اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-12 12:09:00
النخب السودانية: بين أزمات الثقة والحاجة إلى رؤية وطنية شاملة. أماني الطويل، مستشارة مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية وخبيرة في الشؤون الأفريقية، عندما حذرت إيثار إبراهيم القيادية في حركة العدل والمساواة السودانية، صريحة، من أن من يلغي اتفاق جوبا للسلام سيعاني من تبعات الاتفاق الإطاري الذي أدى إلى الحرب السودانية، فإنها لم تكن تعبر عن موقف شخصي عابر بقدر ما كانت تعبر عن حالة توتر حقيقية تعيشها الأطراف السودانية الهامشية الموقعة على اتفاق جوبا. وعندما فشلت اجتماعات الآلية الخماسية في أديس أبابا في التوصل إلى الحد الأدنى من التوافق بين القوى السياسية السودانية، فإننا أمام وضع يكشف عمق أزمة الثقة المتراكمة بين مكونات المعادلة السياسية السودانية. وفي سياقها الأوسع، تطرح هذه التحذيرات سؤالاً جوهرياً لا يمكن تجاهله: هل اتفاق جوبا يصلح للاستمرار كإطار للتسوية، أم أن الأزمة السودانية في جوهرها تدعو إلى مشروع وطني شامل يتجاوز المنطق الجزئي والجهوي والعرقي الذي قام عليه الاتفاق؟ وتم توقيع اتفاق جوبا للسلام في أكتوبر 2020 بين الحكومة السودانية الانتقالية وعدد من الحركات المسلحة. ومثلت لحظة توقيعها الإطار التفاوضي الأوسع الذي جمع أطراف الصراعات المسلحة في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق مع المركز، في مشهد بدا للوهلة الأولى وكأنه يطوي صفحة طويلة من الصراع الهامشي على المركز. وارتكز الاتفاق على عدد من الركائز: الترتيبات الأمنية التي تتطلب دمج الحركات المسلحة في الجيش والشرطة، والتنمية الإقليمية الرامية إلى معالجة جذور التهميش، وتقاسم السلطة من خلال منح الحركات حصصا في المؤسسات الانتقالية. ومع ذلك، فإن التنفيذ الفعلي لهذه الركائز كان ناقصًا في أحسن الأحوال. ولم يكتمل التكامل الأمني، واستمرت الحركات المسلحة في الحفاظ على تشكيلاتها وأسلحتها وجغرافيتها، في انتظار ترتيبات لم تكتمل. ظلت التنمية الإقليمية حبرا على ورق في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي ضربت الدولة السودانية قبل أكتوبر 2021. وتحول تقاسم السلطة إلى ورقة عمل سياسية بدلا من بناء مؤسسي فعلي، مما أفقد الاتفاق زخمه الوحدوي وأبقاه أسيرا لحسابات اللحظة وليس لرؤية استراتيجية بعيدة المدى. وفي هذا السياق، لا يمكن فهم تحذير إيثار إبراهيم (شقيقة جبريل إبراهيم زعيم حركة العدل والمساواة المتحالفة مع الجيش) بمعزل عن السياق التاريخي الذي يؤطره. وتم إبرام الاتفاق الإطاري الموقع في ديسمبر 2022 بين الجيش وقوى الحرية والتغيير في غياب الأحزاب الرئيسية في جوبا، وهو ما خلق شعورا لدى قيادات الحركات الموقعة في جوبا بأن ثقلهم السياسي يتم تجاوزه في معادلة التسوية الجديدة. وهذا الشعور دفعهم نحو رفض الاتفاق الإطاري ووصفه بالإقصاء الذي يعيد نمطاً تاريخياً راسخاً في السياسة السودانية. ثم جاءت الحرب في أبريل 2023، لتعقد المشهد برمته، إذ وجدت حركات جوبا نفسها أمام خيارات مريرة: إما الانحياز إلى الجيش الرسمي لأحد الأطراف المتحاربة، أو الانحياز إلى الدعم السريع