اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-06 16:01:00
مركز الإعلام الفلسطيني عندما تتكرر نفس المشاهد في باحات المسجد الأقصى – قوات احتلال مدججة بالسلاح، ومستوطنون يدخلون تحت الحماية، ومضايقات للمصلين، ومدينة تدفع إلى حافة الانفجار – يصبح السؤال عن سبب تكرار الاقتحامات على الأقصى سؤالا سياسيا بامتياز، وليس مجرد تحقيق إخباري. فالمسألة لا تتعلق بحوادث معزولة، ولا بردود فعل أمنية عابرة، بل بسياسة إسرائيلية تدريجية ومقصودة تستهدف المكان والهوية والسيادة والوعي العام معا. فالأقصى ليس موقعا دينيا فقط في الحسابات الفلسطينية، بل هو عنوان صريح للوجود العربي والإسلامي في القدس. ولذلك، فإن أي اقتحام لا يُقرأ على أنه زيارة عابرة كما تحاول الرواية الإسرائيلية تسويقه، بل على أنه اقتحام محمي بالقوة، يحمل رسالة مباشرة مفادها أن الاحتلال يريد إعادة تعريف من صاحب القرار في المسجد، ومن له حق التنقل فيه، ومن يعامل فيه كصاحب حق، ومن يعامل كطوارئ في أرضه ومقدساته. لماذا تتكرر مداهمات الأقصى؟ الجواب الأقرب للواقع هو أن الاقتحامات تتكرر لأنها جزء من مشروع احتلالي مستمر، وليس استثناءً مؤقتاً. ولا يتعامل الاحتلال مع الأقصى باعتباره ملفًا حساسًا يجب تجنبه، بل كساحة تخضع لإعادة هندسة سياسية ودينية تدريجية. وكل توغل جديد يختبر حدود الرد الفلسطيني، ويقيس ردود الفعل العربية والإسلامية، ويراقب موقف المجتمع الدولي الذي يكتفي في أغلب الأحيان بلغة القلق دون أي تكلفة حقيقية على المعتدي. التكرار هنا هو أداة في حد ذاته. عندما يتحول المشهد إلى روتين، فإن ما كان صادمًا بالأمس يصبح أقل صادمًا اليوم. وهذه من أخطر آليات الاحتلال، تحويل المخالفة إلى أمر عادي، ثم البناء عليها قانونياً وأمنياً وإعلامياً. لذلك، لا يمكن فهم وتيرة التوغلات دون فهم منطق التراكم: خطوة صغيرة اليوم تمهد لخطوة أكبر غداً. الأقصى هو قلب مشروع التهويد. القدس ليست هامشا في المشروع الصهيوني، والأقصى ليس تفصيلا داخل المدينة. منذ احتلال القدس الشرقية عام 1967، عملت سلطات الاحتلال على تغيير الطابع الديمغرافي والعمراني والرمزي للمدينة. وكان الأقصى دائما في قلب هذا الصدام، لأنه يمثل آخر المعنى السياسي والديني والسيادي الفلسطيني المتبقي في القدس المحتلة. ولهذا تأتي المداهمات ضمن مسار أوسع: التضييق على الأوقاف، واضطهاد المرابطين، وترحيل الناشطين والحراس، والسيطرة على أبواب المسجد، والتدخل في أعمال الترميم، واستعراض القوة داخل الحرم نفسه. الفكرة ليست فقط السماح للمستوطنين بالدخول، بل التأكيد على أن الاحتلال هو الذي ينظم إيقاع المكان ويحدد قواعد الوصول إليه. وهنا تجدر الإشارة إلى أن التهويدة لا تتحرك بالضرورة بقفزات دراماتيكية. وفي بعض الأحيان يتحرك من خلال تفاصيل تبدو إجرائية – زيادة عدد المتسللين، وتمديد أوقات الاقتحام، وحماية الطقوس التلمودية العامة، وتشديد القيود على المصلين المسلمين في الأعياد والتجمعات والمواسم. لكن عندما تجتمع هذه التفاصيل معًا، فإنها تغير ميزان السيطرة فعليًا. من التوغل إلى محاولة فرض الانقسام. ومن الأسباب الأساسية للاقتحامات المتكررة محاولة فرض تقسيم زماني ومكاني للأقصى، على غرار ما حدث في الحرم الإبراهيمي في الخليل. صحيح أن الاحتلال لا يعلن ذلك دائما بشكل رسمي نهائي، لكنه يراكم الحقائق في هذا الاتجاه: ساعات محددة للمتسللين، وإجراءات تفريغ المصلين، ومناطق يمنع الاعتراض فيها، وزيادة السماح بالتظاهرات الدينية اليهودية داخل