السودان – مبادرة السفير نور الدين ساتي: أناقة النظرية ورمادية الواقع

أخبار السودانمنذ ساعتينآخر تحديث :
السودان – مبادرة السفير نور الدين ساتي: أناقة النظرية ورمادية الواقع

اخبار السودان – وطن نيوز

اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-21 11:51:00

المهدي داود الخليفة في لحظة سودانية يمتزج فيها صوت المدافع بانهيار الدولة، ويصبح السؤال كيف نحافظ على السودان موحدا؟ والأكثر إلحاحا من أي وقت مضى، جاءت مبادرة السفير نور الدين ساتي تحت عنوان: “من أجل نظام جديد للحكم في السودان”، وهي محاولة لتقديم إطار دستوري وسياسي جديد يعالج جذور الأزمة التاريخية للدولة السودانية، ويمنع انزلاق البلاد نحو الانقسام الكامل. ويمكن اعتبار مبادرة السفير نور الدين ساتي من أخطر المحاولات الفكرية لإعادة طرح مسألة الدولة السودانية بعد الانهيار الكبير الذي خلفته الحرب، لكنها في الوقت نفسه تكشف حدود التفكير النخبوي السوداني عندما يصطدم بواقع سياسي وأمني واجتماعي تجاوز مرحلة “إصلاح الدولة” إلى مرحلة “نضال البقاء الوطني”، ولا يمكن لأحد أن يشكك في وطنية الرجل أو نبل الدافع وراء المبادرة. وينتمي السفير نور الدين ساتي إلى جيل من الدبلوماسيين السودانيين الذين ظلوا يؤمنون بإمكانية إنقاذ السودان من خلال العقلانية السياسية والحوار، وقد أعطته استقالته من منصبه عقب انقلاب 25 أكتوبر 2021 قدرا من المصداقية الأخلاقية حيث رفض الانحراف عن المسار الديمقراطي. لكن احترام النوايا لا يمنع من تعرض المبادرات السياسية لانتقادات حادة، خاصة عندما يتم تقديمها كمشروع لإنقاذ بلد يتفكك أمام أعين الجميع. وتكمن قوة المبادرة في بنيتها النظرية. وهي تعترف بشكل مباشر ولأول مرة بأن الدولة السودانية بعد الاستقلال فشلت في إدارة التنوع، وأن مركزية السلطة والثروة كانت أحد الأسباب الأساسية للحروب والانقسامات. كما يحاول تقديم صيغة فيدرالية ذات صلاحيات واسعة تعيد توزيع السلطات والموارد بين المناطق المختلفة، مع التأكيد على الدولة المدنية والمواطنة المتساوية ورفض الاستغلال السياسي للدين. ويبدو الأمر كله متماسكاً على المستوى الفكري والدستوري. لكن السؤال الحقيقي ليس: هل الوثيقة جيدة من الناحية النظرية؟ بل: هل هناك دولة في السودان اليوم قادرة فعلاً على تنفيذ هذه الرؤية؟ وتفترض المبادرة وجود حد أدنى من الاستقرار السياسي والمؤسساتي الذي يسمح بإجراء حوار دستوري واسع، في حين يعيش السودان عمليا حالة من الانهيار السيادي الشامل: جيشان متحاربان، وسلطتان متصارعتان، واقتصاد منهار، وملايين النازحين، ومدن مدمرة، وتصعيد غير مسبوق للخطاب المناطقي والعرقي. وفي مثل هذا الواقع، تبدو المبادرة أقرب إلى مشروع «إعادة هندسة الدولة المستقرة» وليس مشروع إنقاذ عاجل لدولة بدأت تتفكك بالفعل. والمشكلة الأعمق في هذه المبادرة لا تكمن في صعوبة تنفيذها فحسب، بل في الطريقة التي تم بها إنتاجها. ويبدو أن الوثيقة، رغم أهميتها، هي جهد نخبوي فردي تم تداوله في دوائر ضيقة، وليست نتيجة حوار واسع مع القوى السياسية والمجتمعية والنقابية ولجان المقاومة والإدارات المدنية والقوى المتضررة من الحرب نفسها. وهذه ليست مشكلة تخص نور الدين ساتي وحده. بل هو جزء من أزمة تاريخية تطارد النخب السودانية منذ الاستقلال: إنتاج رؤى كبرى داخل الغرف المغلقة، ثم تقديمها لاحقًا كوصفات وطنية جاهزة، دون المرور بعملية نقاش اجتماعي حقيقي يؤسس للشرعية الشعبية. لقد عرف السودان عشرات المشاريع الفكرية الرائعة: من مشروع “السودان الجديد”، إلى الفيدرالية، إلى الديمقراطية التوافقية، إلى المواثيق