السودان – السعودية والسودان: بين ضرورات الاستقرار ومخاوف النفوذ

أخبار السودانمنذ ساعتينآخر تحديث :
السودان – السعودية والسودان: بين ضرورات الاستقرار ومخاوف النفوذ

اخبار السودان – وطن نيوز

اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-23 23:36:00

السعودية والسودان: بين ضرورات الاستقرار ومخاوف النفوذ. قراءة في السيناريوهات المحتملة للدور السعودي في الأزمة السودانية، الدكتور الوليد آدم مدبوخ، خبير الحكم ومستشار التنمية الدولية. من الصعب فهم الحراك السعودي في السودان بمعزل عن التحولات الإقليمية الكبرى التي أعادت تشكيل أولويات الخليج والبحر الأحمر منذ العقد الماضي. بالنسبة للمملكة العربية السعودية، السودان ليس مجرد دولة مجاورة مضطربة، بل يمثل عمقًا جيوسياسيًا وأمنيًا مرتبطًا بشكل مباشر بأمن البحر الأحمر، وبالتوازنات العربية في القرن الأفريقي، وبملفات الإسلام السياسي، وبالتنافس الإقليمي مع القوى العربية والدولية الأخرى. لكن طبيعة الدور السعودي في السودان لا تزال محل جدل كبير. وبينما يعتقد البعض أن الرياض تسعى إلى إنقاذ الدولة السودانية من الانهيار من خلال هندسة تسوية سياسية جديدة، يرى البعض الآخر أن سياساتها تعكس ارتباكاً استراتيجياً أو انحيازاً لترتيبات تبقي السودان في حالة هشاشة دائمة. وبين هذين التصورين، هناك حاجة إلى مقاربة أكثر هدوءاً وموضوعية تتجاوز المشاعر السياسية وتناقش السيناريوهات المحتملة بدرجة من التحليل الواقعي. أولاً: فرضية “الاستقرار من خلال إعادة هندسة السلطة”. ويفترض هذا السيناريو أن السعودية تنظر إلى السودان كدولة مهمة لا يمكن تركها للانهيار التام، وأن أولويتها الأساسية هي بناء سلطة مستقرة وقابلة للحياة، حتى لو كان ذلك يتطلب إعادة تشكيل توازن القوى الداخلي. ومن هذا المنظور، يبدو واضحا أن الرياض لا تنظر بارتياح إلى النفوذ الواسع الذي تتمتع به الحركة الإسلامية داخل مؤسسات الدولة السودانية، وخاصة المؤسسة العسكرية والأجهزة البيروقراطية والأمنية. تعتبر المملكة العربية السعودية، مثلها كمثل عدد من القوى الإقليمية، الإسلاميين مصدر قلق استراتيجي طويل الأمد، حتى لو كانت تدرك في الوقت نفسه أن العديد من هذه الجماعات أصبحت أكثر واقعية وأقل إيديولوجية مما كانت عليه في العقود السابقة. لكن المعضلة التي تواجه هذا التصور هي ضعف وإرهاق المؤسسة العسكرية السودانية خلال الحرب، مقارنة بالنفوذ المتزايد للجهات المسلحة الأخرى، بما في ذلك قوات الدعم السريع والقوات المتحالفة معها. إن اعتماد الجيش المتزايد على «القوات المشتركة» والحركات المسلحة قد خلق واقعاً جديداً يجعل من الصعب إعادة إنتاج مركزية الدولة القديمة من دون تسويات مؤلمة. من هنا يمكن أن نفهم محاولات استقطاب بعض المكونات العربية المرتبطة بقوات الدعم السريع اجتماعيا أو قبليا، ليس بالضرورة بهدف تقويض الدعم السريع نفسه، بل لإعادة تدوير جزء من هذه القوات إلى ترتيبات جديدة تدعم المؤسسة العسكرية وتمنع الانهيار الكامل للدولة. وفي السياق نفسه، فإن الانفتاح على بعض الجماعات المدنية المرتبطة بتحالفات مثل “الصمود” قد يكون جزءاً