اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-29 12:00:00
في المشاهد السياسية والأمنية المتعلقة بجنوب لبنان، لم يعد الحديث يدور فقط حول وقف إطلاق النار أو مستقبل المواجهة العسكرية، بل حول شكل البيئة الأمنية التي قد تظهر بعد الحرب. وفي قلب هذه المناقشة، هناك مصطلح يتكرر بهدوء في التحليلات الغربية والإسرائيلية: “نموذج الضفة الغربية”. وليس المقصود هنا نسخ التجربة الفلسطينية حرفياً، بل الاستفادة من فلسفتها الأمنية. أي بناء منطقة حدودية منخفضة التوتر، تدار أمنياً عبر ترتيبات محلية ودولية، بما يقلل الحاجة إلى المواجهة العسكرية المفتوحة أو الوجود الإسرائيلي المباشر. وفي الضفة الغربية، تقوم المعادلة على وجود أجهزة أمنية محلية تتحكم في الاستقرار الداخلي، بينما تحتفظ إسرائيل بالتفوق الاستخباراتي والعسكري والقدرة على التدخل عند الحاجة. وهذا النموذج، من وجهة النظر الإسرائيلية، قلل من تكلفة الاحتكاك اليومي، وسمح بإدارة المشهد الأمني دون العودة إلى الاحتلال المباشر بالطريقة التقليدية. ويبدو اليوم أن بعض مراكز القرار الغربية والإسرائيلية تنظر إلى جنوب لبنان على أنه ساحة يمكن التحرك نحو صيغة قريبة من هذا المنطق، لكن بنسخة لبنانية مختلفة تماماً. الحديث المتزايد عن تعزيز دور الجيش جنوب الليطاني، وتوسيع آليات المراقبة والتحقق، وإنشاء غرف تنسيق أمني بإشراف دولي، لا يُقرأ كإجراءات تتعلق بوقف الحرب فحسب، بل كجزء من رؤية أوسع لإدارة الاستقرار على الحدود. الفكرة الأساسية هنا هي أن تتحمل الدولة اللبنانية، من خلال مؤسساتها، مسؤولية السيطرة الكاملة على الوضع الأمني في الجنوب، ومنع أي انزلاق نحو مواجهة جديدة وواسعة. وفي هذا السياق، يُنظر إلى الجيش باعتباره العنصر الأكثر قدرة على أداء هذا الدور، ليس فقط لأنه المؤسسة الوطنية الموحدة، ولكن أيضاً لأنه يحظى بقبول دولي واسع ودعم خارجي مستمر، خاصة فيما يتعلق بمهام الحفاظ على الاستقرار في الجنوب. لكن حساسية المقارنة مع الضفة الغربية تنبع من أن التجربة الفلسطينية ارتبطت، مع مرور الوقت، بتحول الأمن إلى أولوية لها الأولوية على أي اعتبار آخر. ولذلك، تبرز مخاوف في لبنان من أن أي مسار أمني طويل الأمد سيؤدي إلى خلق واقع تصبح فيه الحدود الجنوبية محكومة بالكامل بمنطق منع التصعيد، بينما تحتفظ إسرائيل بحرية الطيران والاستخبارات والحركة العسكرية. أي أن الحديث لا يتعلق فقط بمنع الحرب، بل بالسؤال الأعمق: كيف سيدار الجنوب بعد الحرب؟ وهل ستتحول إلى منطقة سيطرة أمنية بترتيبات لبنانية دولية تمنع أي توتر كبير؟ أم أنها تظل ساحة مرتبطة بتوازنات الردع التقليدية التي حكمت الحدود طوال السنوات الماضية؟ وما يزيد من أهمية هذا الحديث هو أن إسرائيل تبدو أقل استعداداً لخوض حروب استنزاف طويلة داخل الأراضي اللبنانية، وأكثر اهتماماً بإنتاج معادلة استقرار دائمة تقلل من المخاطر على جبهتها الشمالية. في المقابل، هناك توجه دولي واضح لدعم الدولة اللبنانية ومؤسساتها الأمنية لتكون الجهة الأساسية التي تدير الجنوب وتمنع الانفجار. لذلك، فإن الحديث عن «نموذج الضفة الغربية» لا يعني بالضرورة وجود مشروع احتلال مباشر أو إعادة إنتاج لتجارب سابقة، بل يشير إلى احتمال ظهور نظام أمني جديد في الجنوب، يقوم على دور أكبر للدولة اللبنانية، ورقابة دولية وفنية مكثفة، وإدارة حذرة لأي تحرك قد يؤدي إلى التصعيد. لكن نجاح أي نموذج من هذا القبيل في لبنان يبقى مرتبطا بعوامل معقدة للغاية، أبرزها طبيعة المجتمع الجنوبي، والتوازنات السياسية الداخلية، وحساسية أي ملف يتعلق بالعلاقة مع إسرائيل، إضافة إلى خصوصية التجربة اللبنانية التي تختلف جذريا عن الوضع الفلسطيني. ولذلك فإن ما يحدث اليوم يتجاوز فكرة الهدوء المؤقت. إنها مناقشة مفتوحة حول الشكل الذي قد يبدو عليه الجنوب في مرحلة ما بعد الحرب، وحول طبيعة التوازن الأمني الذي قد يتشكل على الحدود لسنوات عديدة قادمة.


