اخبار موريتانيا – وطن نيوز
اخر اخبار موريتانيا اليوم – اخبار موريتانيا العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-20 21:22:00
في كل مرحلة تمر فيها الدول بأزمات سياسية أو اجتماعية، ترتفع أصوات تسعى إلى تفسير الخلل القائم وتقديم رؤى للخروج منه. وهذا أمر طبيعي وحتى صحي، لأن المجتمعات الحية لا تتقدم إلا بالمناقشة والخلاف وإعادة التفكير في مساراتها. لكن المشكلة تبدأ عندما يترك النقاش مسألة بناء دولة المواطنة، ويتحول إلى إعادة تعريف المجتمع باعتباره مجموعة من الأنصبة والأعداد والانتماءات المتعارضة، ولكل منها نصيب ينبغي اقتطاعه من مؤسسات الدولة ومراكز صنع القرار. جاء هذا المقال بعد أن قرأت تدوينة لأحد الأطر التي عرفتها والتي دافعت عن قيم المواطنة الشاملة والخطاب الوطني المتجاوز للانتماءات الضيقة. ووجدت خطاباً مختلفاً يعتمد على منطق المحاصصة والتجزئة، وتقديم الأرقام والإحصائيات كحقائق نهائية غير قابلة للنقاش، دون الإشارة إلى مصادرها، أو منهجية جمعها، أو الجهات التي أصدرتها. المشكلة ليست في طرح التساؤلات حول التهميش أو الخلل في التمثيل، فهو حق مشروع بل ضرورة وطنية. بل تكمن المشكلة في بناء استنتاجات رئيسية على بيانات غير موثقة. لأن القضايا المتعلقة بالوحدة الوطنية والعدالة الاجتماعية لا تحتمل الانطباعات، بل تحتاج إلى أرقام دقيقة ومصادر واضحة حتى لا يتحول النقاش من البحث عن الحلول إلى خلق قناعات مبنية على التصور أكثر من الواقع. تزايدت في موريتانيا في السنوات الأخيرة الخطابات المبنية على منطق «الشرائح» و«المكونات»، وأصبح الحديث عن المناصب والتمثيل يقاس أحيانا بمعيار الانتماء الاجتماعي أكثر منه بمعايير الكفاءة أو البرامج أو الرؤية الوطنية. بالنسبة لبعض الأطراف، تحولت لغة الأرقام والنسب إلى أداة لإثبات القمع أو تبرير مطالب سياسية واجتماعية جديدة. ومن المشاكل الأخرى التي تضعف الخطاب القطعي، اختزال الهوية الاجتماعية في اللون أو المظهر، وكأن الانتماء يمكن قياسه بدرجة لون البشرة أو بعض السمات الشكلية. اللون وحده لم يكن يوما معيارا دقيقا للانتماء داخل المجتمع الموريتاني، ولا دليلا كافيا للفصل بين الناس أو تصنيفهم. عاش البدان والحراطين عبر التاريخ ضمن فضاء اجتماعي وثقافي وإنساني متداخل، تجمعه اللغة والدين والعادات والعديد من الامتدادات الاجتماعية، ولا يمكن اختزال العلاقة بينهما في قراءة مبسطة أو تصنيف جامد. بل إن الواقع نفسه يكشف أن داخل كل مكون هناك تنوع بشري ولوني واضح؛ وفي كل فئة أطياف متعددة ودرجات مختلفة، مما يجعل اختزال المجتمع إلى ثنائيات حادة قراءة لا تعكس مدى تعقيد المجتمع الموريتاني ولا حقيقة تركيبته البشرية. فالأمم لا تدار وفق منطق التباعد الاجتماعي، بل وفق منطق المواطنة الشاملة. ولا خلاف على أن البلاد عرفت اختلالات تاريخية وفوارق اجتماعية حقيقية، وأن العديد من الفئات والمناطق عانت من التهميش وضعف فرص الوصول إلى النفوذ والتعليم والاقتصاد. ولا ينبغي أيضًا إنكار وجود مظالم يجب معالجتها بجدية ومسؤولية. لكن يبقى السؤال الأهم: هل العلاج بتكريس منطق الشرائح أم بالتجاوز عنه؟ فعندما يصبح المواطن ممثلاً لشريحته قبل أن يكون مواطناً، ويُنظر إلى الوزير أو الممثل أو المسؤول على أنه ممثل فئة اجتماعية وليس حاملاً لمشروع وطني، نكون قد انتقلنا من مشروع بناء الدولة إلى إعادة إنتاج البنية التقليدية ضمن مؤسسات يفترض أنها حديثة. إن خطاب المحاصصة، حتى عندما ينطلق من حسن النية، يحمل في طياته مخاطر عميقة؛ لأنه يعيد تعريف المجتمع كمجموعات تتنافس على النفوذ، ويغرس الشعور الدائم بأن الحقوق تنتزع بالوزن العددي والضغط الاجتماعي، وليس بالكفاءة والقانون والعدالة. والأسوأ من ذلك أنه يدفع الأجيال القادمة إلى النظر إلى الوطن كسوق لتوزيع المحاصصة، وليس مساحة شاملة للمواطنة والانتماء المشترك. أثبتت التجارب العديدة حول العالم أن الدول التي استسلمت لمنطق المحاصصة تحولت تدريجياً إلى ساحات توتر دائم بين الهويات الفرعية، حيث أصبح الانتماء هو مفتاح الوصول، والدولة نفسها أصبحت رهينة التوازنات الهشة التي تتغير مع كل أزمة. والمطلوب ليس تجاهل الفوارق أو إنكار المشاكل، بل بناء سياسات عدالة حقيقية تقوم على العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص وتطوير التعليم ومكافحة الفقر وفتح المجال أمام المواهب من مختلف البيئات والفئات؛ الفقر لا ينتمي إلى شريحة واحدة، والتهميش ليس له لون اجتماعي واحد. موريتانيا اليوم بحاجة إلى خطاب موحد لا يقبل التجزئة، يبني الجسور لا المتاريس، ويقيم دولة يشعر فيها الجميع أنهم شركاء في الوطن، وليسوا متنافسين على إرث مغلق. الأوطان لا تبنى بالمحاصصة، بل بالمواطنة.




