اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-30 22:55:00
وقف خالد أبو أحمد، عشية العيد، رئيس مجلس السيادة الانتقالي القائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، أمام الشعب السوداني، يلقي كلمته بمناسبة عيد الأضحى المبارك، في تقليد عريق أرسى أسسه الرئيس الأسبق جعفر محمد النميري (1969-1985). عندما كنا صغارًا، جلسنا في العائلة نستمع إلى تلك الكلمات، التي غالبًا ما كانت تحمل رسائل سياسية خفية، تهبط على الأذنين في لحظة عاطفية. استثنائي، لأن الناس أكثر انفتاحًا ونقاءً. وفي عهد الديمقراطية الثالثة (1986-1989) سار السيد الصادق المهدي رحمه الله على نفس المسار متخذا هذه المناسبة منبرا لرسائله السياسية والحزبية. ثم جاء نظام الإنقاذ والحركة الإسلامية عام 1989، وامتدت سلسلتها المتواصلة من عمر البشير إلى عبد الفتاح البرهان، بنفس اللغة، ونفس المفردات، ونفس الرسائل التي تخدم أهداف حزبية ضيقة مغلفة بعباءة الوطنية. لقد أصبح من عادة البشير، كلما شعر النظام بقبضة الضغوط الاقتصادية الخانقة، وتداعياتها الأمنية والسياسية، أن يلوح بورقة الحوار، ليس لإنقاذ البلاد، بل لإطالة عمر النظام. وجاءت دعواته الأخيرة للحوار بينما كانت البلاد تغلي من الأزمات الاقتصادية، وكان الحزب الحاكم يتآكل من الداخل بسبب الصراع، وكان النظام يعاني تحت وطأة العزلة الإقليمية والدولية. المشهد نفسه يتكرر اليوم بكمال مخيف في عهد الفريق عبد الفتاح البرهان. نفس العزلة الدولية والإقليمية، ونفس الضغوط الاقتصادية، والصراع داخل أروقة الحركة الإسلامية بين فصائلها المتحاربة تفرض نفسها على الساحة. ولم يجد الدليل مخرجا سوى تحريك البركة الراكدة من خلال الإعلان عن حوار سياسي أعلن فشله قبل أن تتشكل معالمه التنفيذية. وذلك لأن العبارات التي أطلقها حول هذا الحوار المزعوم جعلته حواراً بين الصم والبكم، حيث اقتصر على أنصار جماعة الموز والتنظيمات الجهادية التي كانت تتهرب بين الملابس المدنية عندما يتطلب الأمر خطاباً سياسياً، وبين الكاكي العسكري عندما كانوا يصرخون بالسلاح ويتباهون به. أما أصحاب الرؤى السليمة والخبرة السياسية والدبلوماسية الحقيقية فليس لهم مقعد على طاولة هذا الحوار أو الحصة. ويرى الفريق البرهان أن الحوار السياسي يقتصر على «القوى الوطنية»، وكل ذي بصيرة يدرك أن هذه العبارة المعلبة ما هي إلا كود مفتوح لإقصاء المكون المدني بشكل كامل. أصبح رأيه في تحالف الصمود بقيادة الدكتور عبد الله حمدوك معروفا على نطاق واسع، فهو لا يرى فيهم سوى عملاء ومأجورين، والمفارقة الصارخة التي لا تخطئها العين هي أن مليشيا الدعم السريع الإرهابية بقياداتها ومقاتليها أقرب إلى البرهان روحا وحسابا من صمود قادتها، وهذه حقيقة يعرفها المواطن البسيط في قلعة النحل والعقيق وأقيتاي وشولاوها. الخوالدة، والهدف الحقيقي من هذا المؤتمر ليس بناء سودان جديد، بل إطالة عمر النظام الحاكم هو الأصل، وليس من يمثلهم، ولذلك أتوقع أنه إذا انعقد سيمتد لأشهر متواصلة، محققا للحكام ما يطمحون إليه. أما المسألة الثانية، التي لا تقل خطورة، فهي في العبارة التي أطلقها البرهان عندما تحدث عن «تحديد أسس البناء الوطني، واستكمال مسار الانتقال المدني الديمقراطي، والتحضير للانتخابات». وإذا تأملنا هذا التصريح وقرأنا ما وراءه، ندرك أنه أطلق رصاصة الرحمة على كل الجهود الدولية الرامية إلى حل الأزمة السودانية وإطفاء لهيب الحرب، وفي تقديري أن هذا التصريح المتسرع سيجلب له مشاكل خطيرة مع الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية على حد سواء. البرهان، وهو يتأمل كتاب عمر البشير، لم يتوقف ليحسب ماذا ستكون عواقب تصريحاته، لأنه في الواقع لا يملك السلطة. فلا الإرادة ولا السلطة الحقيقية لتحديد أسس البناء الوطني أو استكمال مسار التحول الديمقراطي، ناهيك عن الإعداد للانتخابات. وإذا كانت الولايات المتحدة الأميركية