للطرف الآخر، أو تبني موقف الحياد الذي يفرض عليها تكاليف باهظة من الجانبين. وفي هذه المعادلة الثلاثية القسرية، تصبح أوراقهم العسكرية الضمانة الوحيدة لبقائهم فعالين في أي تسوية مستقبلية. ويمكن القول في هذه المرحلة إنه لا يمكن قراءة المشهد السوداني الحالي دون فهم الثقل العسكري الحقيقي لحركتي مناوي والعدالة والمساواة، وهو الثقل الذي بدأ يتوسع بشكل ملحوظ في ظل التطورات الميدانية الأخيرة. وتضم حركة تحرير السودان، بقيادة ميني أركو ميناوي، ما بين سبعة إلى عشرة آلاف مقاتل، يتمركز معظمهم في إقليم دارفور، وتحديداً في مناطقه الشمالية والوسطى، ولهم تواجد ممتد يصل إلى المناطق الحدودية مع ليبيا وتشاد. وتتمتع الحركة بخبرة ميدانية اكتسبتها من عقدين متواصلين من الصراع، مما يجعلها قوة ضاربة قادرة على التأثير في ميزان السيطرة الجغرافية في دارفور بشكل لا يمكن لأي طرف أن يتجاهله. أما حركة العدل والمساواة بزعامة جبريل إبراهيم فقد شهدت خلال الأشهر الأخيرة مرحلة ملحوظة من التوسع في تحركاتها وتحالفاتها. وانضمت إليها عدة فصائل سودانية مسلحة لم تجد في الجيش السوداني وحده ضامناً كافياً لمصالحها ووجودها. ويعكس هذا الانضمام أزمة ثقة عميقة مع المؤسسة العسكرية الرسمية، وليس مجرد إعادة ترتيب. ويرفع هذا التوسع تقديرات عدد الحركة إلى ما بين خمسة وثمانية آلاف مقاتل، ويتمركزون في قاعدتها التكتيكية في قبيلة الزغاوة الممتدة عبر الحدود السودانية التشادية، مما يمنح الحركة عمقا استراتيجيا يتجاوز الجغرافيا السودانية الضيقة. وما يجعل ظاهرة الانضمام إلى العدل والمساواة بدلا من الجيش السوداني مهمة، هو أنها تكشف عن معادلة جديدة في تشكيل التحالفات السودانية المسلحة. وهناك فصائل أصبحت تنظر إلى الحركات المسلحة التي وقعت على جوبا على أنها إطار تنظيمي أكثر موثوقية من المؤسسة العسكرية الرسمية. أزمة الثقة: عندما تتآكل الحوافز السياسية، فإن أزمة اتفاق جوبا الحالية تتجاوز مشاكل التنفيذ الفني لتؤثر على هيكل أعمق، وهي أزمة الثقة المتراكمة بين كافة الأطراف السودانية. وينظر الجيش السوداني الذي يخوض حربا مع الدعم السريع إلى مطالب حركات جوبا في هذا الوقت بعين الريبة، إذ يخشى أن تستخدم هذه المطالب كورقة ضغط في لحظة حرجة. وبدورها ترى قوى الحرية والتغيير أن التحالف العضوي بين بعض حركات جوبا والجيش يتناقض مع المبدأ الحضاري الذي ترفعه شعارا. وتعاني حركات جوبا نفسها من انقسامات داخلية بين أجنحة اختارت مسارات مختلفة منذ اندلاع الحرب. وتضاف إلى هذا المشهد المعقد عدد من العوامل الموضوعية: أولا، اتساع الفجوة بين النخب السياسية وسكان المتضررين من الحرب، والذين يبلغ عددهم أكثر من عشرة ملايين نازح. ثانياً، الجغرافيا السياسية للأزمة مجزأة على نحو يجعل من الصعب الحديث عن حل موحد للمعادلات المتباينة في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق والخرطوم. ثالثاً، يمنح التنافس على الموارد، وخاصة الذهب والأراضي الزراعية، للصراع بعداً اقتصادياً لا تكفي المفاوضات السياسية وحدها لحله. نحو مشروع وطني شامل: شروط الإمكان ومتطلبات التحقق. وقد يتفق في الأدبيات السياسية، خاصة