المسجد. وهذا المسار لا يتقدم بالسرعة نفسها في كل مرحلة، لأنه يصطدم أحياناً بمقاومة شعبية وحساسية إقليمية للقضية. لكنه لا يتوقف. وعندما تهدأ الضغوط يعود الاحتلال ليدفع بالخطوة التالية. لذلك، يبدو التكرار للكثيرين استفزازاً متواصلاً، بينما هو في الحسابات الإسرائيلية وسيلة اختبار وإنجاز تدريجي في الوقت نفسه. ووثقت المحافظة في تقريرها الشهري لشهر مايو 2026، ارتفاع ثلاثة شهداء، واقتحام 7244 مستوطنا للمسجد الأقصى المبارك، إضافة إلى تسجيل 101 حالة اعتقال، وأكثر من 67 أمر إبعاد، و84 عملية هدم وتجريف، في إطار سياسة تستهدف فرض واقع جديد في المدينة وبسط السيطرة الاستعمارية عليها. دور الجماعات الاستيطانية الدينية المتطرفة لا يمكن تفسير المشهد دون التوقف عند الجماعات الاستيطانية المتطرفة التي جعلت من اقتحام الأقصى برنامجا سياسيا ودينيا معلنا. ولا تتحرك هذه الجماعات على هامش الدولة، بل تتزايد قدرتها على التأثير داخل المؤسسة السياسية والأمنية. والعديد من رموزه أصبح جزءاً من الحكومة أو مناخها العام، ما يعني أن الفجوة بين تحريض الشارع الاستيطاني وقرار الحكومة أصبحت أضعف من أي وقت مضى. هذه المجموعات تدفع باتجاه أمرين في وقت واحد: تكثيف التوغلات، وتغيير طبيعتها. ولم يعد الهدف مجرد دخول رمزي، بل ممارسة شعائرية، والركوع والسجود العلني، وإدخال أدوات وملابس ذات دلالة دينية، والمطالبة بحق ثابت في المكان. وهذا تطور خطير، لأنه ينقل التطفل من مستوى الاستفزاز السياسي إلى مستوى المطالبة الدينية السيادية. وفي المقابل، تستخدم حكومة الاحتلال الإسرائيلي أحيانًا هؤلاء المتطرفين كورقة ضغط داخلية. وكلما احتاج إلى تعزيز تماسك ائتلافه اليميني، أو الهروب من أزماته، أو مخاطبة قاعدته الانتخابية، يصبح الأقصى ساحة جاهزة لإرسال الرسائل. من هنا نفهم سبب تزايد وتيرة المداهمات في بعض المناسبات العبرية، أو في لحظات التوتر السياسي الداخلي. البعد الأمني ليس تفسيرا كافيا. وكثيراً ما يبرر الاحتلال إجراءاته في الأقصى بالأمن والنظام العام. لكن هذه القصة تخفي أكثر مما تكشف. ولو كان الهدف أمنياً بحتاً، لما رأينا مرافق منظمة للمستوطنين تحت حماية مئات العناصر، مقابل منع آلاف الفلسطينيين من الوصول أو الاعتداء عليهم أو فرض أعمار أو إغلاق الأبواب أو تحويل المسجد إلى ثكنة مؤقتة. والمسألة في جوهرها ليست الأمن، بل استخدام الأمن كأداة لإدارة السيطرة. فعندما يصبح الفلسطيني في أقدس مقدساته موضع المنع والتفتيش والترحيل، في حين يحصل الدخيل على ممر آمن وحماية رسمية، فإننا نواجه معادلة استعمارية واضحة: مالك الأرض يعامل باعتباره تهديدا، والمعتدي صاحب امتياز. وهذا لا يعني أن الاحتلال لا يأخذ بعين الاعتبار الانفجار. وهو يفعل ذلك بدقة، وغالباً ما يحاول الدفع إلى النقطة التي يحقق فيها مكاسب دون دفع أسعار كبيرة. لكن الحسابات الأمنية هنا تابعة للهدف السياسي، وليست بديلاً عنه. لماذا يصر الاحتلال على تطبيع الاقتحامات؟ لأن أخطر ما يمكن أن يحققه في القدس هو التطبيع غير الطبيعي. ويعلم الاحتلال أن معركة الأقصى ليست معركة ميدان فحسب، بل معركة إدراك أيضا. وإذا اعتاد الرأي العام على مشاهد الاقتحام كأخبار متكررة لا تغير شيئاً، فإنه يكون قد سلب جزءاً من قوة الرد الأخلاقي والسياسي. تطبيع الاقتحامات يخدم الاحتلال في أكثر من اتجاه. فهو يرسخ في الوعي الإسرائيلي أن الوصول إلى الأقصى حق مكتسب، ويبعث برسالة للفلسطينيين مفادها أن قدرتهم على المنع بدأت تضعف، ويختبر حدود رد الفعل العربي الرسمي، ويستفيد من انشغال العالم بأزمات أخرى. فكلما مرّ اقتحام واسع النطاق دون عواقب، أصبح سابقة يُبنى عليها لاحقاً. وهنا يظهر فرق مهم بين الحدث الفردي والعملية العامة. قد تبدو بعض التطفلات محدودة بالزمن أو العدد، لكن قيمتها الحقيقية تقاس بما تضيفه إلى سلسلة السوابق. ولذلك فإن قراءة كل توغل بمعزل عن سابقه ولاحقه يخدم الرواية الإسرائيلية أكثر مما يخدم فهم الواقع. أين تقع المسؤولية الدولية؟ ومن الناحية القانونية، فإن القدس أرض محتلة، والأقصى جزء من هذا الواقع الذي تحكمه قواعد واضحة للقانون الدولي. لكن المشكلة المزمنة هي أن النص القانوني شيء، والإرادة لفرضه شيء آخر. الاحتلال يتحرك بثقة لأنه يدرك أن الإدانات الكلامية لا توقف جنديا ولا تمنع مستوطنا ولا تلغي قرارا ميدانيا. وهذا العجز الدولي لا يفسر التوغلات وحدها، بل يشجع على استمرارها. عندما لا تكون هناك تكلفة سياسية حقيقية لانتهاك الوضع التاريخي والقانوني للمسجد، فإن الاستمرار في الانتهاك يعد خيارًا منخفض المخاطر. ومن هذه الزاوية فإن الاقتحامات المتكررة ليست نتيجة للتطرف الإسرائيلي فحسب، بل هي أيضاً نتيجة فراغ الردع العربي والإسلامي والدولي. فكيف يواجه الفلسطينيون هذا المسار؟ ورغم شدة القمع، لم يتعامل الفلسطينيون مع الأقصى كملف رمزي بعيد عن الحياة اليومية. الرباط، والسفر الجماعي، والحضور المكثف في المواسم، والاستجابة الشعبية في لحظات الخطر، كلها ساهمت مرارا وتكرارا في تعطيل أو تأخير مخططات الاحتلال. وما حصل في المراحل السابقة أثبت أن الإرادة الشعبية قادرة على فرض المعادلات عندما تكون لها الاستمرارية والاحتضان. لكن المواجهة هنا ليست سهلة ولا مستمرة. ويتأثر بحجم القمع، وسياسات الترحيل والاعتقال، والظروف المعيشية، والانقسام السياسي الفلسطيني، والمناخ الإقليمي الأوسع. ولذلك فإن الحديث عن حماية الأقصى لا ينبغي أن يقتصر على رد فعل موسمي، بل على بناء حالة دائمة من الوعي والمتابعة والدعم، لأن الاحتلال يعمل على المدى الطويل. المعركة على الرواية لا تقل أهمية عن المعركة في الميدان. إن تسمية الأشياء بأسمائها الحقيقية هي قضية أساسية: ما يتم غزوه، لا تتم زيارته. إن ما يحدث في باحات المسجد مفروض بالقوة، وليس ممارسة لحق طبيعي. فعندما يتم تشويه اللغة، يتم تشويه حقيقة الصراع معها. لماذا تتكرر الاقتحامات على الأقصى في هذا التوقيت بالذات؟ ويرتبط التصعيد في بعض الأحيان بمواسم دينية يهودية تسعى خلالها الجماعات المتطرفة إلى انتزاع المزيد من المشاهد الرمزية. ويرتبط الأمر أحياناً بأزمات حكومة الاحتلال وحاجتها إلى خطاب تعبئة داخلي. وفي أحيان أخرى، يكون الهدف هو استباق أي تحرك فلسطيني أو إقليمي من خلال إثبات اليد العليا في القدس. ولذلك ليس هناك توقيت واحد ثابت، بل القاعدة هي أن الأقصى يستخدم باستمرار ساحة اختبار ورسائل وفرض حقائق. وهنا تكمن خطورة المرحلة الحالية. وعندما تجتمع حكومة اليمين الأكثر تطرفا مع الجماعات التي تعتبر الأقصى مركزا لمشروعها الأيديولوجي، وفي ظل بيئة دولية عاجزة أو متواطئة، فإن خطر الانتقال من الاقتحامات المتكررة إلى تغييرات أعمق يصبح خطرا حقيقيا، وليس افتراضيا. الأقصى لا يحتاج إلى موسم غضب عابر، بل إلى يقظة سياسية وشعبية تحرس المعنى قبل الحجر. وفي كل مرة يُطرح السؤال عن سبب تكرار الاقتحامات على الأقصى، فإن الجواب يجب أن يكون بداية الفعل وليس نهاية النقاش، لأن الاحتلال يراهن دائماً على الوقت، بينما حماية المقدسات تبدأ بكسر هذا الرهان.