من محاولة بناء غطاء سياسي جديد للمرحلة المقبلة، ما يقلل من هيمنة الإسلاميين دون أن يؤدي إلى القطيعة الكاملة مع الدولة العميقة. لكن هذا السيناريو يواجه مشكلة جوهرية: محاولة تفكيك الدعم السريع عبر استقطاب عناصره من الشاباك قد تكون أقل فعالية من التوصل إلى تفاهم معه مباشرة «من الباب». أثبتت الحرب الحالية أن أي مشروع استقرار لا يمكن أن ينجح دون معالجة العلاقة بين قيادة الجيش وقيادة الدعم السريع، خاصة بين الفريق عبد الفتاح البرهان وقادة الدعم السريع وعلى رأسهم الأخوين: محمد حمدان دقلو وعبد الرحيم دقلو. ووفقاً لهذا التصور، ربما يكون النهج الأكثر واقعية هو البحث عن تسوية تاريخية تعترف بمحدودية قدرة جميع الأطراف على الحل العسكري، وتقوم على إعادة دمج جميع الجيوش في ترتيبات أمنية تسعى إلى بناء جيش وطني جديد، مع تقليص السلطات العسكرية والسياسية لجميع الأطراف مع مرور الوقت، مقابل تشكيل حكومة وطنية انتقالية أكثر استقلالية عن شبكات المحاصصة التقليدية والاستقطابات النخبوية الضيقة التي أضعفت التجربة الانتقالية السابقة. ويظل نجاح مثل هذا السيناريو مرهونا بعدة شروط أهمها: تفاهم سعودي إماراتي حقيقي حول مستقبل السودان. ممارسة ضغط فعال على الإسلاميين لقبول التسوية السياسية، وليس مجرد إطلاق التهديدات الرسمية. استعداد قيادة الجيش والدعم السريع لتجاوز منطق الانتقام والانتصار الصفري. وجود مشروع دولة جديدة تتجاوز مركزية الخرطوم القديمة واختلالاتها البنيوية. ثانياً: فرضية غياب استراتيجية سعودية واضحة. وتفترض الزاوية التحليلية الثانية أن السعودية لا تملك استراتيجية متماسكة تجاه السودان، وأن تحركاتها تأتي في سياق ردود أفعال تتعلق بالتنافس الإقليمي، أو تأثرا برؤى الحلفاء الإقليميين، وأبرزهم مصر. وبحسب هذا التصور فإن الرياض قد تنخرط في الملف السوداني دون رؤية نهائية واضحة لشكل الدولة السودانية المستقبلية، وهو ما يفسر التناقض الواضح أحيانا بين دعم مسارات التفاوض من جهة، والانفتاح على الأطراف المتناقضة من جهة أخرى. ويرى أصحاب هذا الاقتراح أيضًا أن بعض دوائر صنع القرار العربية، خاصة تلك المرتبطة بالرؤية المصرية التقليدية، لا تزال أسيرة مفهوم “السودان القديم”، أي السودان الذي تهيمن عليه نخبة مركزية محدودة، وتدار أزماته من خلال الحلول الأمنية، وليس الإصلاحات الهيكلية. ووفقاً لهذا الفهم، فإن الحفاظ على هذا النموذج يعيق أي محاولة جادة لمعالجة جذور الأزمة السودانية المتعلقة بتوزيع السلطة والثروة والهوية الوطنية والعلاقة بين المركز والأطراف. لكن هذا السيناريو يبقى منقوصاً إذا تجاهل أن السعودية، على عكس القوى الإقليمية الأخرى، ليس لها تاريخ استعماري مباشر في السودان، كما أن علاقتها الاجتماعية والاقتصادية مع السودانيين أكثر تعقيداً وتشابكاً من مجرد علاقة نفوذ سياسي عابر. ثالثاً: فرضية الاستثمار في الفوضى. أما الفرضية الثالثة، وهي الأكثر تشاؤما، فترى أن بعض القوى الإقليمية لا تمانع في استمرار حالة الضعف السوداني، لأنها توفر فرصا أكبر للنفوذ الاقتصادي والأمني ​​في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. ويربط