اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-24 19:27:00
في أحد أسواق حلب القديمة، كانت أمونة العلي تتنقل بين محلات الملابس، ممسكة بيد طفلها الأصغر، وهي تراقب الأسعار المعلنة على النوافذ بصمت متكرر يشبه خيبة الأمل. وبعد ساعات من التجوال، خرجت من السوق ومعها بعض الألعاب الصغيرة فقط، بعد أن أدركت أن ملابس العيد لهذا العام تفوق قدرتها المالية. وتقول العلي إن الأسعار «لم تعد تشبه دخل الناس»، موضحة أنها اضطرت للتخلي عن شراء الملابس لأطفالها بسبب ارتفاع الأسعار ونقص السيولة. وأضافت: “حاولت أن أحافظ على الأطفال من الشعور بالحرمان، فاشتريت لهم ألعاباً بسيطة بدلاً من الملابس”. أسواق حلب أقل ضجيجاً. قبيل حلول عيد الأضحى، تبدو أسواق مدينة حلب أكثر هدوءاً من المعتاد. تراجعت الحركة التجارية التي كانت تملأ الشوارع والأسواق الشعبية في هذا الوقت من كل عام بشكل ملحوظ، وسط تزايد شكاوى السكان والتجار على حد سواء من ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، في ظل الأزمة الاقتصادية المستمرة وتراجع قيمة الليرة السورية. وفي سوق آخر بالمدينة، يقف أبو حمدو، المهندس المساعد المتقاعد وأب لأربعة أطفال، يحاول حساب ما يمكنه شراؤه بأقل الخسائر الممكنة. ويقول الرجل، إن “الناس في حيرة وتائهة، والناس تفتقد السيولة”، مشيراً إلى أن العديد من العائلات أصبحت غير قادرة على تأمين مستلزمات العيد الأساسية. ويوضح أن تكلفة كسوة الطفل الواحد تصل في المتوسط إلى نحو 500 ألف ليرة سورية، وهو مبلغ يفوق قدرة معظم الأسر ذات الدخل المحدود والرواتب الضعيفة. ويضيف: «بدلاً من شراء بدلتين لكل طفل، أكتفي الآن ببدلة واحدة فقط». وانعكس هذا الانخفاض الحاد في القوة الشرائية بشكل مباشر على الأسواق، حيث أكد المتداولون أن الحركة الحالية هي من الأضعف منذ سنوات. ويقول عاكف حلاق، تاجر ألبسة عاد إلى سوريا من ألمانيا بعد 15 عاماً من الاغتراب، إن “الأسواق شبه خالية من الناس”، موضحاً أن ارتفاع سعر صرف الدولار وتكاليف الاستيراد أثر بشكل مباشر على الأسعار ونشاط المبيعات. ويضيف: “العام الماضي كان سعر الدولار نحو 9 آلاف ليرة، واليوم تجاوز 14 ألفاً، والسلعة التي كانت تكلفني 5 دولارات أصبحت الآن تساوي 8 دولارات وأكثر”. وبحسب الحلاق، فإن ارتفاع أسعار الأقمشة والرسوم الجمركية والضرائب، بالإضافة إلى تكاليف الإيجار والعمالة، زاد الضغط على أصحاب المحلات. يقول: «كان القماش يغلي، والجمارك والمالية والضرائب زادت عبئنا أكثر، وحتى أجور الصناع والإيجارات أصبحت عبئًا كبيرًا». ويشير إلى أنه عاد إلى سوريا “بعد التحرير مباشرة” بهدف العمل والمساهمة في إعادة بناء البلاد، مضيفاً أن استقرار سعر الصرف في البداية شجعه على افتتاح محل لبيع الملابس، قبل أن تتدهور الأوضاع الاقتصادية من جديد. ويتابع: «عدنا للعمل والمساعدة في بناء البلد، الوضع في البداية كان جيداً والدولار حافظ على مستواه بين 8 و9 آلاف، لكن الوصول إلى 14 ألفاً صعب وغير مقبول». كما ينتقد غياب التوضيحات الرسمية بشأن ارتفاع الأسعار، قائلاً: «نفاجأ بين حين وآخر بقرارات تتعلق بارتفاع أسعار المازوت والكهرباء والدولار، دون أن يخرج أحد لتوضيح أسباب ارتفاع الأسعار». وفي محل أحذية صغير، يصف محمد فاعور حركة السوق بـ”الضعيفة جداً”، معتبراً أن المشكلة الأساسية تكمن في عدم تناسب الرواتب مع تكاليف المعيشة الحالية. ويقول إن ارتفاع أسعار المواد الأساسية، من المواد الغذائية إلى اللحوم والخضروات، دفع العديد من الأسر إلى تأجيل شراء ملابس العيد أو الاستغناء عنها بشكل كامل. ويوضح فاعور أن صناعة الأحذية تعتمد على عدة مواد أولية تتأثر بشكل مباشر بتقلبات سعر الصرف، مضيفاً: “الحذاء يمر بعدة مراحل تجميع، من الوجه إلى النعل والقماش، وعدم استقرار الدولار يرفع تكلفة كل قطعة”. كما يشير إلى أن الضرائب المفروضة على أصحاب المحلات التجارية زادت الأعباء المالية على التجار، موضحاً أن ضريبة الدخل المقطوعة المفروضة على محله ارتفعت من أربعة ملايين إلى ستة ملايين ليرة سورية خلال فترة قصيرة. في مدينة اعتادت الأسواق فيها على التحول إلى مكان للاحتفال الجماعي قبل الأعياد، يبدو المشهد هذا العام مختلفاً. ولا تنجح واجهات المحلات المشرقة في جذب الزبائن كما كانت في السابق، فيما يكتفي الكثير من السكان بالتجول أو شراء الحد الأدنى من الضروريات، في محاولة للتكيف مع واقع اقتصادي يزداد قسوة عاماً بعد عام. عند خروجه من السوق، يلخص أبو حمدو حال العديد من العائلات بكلمات قصيرة تمزج الحزن بالأمل، قائلاً: “لا نريد أكثر من أن نسعد أطفالنا بالعيد مثل كل الناس.. نريد فقط أن نعيش بكرامة، ونشعر أن الغد قد يكون أفضل”.



