اخبار المغرب – وطن نيوز
اخر اخبار المغرب اليوم – اخبار المغرب العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-21 12:34:00
في المشهد السياسي، لا تأتي أقوى الضربات دائما من المعارضين المعلنين، بل من تلك الظلال التي تتحرك خارج الضوء: حسابات مجهولة، وتسريبات بلا مصدر، ومنابر أفضل في خلق الشك من عرض الحقيقة. هناك معارك من نوع مختلف، لا تقاس بصناديق الاقتراع، بل بقدرة الشائعة على اختراق وعي الناس قبل ظهور أي شيء مخالف. وفي هذا السياق، برز اسم نزار بركة في قلب جدل جديد، بدأ بمنشورات منسوبة إلى حساب مجهول على تطبيق تيليغرام، قبل أن يجد طريقه بسرعة إلى بعض الصفحات والمنصات التي تعاملت مع البيانات وكأنها وثيقة رسمية أو نهائية، وليس مجرد ادعاء يحتاج إلى التحقق والتدقيق. الملفت في الأمر ليس طبيعة الاتهام فحسب، بل آلية تصنيعه وانتشاره: كيف يتحول مصدر مجهول إلى ثمرة، وكيف تصبح الإشارة الأولى كافية لإطلاق موجة كاملة من التفسيرات، وكأننا أمام حقيقة كاملة، رغم غياب أي دعم مؤسسي أو قضائي أو تنظيمي لإثباتها. وهنا تبدأ الأسئلة الحقيقية، بعيداً عن ضجيج المنصات، وبعيداً عن الاستهلاك السريع للمعلومات قبل التحقق منها. ما يحدث اليوم لا يرتبط باسم سياسي معين فحسب، بل يرتبط بنوع جديد من «إنتاج الحقيقة» داخل الفضاء الرقمي. نمط لم تعد فيه المعلومات تمر عبر القنوات التقليدية للصحافة المهنية أو المؤسسات الرقابية أو الإجراءات القضائية، بل عبر شبكات غير مرئية تعمل بمنطق التسرب ثم المبالغة ثم إعادة التدوير. في حالة نزار بركة، ملف معقد اختزل في عبارة واحدة: «الاستحواذ على عقار». وكأن السياسة أصبحت تُقرأ من زاوية واحدة، وتُخلى كل السياقات القانونية والاجتماعية والمهنية المحيطة بالشخصية العامة، لصالح قراءة انتقائية تبحث عن «الصدمة» أكثر مما تبحث عن الحقيقة. المشكلة هنا ليست في طرح الأسئلة، فالمحاسبة جزء أساسي من أي حياة ديمقراطية سليمة، لكن المشكلة الحقيقية هي في تحويل الشك إلى حكم مسبق، والتفسير إلى إدانة جاهزة، حتى قبل أن يكون للمؤسسات المعنية رأيها. والأخطر من ذلك هو استخدام مصطلحات فنية وقانونية خارج السياق، كما حصل مع عبارة “ملتزم بالسداد” التي طرحت للرأي العام وكأنها دليل على معاملات مالية غير شفافة، في حين أن معناها القانوني واضح: السداد الكامل والفوري دون أقساط، ضمن نظام توثيقي ومصرفي منظم ومراقب. وهذا النوع من التبسيط المضلل ليس بريئا دائما، لأنه يعتمد على فجوة معرفية حقيقية لدى جزء من الجمهور، والتي سرعان ما تمتلئ بمحتوى مثير، ولكنه غير دقيق. وهنا بالضبط تكمن خطورة “الشائعة الصحيحة”: ليس لأنها مقنعة علميا، بل لأنها تنتشر بسرعة وتخلف تأثيرا عاطفيا. ومن ثم، فإن التعامل مع اسم نزار بركة تحديداً يكشف بعداً آخر في هذه الحملة. فالرجل، مهما كان منصبه السياسي، ليس شخصية ظهرت فجأة على الساحة العامة. بل هو ممثل يمتلك خبرة طويلة متراكمة في الإدارة العامة، ضمن المؤسسات المالية والاقتصادية والحكومية، ما يجعل وضعه القانوني والمهني معروفاً ومتاحاً للمتابعة العامة. لكن في منطق الحملات الرقمية، لا يتم العمل دائما على «ما هو موجود»، بل على «ما يمكن صنعه»، أي إعادة تشكيل صورة الفاعل السياسي لخدمة رواية محددة، حتى لو كان ذلك على حساب الدقة أو الإنصاف. وهنا يبرز السؤال الأهم: من المستفيد من تحويل قضية عقارية عادية إلى موضوع صراع سياسي وإعلامي؟ الإجابة ليست بسيطة، ولكنها ترتبط غالبا بسياقات المنافسة السياسية، حيث يصبح استهداف الصورة في بعض الأحيان أكثر فعالية من مواجهة البرنامج، ويكون التشكيك في النوايا أكثر فعالية من مناقشة الأداء. لكن أخطر ما في هذه الموجات ليس استهداف الأشخاص في حد ذاته، بل تطبيع المجتمع مع فكرة أن “الحسابات المجهولة” يمكن أن تكون مصدرا موثوقا للحقيقة. لأن ذلك يعني ببساطة نقل سلطة التقييم من المؤسسات إلى الظل، ومن القانون إلى الشائعات، ومن التحقق إلى الانطباع. وهذا تحول خطير لا يهدد الحياة السياسية فحسب، بل يهدد أيضا ثقة الجمهور في كل ما ينشر ويتداول. وفي النهاية، تظل القاعدة البسيطة غير قابلة للتغيير: المعلومات التي لا يمكن التحقق منها ليست حقيقة، مهما كانت صادمة، والاتهام الذي لا تدعمه المؤسسات المختصة يظل مجرد رواية، حتى يثبت العكس. أما بالنسبة للسياسة، فهي أوسع من أن يتم اختزالها في منشور مجهول، وأكبر من أن يتم تحديدها في مساحة لا يُعرف فيها حتى من يتحدث باسمها.