وإدارة دونالد ترامب منشغلة بالملف الإيراني، فهذا لا يعني أن المسرح قد فسح للحركة الإسلامية ومن يمثلها في السلطة ليفعلوا ما يريدون. وهناك تعهدات دولية وإقليمية تشرف عليها مؤسسات راسخة لن تطرف لها عين. ويعول السودانيون على اللجنة الرباعية الدولية لإيجاد حل جذري للأزمة وإيقافها. ومن أبرز ركائز الحرب إقصاء الإسلاميين عن المشهد السياسي في المرحلة المقبلة من وقف الحرب، ولذلك رأى كثيرون أن البرهان كان يتعمد التهرب من الحلول التي اتفقت عليها أطراف دولية مثل المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي، مخالفا توجههم في عرض لم يخلو من الاستهتار السياسي. وحظي خطاب البرهان يوم وقفة العيد باهتمام واسع وانتقادات مؤلمة، وهو ما ظهر جليا في موجة المقالات والتقارير وكتابات الأعمدة، لكن أبرز ما جذب المتابعين هو تحليل المحلل السياسي البروفيسور حاتم حمدتو رئيس قناة (سلام السودان)، الذي كتب تحت عنوان ملفت للنظر (ألعب غيري يا برهان)، شن فيه هجوما لاذعا على قائد الجيش، واصفا دعوته للحوار بـ”المناورة السياسية الفاشلة” التي تأتي في في أعقاب فشل عسكري ذريع، على الرغم من شهاداته الأكاديمية في الخدمة العسكرية. واعتبر الكاتب أن تجارب التفاوض مع البرهان لم تثمر في كل الأوقات سوى الغدر والتنصل، بدءا بمجزرة فض الاعتصام، مرورا بانقلاب أكتوبر، وانتهاء بالانقلاب على اتفاق الإطار وإشعال الحرب بالتحالف مع الإسلاميين. الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، المنغمس في قراءة كتاب سلفه البشير، لا ينتبه لما يحدث على أرض المعركة الحقيقية. أعلنت مليشيا الدعم السريع الإرهابية قبل أيام عن أسلحتها الجديدة من بينها سيارات نقل مسلحة ورشاشات متطورة، فيما تتناقل الأخبار عن طائرات مسيرة حديثة على وشك دخول الخدمة، ويدرك المراقب المتمرس أن البلاد مقبلة على صيف حارق تشتعل فيه المحاور العسكرية. النيران أسخن وأشد من أي وقت مضى، وهذا هو منطق الحروب ودورتها: عندما تتوقف المفاوضات وتبرد الأسلحة، تصدر الأوامر لتحقيق ما عجزت الكلمات عن تحقيقه. كتاب (الرئيس) عمر البشير، كتاب مثقل بالتجارب المريرة التي امتدت لثلاثة عقود، لا يقرأ بعين مستعجلة خوفا من السوط، بل يقرأ بعين البصيرة المتأنية التي تنظر بين السطور وما خلفها. إن القراءة العابرة هي التي قادت هذا البلد إلى هذا المصير. ثقيل، وهو نفسه الذي إذا استمر سيقوده إلى ما هو أشد وأشد عاقبة. خلاصة القول، كان بإمكان الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، في نهاية مسيرته العسكرية، أن يحقق إنجازاً تاريخياً حقيقياً يخلد اسمه في ذاكرة الأجيال، وليس في سجلات المحاكم الدولية. القرار الذي يعرفه في السويداء نفسه لا يخفى عليه، بل هو يدركه تماما، لأنه يعبر عن إرادة غالبية الشعب السوداني، ويجسد طموح السودان، كدولة وكإنسان، يسعى إلى الانضمام إلى مصاف الأمم المتحضرة واستعادة مكانته اللائقة بين الشعوب الحية. ولا أرى في هذا القرار صعوبة في حد ذاته، بل على العكس تماما. وهو ليس تنازلاً عن السلطة، بل هو تقدم يضع بلاده أمام حظوظها، ويختار التاريخ على السلطة العابرة. وستكون في النهاية شريان الحياة له قبل أي شخص آخر، ولوطننا العزيز الذي يستحق العودة إلى ما عرفه أجدادنا: الأرض. ومن أجل الخير والمحبة والتسامح، وهي مرفوعة الرأس في الميدان الحضاري، تواصل عملها الإنساني الذي ساهمت به في تاريخ هذه الأمة. ما أجمل السودان عندما يستعيد قيادته القديمة، معززاً بوحدته الوطنية وتماسك نسيجه الاجتماعي، ويمضي في مسيرة بنائه دون أن تعيقه الأحقاد أو تثقله الأحقاد، وليس ذلك ببعيد عن الله إذا جردنا أنفسنا من دنائس هذه الدنيا وجعلنا وطننا في أعيننا، وتطلعنا إلى مستقبل أبنائنا بقلوب نزعنا عنها الأغلال وطهرناهم من دنس الحقد والبغضاء. الأنانية. وفي ذلك اليوم سيشرق فجر السودان من جديد. صباح السبت 30 مايو 2026 الكاتب




