اخبار قطر اليوم – وطن نيوز
اخر اخبار قطر – اخبار قطر العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-24 00:00:00
أسعدتني أن الظروف سمحت لي بزيارة نيجيريا مطلع الثمانينات، حيث كنت ضمن وفد إعلامي مرافق للرئيس السوداني الراحل جعفر محمد النميري لتغطية أعمال القمة الاقتصادية الأفريقية الأولى التي عقدت في العاصمة النيجيرية لاغوس تحت رعاية منظمة الوحدة الأفريقية قبل أن يتغير اسمها إلى “الاتحاد الأفريقي”. وكانت نيجيريا في ذلك الوقت بلدا رائعا وعملاقا اقتصاديا كبيرا يضم مجموعة واسعة من الناس. ولكنها، مثل العديد من البلدان الأفريقية، عانت من الانقلابات والفساد وعدم الاستقرار السياسي. لقد عانى من حرب أهلية مدمرة كادت أن تهدد انفصال منطقة بيافرا عن الوطن الأم. لقد كانت حرباً دامية لعب فيها الرئيس السابق أولوسيغون أوباسانجو دوراً محورياً في إطفاء لهيبها (1967-1970) وسلم السلطة لرئيس منتخب (شيهو شاغاري)، وهي خطوة نادرة في أفريقيا في ذلك الوقت. وعندما زرت نيجيريا كان شاغاري رئيساً وترأس القمة الاقتصادية الأفريقية الأولى. كما أتاحت لي الصدفة إجراء مقابلة صحفية معه. في قاعة كبار الشخصيات بمطار لاغوس بعد وصول الرئيس النميري.. كان رجلاً نحيلاً وهادئاً وواثقاً من نفسه يرتدي الزي النيجيري الفضفاض.. وتحدث عن القمة وأهميتها والتحديات التي كانت تواجه أفريقيا في ذلك الوقت. ولا يزال الجرح الأفريقي ينزف حتى كتابة هذه السطور… ولأن لاغوس كانت عاصمة يطاردها الفساد والفوضى والاكتظاظ، فقد تقرر نقلها إلى العاصمة الجديدة “أبوجا”… ولم نعرف الكثير عن نيجيريا سوى أنها القوة المركزية في غرب أفريقيا، والدولة الأكثر سكانا، حيث تجاوز عدد سكانها مائة مليون نسمة في بداية ثمانينات القرن الماضي… إنها دولة جميلة، كبيرة، غنية، ممطرة، مكسوة بالخضرة. للمرة الثانية تشرفت بأن أكون ضيفا على «مجموعة قراءة النيل» في نفس المكان «المكتبة». “كتارا للرواية العربية”… هي نفس المجموعة التي استضافت ندوة عن الراحل رائد تعليم المرأة في السودان المقيم بابكر البدري. المجموعة هي مجموعة ثقافية تهدف إلى تعزيز ثقافة القراءة والحوار الفكري وتحويل القراءة من تجربة فردية إلى فضاء مجتمعي للنقاش وتبادل المعرفة. وكانت هذه المرة جلسة لمناقشة أحد أبرز كلاسيكيات الأدب الأفريقي وهي رواية “الأشياء تتداعى” للمبدع النيجيري تشينوا أتشيبي (1930 – 2013) والتي صدرت عام 1958 وتصور بشكل رائع تأثير الاستعمار الأوروبي على المجتمعات الأفريقية.. باعتبارها من الأعمال الرائدة، وقد ترجمت إلى العديد من اللغات وحظيت بتقدير عالمي. نقل المبدع محمد المصطفى يوسف “البرهان” في جولة رائعة ورائعة في المحاور الرئيسية لرواية “الأشياء تتداعى” والتي تشكلت في الصراع بين الثقافات والذكورة والمكانة الاجتماعية والخوف من الضعف والفشل، وهو ما جسده بطل رواية “أوكونكو” الذي كرس حياته ليكون رجلاً قوياً ومحترماً في قريته من خلال المصارعة وجمع المحاصيل وإنجاب الألقاب وتجنب أي ألقاب. علامات الضعف التي رآها في والده… الخوف من الفشل قاده إلى أفعال مأساوية… كما ناقش بالتفصيل وبسلاسة دور التقاليد. والدين وقوة آلهة الغابة في عرض غني لعادات الإيغبو… وقادنا في النهاية إلى القدر والمأساة الشخصية، حيث تؤدي تقصير أوكونكو وردود أفعاله الصارمة إلى سقوطه النهائي، لينتهي بفعل مأساوي يرمز إلى انهيار عالمه بأكمله تحت وطأة الاستعمار. دارت نقاشات ثرية حول هذا العمل الروائي الإبداعي، رغم أن عنصر الوقت كان ضاغطا على الجميع، وكان الحوار محدودا ومختصرا. ولم يكن أتشيبي المبدع الوحيد في نيجيريا التي تضم العديد من الكتاب والمفكرين البارزين على المستوى العالمي، ولعل أبرزهم “ويل سوينكا”، أول أفريقي يفوز بجائزة نوبل في الأدب (1986). وهو كاتب مسرحي وشاعر وناشط سياسي، ومن أبرز أعماله مسرحية «الأسد والجوهرة» ورواية «المترجمون»… إلى جانب «شيما نجوزي». أديتشي روائية معاصرة اشتهرت بروايتيها «نصف شمس صفراء» التي تدور حول الحرب الأهلية، و«الوردة الأرجوانية» ومقالتها الشهيرة «يجب علينا جميعًا أن نكون نسويات». بن أوكري روائي وشاعر حاز على جائزة البوكر عام 1991 عن روايته “طريق الجائع” التي تمزج بين الواقعية السحرية وواقع الفقر والسياسة في نيجيريا. وهيلون هابيلا الحائز على جائزة الكومنولث عن روايته «في انتظار ملاك». إضافة إلى مفكرين مثل “تشيفي إيز” الناقد الثقافي والمؤرخ، و”أوغو أوكي” في الفلسفة، و”بيو أوجايي” في التحليل السياسي… ويعتبر هؤلاء روادا في معالجة قضايا ما بعد الاستعمار… الهوية والمرأة والسياسة في أفريقيا. إذا كان “الأشياء تنهار” وهو أمر واقع في حياتنا بشكل إيحائي، فإن عملية “الانهيار” أصبحت جزءا من طبيعة الأشياء وهي فعل مستمر ومستمر ما دامت حياة الإنسان مستمرة. هناك العديد من الأعمال الأدبية العالمية تناولت نفس القضية، وهي مواجهة الاستعمار بأشكاله المختلفة، منها “قلب الظلام” لجوزيف كونراد، و”الغريب” لألبير كامو، و”موسم الهجرة إلى الشمال” للطيب صالح، و”حبيبي السيد الرئيس” لجابرييل جارسيا ماركيز، و”كروموسوم كلكتا”. لاميتاف غوش، و”معتزة” لنغوغي واثيونغو… كل هذه الأعمال سعت إلى فضح زيف “المهمة الحضارية” وإبراز الآثار المدمرة للاستعمار على النفس والثقافة والهوية. تمنيت أن يكون هناك مجال لاستعراض المداخلة الرائعة للابنة ريم الصادق وغيرها الكثير من المساهمات…ولكن تظل تحياتي وتقديري لمجموعة قراءة النيل على هذا العرض الجميل عن “الأشياء تتداعى”.