الإفريقية منها، على أن نموذج اتفاقيات السلام المبنية على المنطق الجزئي، أي تلك الاتفاقات التي تعالج كل صراع عرقي أو إقليمي في صفقة منفصلة دون بناء مرجعية وطنية شاملة، هو نموذج إذا نجح في تحقيق السلام المؤقت فإنه يرسخ منطق الهويات الجزئية المسلحة بديلا للمواطنة الشاملة، ويحول الحركات المسلحة من قوى التغيير إلى أحزاب لها مصالح راسخة في النظام القائم. وفي السياق السوداني تحديداً، يُلاحظ أن كل اتفاق سلام وقعته الخرطوم مع أطراف الأطراف من نيفاشا عام 2005، مروراً بالدوحة عام 2011، وصولاً إلى جوبا عام 2020، عالج أعراض أزمة الدولة السودانية دون المساس بجوهرها، وهو الخلل في بنية الدولة نفسها، التي تنتج التهميش بشكل ممنهج منذ عقود. ومن هنا فإن الحديث عن مشروع وطني شامل يكتسب مشروعية ليس فقط على المستوى الأخلاقي، بل أيضاً على المستوى العملي والوظيفي البحت. إن معالجة المشكلة السودانية من منظور وطني شامل يتطلب تحقيق مجموعة من الشروط الموضوعية: الشرط الأول هو الاعتراف الصريح بأن أزمة التهميش ليست عرضية، وأن معالجتها تتطلب إعادة هيكلة الدولة السودانية اقتصاديا وسياسيا وثقافيا، وليس إضافة بروتوكولات جديدة إلى هيكل قائم. والشرط الثاني هو بناء إجماع وطني على صيغة الدولة التي تضم كافة الأطراف، من العسكريين إلى القوى المدنية إلى الحركات المسلحة، وصولاً إلى القوى السياسية السودانية. وهكذا تكشف المعطيات المتراكمة أن اتفاق جوبا للسلام ليس عديم القيمة، فهو يمثل اعترافا رسميا بعمق أزمة التهميش التي أنتجت الحرب في الهامش السوداني. كما أنها تشكل إطاراً مرجعياً للقوات المسلحة التي يصعب استيعابها في أي تسوية مستقبلية بغض النظر عما وقعت عليه. لكن صلاحيته للاستمرار مشروطة بشرط أساسي: إعادة النظر في بنيته بحيث يتحول من اتفاق جزئي لتقاسم المصالح إلى جزء من مشروع وطني شامل يخاطب منطق الدولة نفسها. الأهمية الاستراتيجية لحركتي مناوي والعدالة والمساواة في المعادلات العسكرية تجعل الاستخفاف بمطالبهما رهاناً خاسراً في أي حسابات تسوية. إن انضمام فصائل مسلحة جديدة إلى حزب العدل والمساواة بدلا من الجيش يزيد من ثقل هذا التيار في معادلة ما بعد الحرب ويجعل استبعاده من أي ترتيب سياسي مستقبلي في غاية الخطورة. ولعل الدرس الأكثر إيلاماً في المشهد السوداني هو أن إدارة الهشاشة لا تعني السلام، بل هي حرب بطيئة الاشتعال. وطالما أن القوى السياسية والعسكرية السودانية بكافة أطيافها تتعامل مع أوراق التفاوض بمنطق الحصص والغنائم وليس بمنطق بناء الدولة، فإن اتفاق يلغي أو يعدل أو يكمل جوبا لن يكون أكثر من محطة في رحلة طويلة ينتظر السودان خلالها حرباً أخرى. ووفق هذا الإطار تبقى الرهانات الإقليمية والدولية على استقرار السودان قائمة ومشروعة، لكنها لن تترجم إلى واقع إلا إذا ظهرت إرادة سياسية حقيقية من داخل المعادلة السودانية لبناء دولة المواطنة التي يكون لكل سوداني مكان فيها، بغض النظر عن جانبه أو عرقه أو انتمائه المسلح، وتلك هي المسافة الكاملة بين اتفاق جوبا في حالته الحالية والمشروع الوطني السوداني الشامل. مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، كاتب