مؤيدو هذا الاقتراح وضع السيولة الحالي بالمنافسة على الموانئ وخطوط التجارة والطاقة، فضلاً عن المخاوف التاريخية المتعلقة بالموارد الطبيعية السودانية. إلا أن هذا التصور، رغم حضوره في الخطاب السياسي السوداني، لا يزال يحتاج إلى قدر أكبر من الأدلة الموثقة، خاصة فيما يتعلق بالاتهامات التاريخية المتعلقة بتعطيل مشاريع الطاقة أو الاستكشاف. وظل العديد من هذه الروايات في إطار الشائعات السياسية أو الروايات التي لم يتم حلها. كما أن اختزال السياسة السعودية في منطق «التخريب» لا ينسجم تماما مع التحولات التي شهدتها المملكة في السنوات الأخيرة، خاصة سعيها إلى بناء نفوذ اقتصادي وتنموي طويل الأمد في المنطقة، يقوم على الاستقرار وليس الفوضى. روابط اجتماعية وتاريخية بين السعودية والسودان وبعيداً عن الحسابات السياسية المباشرة، لا يمكن تجاهل البعد الاجتماعي والتاريخي الذي يربط السعودية بالسودان، خاصة مع المجموعات العربية في غرب السودان وحزامه الصحراوي. وهذه الروابط ليست وليدة اللحظة، بل تمتد عبر قرون من الهجرات والتفاعلات القبلية والثقافية والدينية. كما تحتفظ الذاكرة السياسية السودانية بمعالم رمزية مهمة، بما في ذلك زيارة الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود إلى دارفور عام 1966، والتي مثلت لحظة عاطفية وسياسية عميقة لقطاعات واسعة من المجتمع المحلي. وفي هذا السياق، تنظر بعض النخب السودانية إلى السعودية كشريك محتمل في مشروع تنموي واستراتيجي كبير، يمكن أن يشمل: تطوير الموانئ السودانية على البحر الأحمر. إنشاء شبكات السكك الحديدية التي تربط الموانئ بغرب السودان. إنشاء مناطق تجارة حرة وموانئ جافة تربط السودان بأسواق غرب أفريقيا. الاستثمار في الزراعة والطاقة والبنية التحتية. ومثل هذه الرؤية، في حال نجاحها، قد تنقل العلاقة بين البلدين من منطق التدخلات الظرفية إلى شراكة استراتيجية طويلة الأمد. الخلاصة: محدودية القرار وضرورة التسوية. وأظهرت الحرب السودانية أن كافة الأطراف تعاني من محدودية القدرة على تحقيق الحسم العسكري الكامل، وأن استمرار الصراع لم يعد يهدد الدولة السودانية وحدها، بل يهدد النسيج الاجتماعي والعاطفي للسودانيين أنفسهم. ومن هنا فإن أي توجه واقعي للمستقبل يجب أن ينطلق من الاعتراف بأن هذه الحرب، مهما طال أمدها، لن تسفر عن منتصر مطلق. كما أن العوامل الخارجية المتشابكة تجعل من المستحيل تقريباً التوصل إلى تسوية مستقرة دون إجماع إقليمي نسبي. ولذلك فإن المطلوب من القوات السودانية -سواء المدنية أو العسكرية- ألا تتجاهل خلافاتها، بل أن تدرك أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى تآكل الدولة والمجتمع على حد سواء، وأن التسويات المؤلمة، مهما بدت قاسية، قد تصبح أقل تكلفة من استمرار النزيف المفتوح. 20 مايو 2026 auwaab@gmail.com الكاتب

اخبار السودان الان

السعودية والسودان: بين ضرورات الاستقرار ومخاوف النفوذ

اخبار اليوم السودان

اخر اخبار السودان

اخبار اليوم في السودان

#السعودية #والسودان #بين #ضرورات #الاستقرار #ومخاوف #النفوذ

المصدر – منبر الرأي Archives – سودانايل