتية والطاقة النظيفة (الهيدروجين الأخضر). لكن التاريخ التونسي يعلمنا أن المشاريع غالبا ما تتعثر في الممرات البيروقراطية وتتركز في نهاية المطاف على الشريط الساحلي. وهنا يتحول الاتحاد عبر فروعه الجهوية الـ 24 إلى مرصد فني محايد، يطلق «مؤشرات مراقبة رقمية وميدانية» لرصد سير إنجاز مشاريع الخطة الخمسية في المناطق الداخلية بأرقام ونسب دقيقة، والكشف عن مناطق الفساد أو التباطؤ الإداري، ليكون قوة فاعلة في معركة الكفاءة والشفافية وضبط النفقات وسيادة القرار الوطني على الثروات والبيانات. عندما أسس فرحات حشاد الاتحاد العام التونسي للشغل في الأربعينيات، لم يؤسسه كمحل لمطالب طائفية ضيقة، بل صاغه كأداة لتحرير الأمة وبناء الدولة. «خيمة الاتحاد» كانت قوية لأنها حملت مشروعاً مجتمعياً متكاملاً يلبي مصلحة تونس وعقل الدولة ومقدراتها. واليوم يجد الاتحاد نفسه أمام الاستحقاق نفسه، ولكن بأدوات القرن الحادي والعشرين وبأرقام الميزانية والإمكانات الملموسة لعام 2027. والإصرار على مواجهة السلطة بخطابات الثمانينيات والتشبث بأطراف «الصدام الحتمي» لن يؤدي إلا إلى تعميق عزلة التنظيم ودفع البلاد نحو تفكك اقتصادي واجتماعي لا يخدم أحدا. إن دعوة وزارة المالية الحالية هي اللحظة التاريخية المناسبة لانتزاع الاعتراف بالواقع التشاركي، ليس عبر لغة الشارع والشعارات البالية، بل عبر قوة الطرح وكفاءة البديل الفني. وعلى النقابة أن تثبت للدولة وللمستثمرين وللشعب أنها قادرة على التحول إلى معمل تقني يساهم في صياغة ميزانيات البلاد وحماية عمالها من هيمنة الآلة. وإلا فإن التاريخ لن يرحم بنية فضلت الانتحار الأيديولوجي على الحداثة التقنية، وسيتذكر الجميع أنه عندما رفضت «الخيمة» هندسة المستقبل، انهارت فوق رؤوس الجميع بفعل رياح التغيير العاتية التي لا تنتظر من يتثاءب. * مهندس معلومات وإطار في أحد البنوك العامة. المصادر والمراجع الأساسية للمقال: معهد ITES، تقرير الكفاءات والتحديات المتعلقة بالهجرة المختصة (2021). البنك المركزي التونسي، التقرير السنوي 2024. وزارة تكنولوجيات الاتصال، التقرير الرقمي السنوي 2025-2026. وزارة المالية التونسية، مراسلة تمهيدية حول القدرات المالية للدولة (ماي 2026).