الانتقالية المختلفة. لكن أغلبها بقي معلقا في الفضاء النخبوي، لأنه لم يتحول إلى عقد اجتماعي حقيقي تتبناه الجماهير والقوى الحية في المجتمع. ولذلك فإن أي مشروع لإنقاذ السودان اليوم لا يمكن أن يولد من فوق، ولا يمكن صياغته إلا داخل مكاتب الدبلوماسيين والخبراء، مهما كانت خبرتهم أو وطنيتهم. بل يجب أن يكون نتيجة لحوار تاريخي واسع يعيد السياسة إلى المجتمع بعد عقود من المصادرة العسكرية والنخبوية. في ظاهر الوثيقة تبدو المبادرة مشروعاً لإقامة «السودان الجديد»، لكنها في جوهرها قد تعيد إنتاج الدولة القديمة بلغة جديدة. ولا تقترح الوثيقة مراجعة جذرية لطبيعة السلطة نفسها، كما أنها لا تقدم رؤية واضحة لكيفية تفكيك البنية العسكرية والاقتصادية التي سيطرت على الدولة لعقود من الزمن. كما يتحدث عن «جيش وطني محترف واحد» دون أن يوضح كيف يمكن تحقيق ذلك في ظل الحرب الحالية، وتشابك المصالح الإقليمية، واقتصاد الذهب والسلاح، ووجود قوات مسلحة أصبحت تمتلك هويات سياسية واجتماعية مستقلة عن الدولة. كما أن الحديث عن «الأحزاب الوطنية غير الإقليمية» يبدو أقرب إلى التمني السياسي منه إلى قراءة واقعية للمشهد السوداني الحالي، حيث تتآكل الأحزاب التقليدية نفسها، بينما ترتفع الهويات الإقليمية والعرقية تحت ضغط الحرب والخوف وانعدام الثقة. لم تعد الأزمة السودانية مجرد أزمة دستور أو شكل حكومة، بل هي أزمة انهيار كامل لفكرة القومية السودانية نفسها. ورغم أن الوثيقة تشير إلى المساءلة والعدالة، إلا أنها لا تعطي هذا الملف المكانة المركزية التي يستحقها. ولا يمكن بناء نظام حكم جديد وملايين السودانيين يحملون ذاكرة مليئة بالمجازر والانتهاكات والتهجير. لا يمكن الحديث عن «توافق وطني» دون التطرق بعمق إلى مسألة العدالة الانتقالية والاعتراف بالضحايا وإعادة بناء الثقة بين المجتمعات التي مزقتها الحروب. وأي مشروع سياسي يتجاوز هذه الحقيقة سيبدو وكأنه محاولة لإدارة الأزمة وليس حلها. إن أكبر خطأ يمكن أن ترتكبه النخب السودانية اليوم هو الاعتقاد بأن الأزمة لا يمكن حلها إلا من خلال إعادة ترتيب مؤسسات الدولة. السودان لا يواجه خللاً إدارياً أو دستورياً فحسب، بل يواجه انهياراً تاريخياً بمعنى الدولة نفسها: انهيار الثقة، وانهيار الهوية المشتركة، وانهيار فكرة العدالة، وانهيار العلاقة بين المركز والأطراف. ولذلك فإن المطلوب ليس مجرد «نظام حكم جديد»، بل عقد وطني جديد يعيد تعريف السودان نفسه: من نحن؟ كيف نحكم أنفسنا؟ كيف يمكننا إعادة بناء أمة لم يعد العديد من أفرادها يشعرون بالانتماء إليها؟ وتبقى مبادرة نور الدين ساتي محاولة جادة تستحق النقاش، لأنها تفتح باب التفكير في مستقبل السودان بدلا من الاستسلام التام لمنطق الحرب. لكنه في الوقت نفسه يعكس حدود النهج النخبوي الذي يرى أن الأزمات التاريخية يمكن احتواؤها عبر وثائق دستورية أنيقة، في حين أن الواقع يتحرك بشكل أسرع من قدرة النخب على الفهم والتأثير. لقد تجاوز السودان مرحلة “إصلاح الدولة” إلى مرحلة “إنقاذ فكرة الوطن” نفسها. وهذه المهمة لن تنجزها النخب وحدها، ولا الدبلوماسيون وحدهم، ولا العسكريون وحدهم. بل هو مشروع وطني شامل ولد من قلب المجتمع السوداني بكل آلامه وتناقضاته وتطلعاته. نقلاً عن صفحة المؤلف على الفيسبوك الأستاذ مهدي داود آل خليفة

اخبار السودان الان

مبادرة السفير نور الدين ساتي: أناقة النظرية ورمادية الواقع

اخبار اليوم السودان

اخر اخبار السودان

اخبار اليوم في السودان

#مبادرة #السفير #نور #الدين #ساتي #أناقة #النظرية #ورمادية #الواقع

المصدر – منبر الرأي Archives – سودانايل